أبجديات،بقلم: عائشة إبراهيم سلطان

في الغرب يقبل الناس على الكتّاب والروائيين والشعراء اكثر من اقبالهم على مواعظ رجال الدين, والسبب معروف فمنذ زمن طويل اعلن الغرب (طلاقا) لا رجعة فيه بين الدين وشؤون الحياة, واعتقل تفاصيل ورموز هذا الدين في الكنائس والكاتدرائيات, وحل المثقفون العلمانيون محل رجال الكهنوت القديم لهداية البشر واصلاح احوالهم. وأطلقت لهؤلاء المثقفين الحرية كاملة ليقولوا ما يشاؤون . في العالم الثالث ذي الخصوصية الثقافية بالغة التعقيد والحساسية, وفي العالم العربي تحديدا لا يناقش الناس مسائل كهذه, حيث تدخل في نسيج معقد من الممنوعات والمحظورات, ويتم الاتفاق ضمنا على السكوت عنها منعا للفتنة والبلبلة! وهذا هو الخطأ الاكبر الذي مازلنا نصر على ارتكابه يوميا, برغم هذا الاداء الديني الضعيف للكثير من الرموز الدينية في مواعظها وكتاباتها وظهورها الاعلامي بشكل عام. لكن من الذي يدفع ثمن هذه الظاهرة؟ انهم المثقفون اصحاب الابداع سواء كانوا شعراء او كتاباً روائيين ومسرحيين او صحفيين, حيث يقعون ضحايا القمع والمنع والرقابة, في حين لا ينجو القارىء منها كذلك, وبالتالي ترزح الساحة الثقافية العربية باعباء وظواهر تؤثر بشكل كبير على عطاءاتها وجمالياتها, كما يترنح المبدع تحت وطأة حالات من القلق والتوتر والاهتزازات العصبية التي قد تقوده في احيان كثيرة الى اسوأ الحالات. انه حين يصر الكاتب على ان اراءه صائبة, وحين يصرخ الصحفي محتجا على الرقيب وبأن ما يقوله هو الحقيقة وحين... وحين, فإن هذا الصدام يكشف عن ازمة حقيقية تتفاقم على محورين: محور الابداع او العمل المقدم الذي قد تعمل الرقابة على قتله وبالتالي عدم الافادة منه, ثم محور الكاتب او المبدع الذي قد يقع ودون ان يدري في دائرة الاحباط والاستبداد واخطره استبداد الافكار, خاصة حين يرفض ان يناقش فكرته او يضعها في دائرة الجدل! في ظني الخاص فإن الابداع كله لا أهمية له على الاطلاق اذا لم يصب في خانة الجماهير, فالناس اولاً وليس الافكار كما يقول (بول جونسون) صاحب كتاب (المثقفون) . ان الصدام المستمر الذي يعيشه المبدع مع عالم الرقابة القاتل, ثم نظرته المبالغة لنفسه ورؤيته الشخصية لافكاره وطروحاته توقعه في الاستبداد احيانا كما تقوده الى الجنون احيانا او الانتحار أو الهروب والضياع. وقد اكدت دراسة بريطانية نشرتها مجلة (التحليل النفسي) ان الكتاب يرهقون ذهنيا بالتفكير والصراعات والتخيل, وبالتالي فهم غالبا ما يعانون من اختلال عقلي! وقد استند صاحب الدراسة (د. فيليك بوست) الى سيرة 100 كاتب بريطاني وامريكي ليعرف اسباب الاختلال الذي غالبا ما يصيب الكتاب. كما عكف على دراسة عدد كبير من الشعراء وخلص الى ان الاختلال العقلي او الاكتئاب يصيبان 80% من الشعراء و80.5% من الروائيين و 87.5% من الكتاب المسرحيين. مؤكدا ان 31% فقط من الشعراء يتعاطون الخمور مقابل 54% من الكتاب. * فياترى كم نسبة المحبطين والمكتئبين واصحاب المعاناة من كتابنا ومبدعينا العرب؟ ومتى نؤمن أن الحرية هي الطريق والعلاج والمخرج؟

طباعة Email
تعليقات

تعليقات