الحصار.. لمصادرة الفكر الانساني : بقلم - الدكتور محمد قيراط

الحصار… انتاج هوليوودي جديد من اخراج ادوارد زويك وبطولة دنزل واشنطن وبروس ويليس اثنين من أبرز الممثلين في هوليوود ومن أبرز أبطال أفلام المغامرات و(الأكشن) وبمشاركة ممثلين آخرين أمثال آن بانينج وطوني شلهوب (الحصار) جاء كأحد المخرجات الجديدة للآلة السينمائية الهوليوودية ليعكس الحقد والكراهية ضد العرب والمسلمين ويمرر من خلال لقطاته كل الصفات السلبية من خيانة وجريمة وارهاب وأنانية ونهب وسرقة... إلخ. فـ (الحصار) هو نتاج مرحلة سياسية تمثل انتقال العالم من الثنائية القطبية إلى نظام أحادي القطبية تسيطر عليه أمريكا وتسيره وفق مصالحها, وبانهيار الكتلة الشرقية أصبح الإسلام أو داء الاسلاموفوبيا هو الهاجس الأول والأخير أمام الغرب وأمريكا, وتأتي الآلة الصهيونية لتستغل هذا الظرف الجديد وتمرر ما تشاء من رسائل ومن خطابات ليصبح العربي والمسلم فيها هو الارهابي والمجرم والمتغطرس.. جاء فيلم (الحصار) ليعبر عن قلق أمريكا ــ كأقوى دولة في العالم وكقوة تحرك هذا العالم من الارهاب والعمليات الارهابية حيث أصبحت هذه العمليات لغة من أهم اللغات الأساسية التي تستعمل في عالم السياسة والدبلوماسية في أيامنا هذه. جاء فيلم (الحصار) في الأسابيع الماضية ليثير كالمعتاد البكاء على الأطلال ومراجعة الأفلام العديدة التي شتمت وشوهت وروجت للصور النمطية المعادية لكل ما هو مسلم وعربي. الفيلم الذي أنفق عليه ما يزيد على المائة مليون دولار ليس هو الأول ولا هو الأخير في مسلسل تشويه صورة العرب و المسلمين وليس جديدا على الصناعة السينمائية في هوليوود وغيرها من دهاليز الصناعات الثقافية في الولايات المتحدة الأمريكية والغرب, الآلة الإعلامية الصهيونية لديها أجندة وبرامج وأهداف محددة ومسطرة على المدى القصير والمتوسط والبعيد ولديها كذلك ميزانيات محددة ومخصصة لتنفيذ هذه الأعمال وفق استراتيجية ووفق بحوث ودراسات علمية مبنية على المعطيات والبيانات والاحصائيات. ما يهمنا في هذا المقال هو ليس البكاء على الاطلال والتطرق إلى اسطوانة قد تآكلت مع مرور الزمن ــ الإعلام الغربي وتشويه صورة العرب ــ السيطرة الصهيونية على وسائل الإعلام العالمية ــ وإنما نحاول في هذا المقال التركيز على ما هي العدة التي حضرناها للرد على أعدائنا وما هي الاستراتيجية التي اعتمدناها لتسويق أفكارنا ومعتقداتنا وثقافتنا وحضارتنا إلى الآخرين هل بالفعل قمنا بما يجب القيام به للدخول في الألفية الثالثة وقمنا برصد الموازنات اللازمة والضرورية لانتاج حصتنا من الثقافة ومن المخرجات الاعلامية الضرورية للتعايش مع مختلف الثقافات وخاصة الغربية منها في مجتمع عالمي معولم سيطرت عليه احادية الثقافة وعالميتها, الاجابة على هذه التساؤلات تقودنا إلى التطرق لعدة نقاط و محاور هامة ومحددة أهمها: * هناك أفلام تم تصويرها في بعض الدول العربية من قبل مخرجين أجانب شوهوا من خلالها سمعة العرب والمسلمين وهذا في أرض العرب وبعلمهم, وقد نتساءل هنا أين هي الغيرة على الدين و على الثقافة وعلى الحضارة عندما يساهم أبناؤنا في طمسها وتشويهها, وتصوير الفيلم في دولة عربية بهدف التشويه والتضليل يحقق كل أهدافه عندما يقدم للمشاهد عبر دول العالم حيث انه يقتنع بسهولة ان الفيلم صادق وموضوعي ويعكس الواقع ما دامت أحداثه وصوره مأخوذة في مجتمع عربي ومسلم. * هناك أفلام أخرجها وأشرف عليها ومولها العرب والمسلمون وشوهت الإسلام والحضارة الإسلامية ولا داعي لذكر أسماء هنا وإنما هذه الأفلام أنتجها مخرجون لديهم سمعتهم في عالم الصناعات الثقافية والسينمائية. والأمر هنا بالغ الخطورة حيث عندما يأتي التشويه والتضليل من داخل الدول العربية فكيف نستطيع ان نلوم الغرب ونطالبه بالانصاف في تصوير العرب ودينهم وحضارتهم وثقافتهم. * هل أستثمر العرب في الصناعات الثقافية وحاولوا ان يتواصلوا ويقدموا دينهم وحضارتهم وثقافتهم للغير؟ السؤال هذا مهم جدا لأن المبدع والمخرج والفنان العربي يعاني من انعدام الموازنات لانتاج أفلام جيدة وجادة ذات بعد عالمي, فمثل هذه الأفلام تتطلب موازنات كبيرة وتتطلب عملية تسويق وإعلان جيدة ومعتبرة وفي غياب الاستثمار في الصناعات الثقافية تقل أو تنعدم المخرجات الجادة و الجيدة وتسيطر المادة الرديئة على الانتاج والتوزيع. والملاحظ هنا ان استثمارات القطاع الخاص في العالم العربي محدودة جدا وهذا ينعكس بالسلب على الانتاج, وتنحصر عادة الاستثمارات في القطاع العام حيث غالبا ما يتدخل ويوجه الانتاج وفق وجهة نظره ورؤيته الضيقة, وهذا يكون على حساب النوعية, والقطاع الخاص في العالم العربي ما زال يفكر ان الاستثمار في الصناعات الثقافية غير مجد وغير مربح وهذا خطأ فادح, حيث نجد في المقابل ان اللوبي الصهيوني مثلا يستثمر في مثل هذه الصناعات ويحقق أرباحا مادية طائلة كما انه يحقق أهدافا معنوية ودعائية وسياسية لا نظير لها, وهذه أول مفارقة بينهم, وبيننا, فالأمر إذا لم يصبح بكاء ولو ما بقدر ما أصبح دراسة العدو و فهم استراتيجيته والاستفادة منها. يفتخر المواطن العربي بأفلام من عيار فيلم (الرسالة) و (عمر المختار) لكن كم هو عدد مثل هذه الأفلام الجادة التي قدمت الصورة الحقيقية والجيدة للتراث العربي الإسلامي, انه لعيب كبير عندما نعلم ان مخرجا مثل مصطفى العقاد يشتكي من انعدام التمويل وغيابه تماما لانتاج أفلام من هذا الطراز. إن تاريخ الحضارة الإسلامية وتاريخ الدين الحنيف غني جدا لإنتاج آلاف الأفلام مثل فيلم (الرسالة) ليقدم للبشرية وللانسانية لكن أين هي الغيرة, وأين أصحاب الأموال وأصحاب الجاه في ربوع وطننا العربي مع العلم ان الاستثمار في مثل فيلم (الرسالة) يكون ناجحا على مختلف الأصعدة سواء تجاريا أو سياسيا أو ايديولوجيا أو ثقافيا. ماهي الأدوار والمهام والانجازات التي قدمتها الهياكل والمؤسسات والمنظمات العربية (جامعة الدول العربية ــ المؤتمر الإسلامي ــ الرابطة الإسلامية ــ الأليسكو... إلخ) للذود عن الإسلام وتقديمه في أحسن صورة للغرب وللعالم, نلاحظ ان الهياكل والمؤسسات والمنظمات الثقافية العربية غابت وتغلب عليها سياسة الشعارات والمناسبات والبكاء على الأطلال والاحتجاجات والتنديدات, أما الأفعال و الانتاج واعطاء البديل فنجدها غائبة من أجندة هذه المؤسسات. ما هي الميزانية التي تخصصها الدول العربية والإسلامية للبحث العلمي؟ وللدراسات ومراكز الأبحاث الاستشرافية والاستراتيجية والمستقبلية؟ الاجابة على هذا السؤال توضح لنا جليا ان الصناعات الثقافية والبحث العلمي في دولنا العربية ما زالت لم تحظ بالمكانة التي تستحقها, ونحن نعلم ان صناعة القرار في الوطن العربي لا تخضع للمقاييس العلمية والاجراءات القائمة على البيانات والاحصاءات. وفي غياب آليات وميكانزمات البحث العلمي لا يوجد بحوزتنا إلا البكاء على الأطلال والتنديد والشكاوى اللامتناهية ضد هوليوود واللوبي الصهيوني والأخطبوط الإعلامي الصهيوني. فالصور النمطية والإعلام الغربي وآلياته في تشويه العرب والإسلام لا يمكننا ان نحاربها ونواجهها إلا باعطاء البديل وإلا بتقديم مخرجات ثقافية جيدة وذات مستوى رفيع ولا يمكننا ان نحاربها إلا باستراتيجية وبخطة عمل محكمة مدروسة ودقيقة. ما هي الميزانية التي تخصصها الدول العربية للصناعات الثقافية؟ فالدول العربية ما زالت تنظر إلى الصناعات الثقافية بنظرة تبسيطية تتحدد غالبا في المناسبات والأعياد والاحتفالات وهنا نتساءل هل يمكننا مواجهة الصور النمطية بمثل هذه المخرجات؟ وهل يمكننا ان نواجه الآلة الإعلامية الغربية بميزانيات هزيلة وضعيفة لا تكاد تمول فيلم واحد جيد؟. ما هي مكانة المخرج والمبدع والممثل والباحث والمفكر والأستاذ الجامعي في الدول العربية؟ هذا السؤال يطرح نفسه كذلك إذا أردنا ان نطور من مستوى منتجاتنا الثقافية, فالمبدع والمفكر والباحث العربي ما زال يعاني من مشاكل يومية تتراوح من حرية التعبير إلى الضغوط المختلفة عليه إلى ضعف امكانياته المادية ... إلخ. المطلوب إذن وبعد التطرق إلى هذه القضايا المختلفة هو تقديم البديل والانتاج والعمل الجاد لأن البكاء على الأطلال والانتقادات والشعارات الفارغة كلها أمور لا تغني ولا تفقر, فلا نستطيع محاربة الصور النمطية والدعاية والآلة الإعلامية والصهيونية باللوم والبكاء على الأطلال, الأمر أعقد من ذلك بكثير ويتطلب الدراسة والبحث والتمويل والاستراتيجية السليمة وصدق من قال ان فاقد الشيء لا يعطيه. جامعة البيان قسم الاتصال الجماهيري*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات