مع الناس:بقلم- عبدالحميد أحمد

في الوقت الذي تراجعت فيه أسعار كثير من السلع من العام 97 وحتى الآن حوالي 50%, ارتفعت أسعار الخدمات بالنسبة نفسها تقريبا, خاصة أسعار إيجارات المساكن والشقق والمحلات, في مفارقة غريبة تظهر الفجوة الكبيرة بين أسعار السلع وأسعار الخدمات . وهكذا فإنه بالإمكان شراء جهاز تلفزيون أو راديو أو كاميرا أو هاتف نقال أو ملبوسات أو أثاث أو غير ذلك من سلع بعضها أساسي وبعضها كمالي بأسعار لا تصدق فعلاً نظراً لرخصها, مقابل عدم الإمكان بالمرة العثور على شقة بسعر مناسب أو على غرفة في فندق بسعر معقول أو على سيارة مؤجرة بسعر مقبول أو على تاكسي بالأسعار التي عهدناها سابقا, فأسعار مثل هذه الخدمات نار, حتى إذا استثنينا منها خدمات أخرى كالكهرباء والاتصالات, مقابل السلع التي تنخفض أسعارها إلى حدود معقولة. طبعاً هناك من يعزو السبب إلى أن المنافسة في سوق السلع أكبر, حيث التنوع والتعدد يؤديان إلى المنافسة فانخفاض الأسعار, وإلى نشوء مصادر جديدة لهذه السلع كبلدان شرق آسيا, إضافة بالطبع إلى انخفاض قيمة التعرفة الجمركية, وغير ذلك من عوامل تساعد على انخفاض أسعار السلع, مقابل ارتفاع أسعار الأراضي وتكلفة البناء والرسوم وغير ذلك, والتي تؤدي بدورها إلى ارتفاع أسعار الخدمات وتحديداً الإيجارات. وصحيح أننا لا نستطيع أن نستورد العقارات جاهزة كالسلع فنغرق بها السوق في منافسة مفتوحة على بيع خدماتها كما هو الحال مع السلع, غير أن الصحيح أن السنوات الماضية شهدت من حركة البناء, سواء كان للشقق والأبراج السكنية والمراكز التجارية والعمارات, ما يكفي لكبح جماح أي ارتفاع في الأسعار, نظراً لزيادة المعروض من هذه الوحدات السكنية والتجارية على السواء, ومع ذلك ظلت الأسعار في ارتفاع إلى المستوى الذي لم يعد كثيرون قادرين على تحمله, سواء كانوا من مستخدمي الوحدات السكنية أو التجارية, ممن بدأنا نسمع مؤخراً شكاواهم. وبما أن انخفاض أسعار السلع لا يستقيم قطعاً مع الارتفاع الفاحش في أسعار الخدمات وتحديداً الإيجارات, فالأول يشير في أحد جوانبه إلى انخفاض القوة الشرائية وبالتالي ركود في الدورة الاستهلاكية, فإن انخفاضاً مماثلاً في الخدمات يصبح مطلوباً لكي يعود الانتعاش مجدداً, وذلك بتخفيض كلفة المعيشة على الناس, والتي يذهب جزء كبير منها على تكاليف الخدمات, فيكون خفض الإيجارات مثلاً بنسبة ما هو عين الصواب سواء للوحدات السكنية أو التجارية معاً. هذا ما اتخذته مثلاً شركة عقارية كبرى في دبي حين أعلنت خفضاً من 10% إلى 25% على عقاراتها, إحساساً منها بالمتغيرات في سوق العقارات التي تجعل في ظل الغلاء الفاحش للإيجارات العثور على مستأجرين أمراً صعباً, مقابل شركات أخرى وملاك اكتفوا فقط بالتراتجع عن زيادة الأسعار السنوية المعهودة والاحتفاظ بالمستوى السعري السابق نفسه. مع ذلك, فإنه مع أي تخفيض في الإيجارات سوف يظل النشاط العقاري واحداً من أكثر الأنشطة ربحية, فإذا كان معدل ربحيته اليوم تدور حول 10%, فإن هذا المعدل سيظل مقبولاً وكبيراً حتى لو دار حول 5%, فيساهم مثل هذا الانخفاض في انخفاض أسعار الخدمات الأخرى بما يجعلها منطقية ومقبولة وفي قدرة المتسهلكين, ويكون في إمكان الواحد منا إحتساء فنجان قهوة في فندق أو مقهى من دون أن يدفع 15 درهماً ثمناً لهذا الفنجان, كما هو الحال الآن.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات