سرقة عقل:بقلم-د. السيد بخيت

القرصنة الفكرية والإلكترونية ظاهرة عالمية, وإن كانت نسبة هذه القرصنة تتباين من دولة الى أخرى, وهى ليست قاصرة على بلدان الشرق الأوسط, بل توجد أيضاً في الولايات المتحدة , بيد إن المستقبل يبشر بامكانية الحد من هذه الظاهرة في دول المنطقة العربية والخليجية, والتي بدأت تدرك خطورة هذه الظاهرة, وتسعى جاهدة للحد منها, فدولة الإمارات مثلاً تتخذ خطوات جادة نحو التأكيد على حماية الملكية الفكرية وحقوق المؤلف, والقضاء على ظاهرة القرصنة الإلكترونية, وهى تعد أفضل الدول العربية في مجال مكافحة القرصنة, إذ انخفضت معدلات القرصنة بها الى 60%, في مقابل 72% في عام ,1990 كما انخفضت نسبة الخسائر المسجلة بها لأكثر من الربع في العامين الأخيرين, حيث حققت الإمارات انخفاضا وصل نسبته الى 28%, مسجلة بذلك واحدة من أعلى النسب في العالم, وهو ما يرجع الى محاولات دولة الإمارات تطبيق قوانين حماية الملكية الفكرية بكل حزم, والربط بين تطبيق قانون حماية الملكية الفكرية وحماية الاستثمارات الأجنبية, واعتبار تطبيقه وسيلة أساسية لحماية هذه الاستثمارات وتشجيعها على البقاء. وهناك مؤشرات كثيرة تشير الى التقدم الملحوظ في هذا الصدد, من بينها المصداقية الكبيرة التي تتمتع بها الدولة في مجال الاتصالات والكمبيوتر وتكنولوجيا المعلومات, والشاهد على ذلك نجاح معرض جيتكس للكمبيوتر, والتعاون القائم بين اتحاد منتجي برامج الكمبيوتر ومركز دبي التجاري العالمي, بل وقيام دائرة التنمية الاقتصادية بدبي بتعيين لجنة خاصة في المعرض لمراقبة الالتزام بقوانين الحماية والتفتيش على البرامج المنسوخة, واستضافة اجتماع لاتحاد منتجي برامج الكمبيوتر التجارية على هامش المعرض, وكذلك ما أظهرته نتائج المسح الميداني الذي قامت به شركة ميكروسوفت على عدد من شركات الكمبيوتر في الامارات, من التزام عدد كبير من هذه الشركات بالقوانين التي تطبقها وزارة الإعلام والثقافة في الدولة منذ العام الماضي والخاصة بحماية المصنفات الفكرية, حيث قالت نسبة 7.5% من هذه الشركات أنها مازالت تقبل التعامل بالبرامج المقرصنة, وقد عدت ميكروسوفت هذه النتيجة جيدة. ومن وقت لآخر, نقرأ أخباراً عن مصادرة الاف برامج الكمبيوتر المقرصنة في حملات مشتركة بين وزارة الإعلام والشرطة وجمعية الحماية (بلغت قيمة المضبوطات في احدى هذه الحملات 10 ملايين درهم في الشارقة) وكذلك ما قرأناه منذ أيام في أوائل هذا الشهر عن عقد اجتماع للجنة الوزارية العليا للتشريعات لمناقشة مشروع القانون الاتحادي لتعديل بعض المواد المتعلقة بأحكام القانون الاتحادي رقم 40 لسنة 1992 والخاص بحماية المصنفات الفكرية وحقوق المؤلف. وقد شمل مشروع التعديل ثماني مواد من القانون المذكور, وذلك تماشيا مع سياسة دولة الإمارات لحماية المصنفات الفكرية والأدبية, حيث جاءت نصوص المواد برفع العقوبات في المخالفات لأحكام هذا القانون, وسيرى مفعول هذه التعديلات بعد تصديق مجلس الوزراء عليها. وأهمية مثل هذه التعديلات تأتي في وقت تواجه فيه شركات الكمبيوتر في العالم كله وفي عالمنا العربي بشكل خاص خسائر فادحة, تهدد بوقف عمليات البحث المستمرة لتطوير برامج الكمبيوتر, فيما يعرف بظاهرة القرصنة الإلكترونية, والتي تقدر قيمة خسائرها بقرابة 5.11 مليار دولار, حيث تصل معدلات القرصنة في بعض الدول العربية الى 93% من حجم البرامج المتداولة في السوق, إذ توجد 8 ــ 9 نسخ غير أصلية من بين كل عشر نسخ مطروحة في السوق. وترجع أهمية مكافحة ظاهرة جريمة القرصنة الفكرية الى كونها سرقة المجهود العلمي والفكري لآخرين عانوا الأمرين من اجل إنتاجه, وبعض هذه الأعمال يستغرق إعدادها أو انتاجها عدة سنوات لتخرج الى النور, كما تتكلف الجهات المنتجة لها مبالغ طائلة لإجراء الأبحاث عليها قبل تسويقها. وهى أيضاً تعد جريمة اجتماعية, وإن كانت لا تضر بجمهور المستهلكين إلا أنها تضر بالمخترعين والمبتكرين وتحد من حماسهم الفكري والعلمي, فهى تعد بمثابة سرقة عقل شخص آخر. كما ان مثل هذه القرصنة تضر باقتصاديات الدول نفسها, لما يلحق بها من خسائر, كما تضرب عملية الاستثمار بها في مقتل, فقد تؤدي الى توقف بعض الشركات مع تعاظم خسائرها, وهو ما يؤثر بالسلب على السوق بصفة عامة, فتوقف أي شركة يضر بالشركات الاخرى لأنه يضيق حجم سوق المتعاملين مع أجهزة الكمبيوتر, كما أن هذه الشركات تكون غالباً صغيرة الحجم وليست شركات ذات رؤوس أموال ضخمة مثل الشركات العالمية, وبالتالي لا تتحمل الخسائر الكبيرة, كما يؤدي الى تشريد العديد من العاملين, وكذلك قد يؤدي الى توقف علميات تطوير البرامج باللغة العربية وتوقف عمليات البحوث الخاصة بذلك بل وهجرة العقول العربية المتخصصة في مجال تقنية المعلومات. وحل هذه المشكلة يتمثل في التطبيق الحازم لقوانين الملكية الفكرية, ورفع مستوى الوعي بها لدى مستخدمي برامج الكمبيوتر, وذلك عن طريق حملات توعية تقوم بها الشركات ووسائل الإعلام لشرح الأخطار التي تهدد صناعة البرمجيات بسبب القرصنة,. وتوعية الأفراد بأن الخسائر يمكن أن تطولهم هم أيضاً, وأن عملية القرصنة قد تضر بهم من خلال الحصول على نسخ غير دقيقة أو تلحق أضراراً بأجهزة الكمبيوتر, أو بمادتهم العلمية المخزنة عليها. وكذلك يتمثل الحل في قيام شركات البرمجة بتقديم تسهيلات لجذب المستهلك, وذلك من خلال تخفيض أسعار البرامج الأصلية, إضافة الى تقديم توعية للمستهلك بأن تعامله مع الشركة الأصلية ومع البرنامج الأصلي أكثر فائدة له وأكثر ضمانا لحقوقه, وأيضاً ضرورة الاهتمام بترجمة الاتفاقيات الدولية المتعلقة بقوانين حماية الملكية الفكرية والتعريف بها, وإقامة الندوات والمؤتمرات لبحث مثل هذه الاتفاقيات ونشر مفاهيمها, وإنجاز فكرة مشروع قاموس الملكية الفكرية لمساعدة العاملين في هذا المجال, وتجميع القوانين الخاصة بالملكية الفكرية في كتيب واحد وتوزيعه على الجهات المعنية بالأمر. مع ضرورة النظر الى قوانين الحماية الفكرية بشكل متكامل ومرن في نفس الوقت, إذ تطرح الثورة التكنولوجية مجالات متزايدة تتحدى من خلالها هذه القوانين, فعلى سبيل المثال ينبغي أن يمتد الاهتمام الى قضايا حماية العلامات التجارية عبر الإنترنت وحماية حقوق المؤلفين الفكرية, والاستخدام غير المرخص به للعناوين الإلكترونية, وأسماء الحقول, والاستفادة من خبرات الدول الأخرى في هذا المجال.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات