مائة عام من الادعاءات الكاذبة.. بقلم- د.طلعت شاهين

بينما كنت اسير في شوارع العاصمة الاسبانية مدريد الاسبوع الماضي للاستمتاع بأجواء الاحتفال بأعياد الميلاد الذي حول شوارع المدينة الى نهار مليء بالنجوم والاضواء لاحظت لوحات بيضاء بحجم (الفولسكاب)مكتوبة بخطوط الكمبيوتر وملصوقة على العديد من اللوحات الاعلانية البارزة تقول من 1898 الى 1989 قرن من الادعاءات الامريكية الكاذبة فهمت على الفور ان سبب وضعها في مكانها كان ردا على الاعتداءات الامريكية الاخيرة على الشعب العراقي تحت ادعاء عدم (تعاون صدام حسين مع الامم المتحدة) وبات واضحا ان كاتبها اسباني وطني معارض لسياسة حكومة بلاده بقيادة الحزب الشعبي اليميني الذي كان الحزب الوحيد في اسبانيا الذي ايد امريكا في اعتدائها الجديد بعد ان رفضت الاحزاب جميعا يمينا ووسطا ويسارا هذا الهجوم باعتباره خرقا واضحا للقوانين الدولية لانه لم يكن تنفيذا لقرار تلك المنظمة الدولية التي بدأت تفقد احترامها ومكانتها وتتمرغ في وحل السياسات الامريكية وبسبب الممارسات المتعجرفة التي تمارسها الولايات المتحدة منذ اكثر من قرن كامل., هذه اللوحات لم يكتبها مواطن عراقي او عربي مقيم في اسبانيا بل كاتبها اسباني وطني يعرف تاريخ بلاده جيدا لان التاريخ 1898 بالتحديد يعتبر من ابرز علامات تاريخ اسبانيا المعاصر ومنه تبدأ سلسلة من الاعمال التي تؤكد على ان الولايات المتحدة كانت ولاتزال تمارس الكذب العلني في كل سياستها الخارجية وانها اعتادت هذا الكذب والتمادي في هذا الكذب لتعلن بعد سنوات انها اخطأت ولكنها تعود الى ممارسة الكذب من جديد وترتكب خطأ افظع من الاول لتعلن بعده بسنوات انها اخطأت ودون ان تعلن ندمها او حتى تطلب العفو من الضحية. اقول ان كاتب تلك الاحتجاجات مواطن اسباني يعرف تاريخ وطنه والممارسات الامريكية ونفقاتها خلال علاقاتها السياسية مع اسبانيا طوال قرن كامل لان عام 1898 كان تاريخ ارتكاب الولايات المتحدة لاول عملية كذب في علاقاتها الدولية عندما قامت بتفجير احدى سفنها العسكرية الرأسية في ميناء هافانا الكوبي واعلنت ان غرق تلك السفينة جرى بسبب عملية اعتداء قامت بها القوات الاسبانية المرابطة في كوبا والتي كانت في ذلك الوقت جزءا من الامبراطورية الاسبانية التي لاتغيب عنها الشمس من امريكا اللاتينية الى افريقيا وحتى الفليبين. على اثر هذه الادعاءات بدأت الولايات المتحدة حربها ضد الامبراطورية الاسبانية تحت شعار الانتقام لـ (شرفها العسكري) الذي غرق في مياه خليج هافانا الكوبية, وامتدت الحرب بين البلدين لتشمل كل المستعمرات الاسبانية التي تساقطت في ايدي الاستعمار الامريكي الجديد واحدة بعد الاخرى ولتنتهي حرب نهاية القرن التاسع عشر بالقضاء الكامل على الامبراطورية الاسبانية وبداية عهد الامبراطورية الامريكية., تلك الحرب بدأت بعملية مدبرة من جانب الولايات المتحدة وكذب واضح وصريح مع سبق الاصرار لتتخذها ذريعة لمد نفوذها الى العالم عبر مايمكنها ان تنتزع من بين انياب الامبراطورية الاسبانية المريضة في ذلك الوقت ولتبدأ على اثرها اكبر ازمة ثقة في النفس في اسبانيا جعلتها تتراجع الى صفوف الامم المتخلفة التي تحاول الخروج منها الان بعد مرور قرن كامل على تلك الهزيمة. تم الكشف عن هذه المؤامرة بعد سنوات طويلة واعترفت الولايات المتحدة ان القوات الاسبانية في الجزيرة الكوبية حاولت على العكس من ذلك انقاذ البحارة الامريكيين من الغرق, وبررت هذا الكذب على انه كان مطلوبا لابعاد قوات الامبراطورية الاسبانية من مستعمراتها في امريكا اللاتينية. بعدها ظلت الولايات المتحدة تدبر العديد من الحوادث المشابهة والذي يعود الى التاريخ يجد الامثلة عديدة ومن يقرأ مذكرات السياسيين الامريكيين يجد ان الادعاءات والكذب كانت شيئا عاديا بالنسبة للسياسية الخارجية الامريكية وليس لدينا دليل واحد على ان تلك العمليات المدبرة التي تحاول الولايات المتحدة اتخاذها ذريعة لبسط نفوذها حيث تستطيع قد توقفت وابرز امثلة على ذلك مذكرات مكنمارا وزير دفاعها في حرب فيتنام والذي فشل في اخضاع الشعب الفيتنامي للسيطرة الامريكية ولم يجد امامه من مخرج سوى اعترافه بأن بلاده لم يكن لديها دليل واحد على ان فيتنام كانت تخضع للنفوذ الصيني او السوفييتي او حتى كانت مهددة بالتحول الى الشيوعية بل كان كل مايهم امريكا من هذه الحرب هو ان يمتد نفوذها في منطقة جنوب شرق اسيا حتى لو كان الثمن الملايين من الضحايا الفيتناميين ومئات الالاف من الشباب الامريكي الذي كان يساق الى تلك المذبحة ولم يتوقف الكذب في سياسة امريكا على عهد جونسون او نيكسون على الرغم من الوحل الذي لطخ وجه امريكا في المستنقع الفيتنامي. بعد ذلك جاء دور كسينجر ليغرق امريكا اللاتينية في حمامات الدم الناتجة عن سلسلة من الخداع والكذب تحت ادعاءات وقف امتداد النفوذ الشيوعي في تلك القارة بعدها اعترف في مذكراته ان كل الاحداث التي اتخذتها الولايات المتحدة ذريعة للتدخل في امريكا اللاتينية وافريقيا واسيا كانت (ادعاءات كاذبة) من صنع القيادة السياسية الامريكية ورغم هذه الاعترافات الا انه لم يصدر اعتراف واحد من جانب البيت الابيض بالذنب او طلب العفو من الضحية لتكفر عن ذنوبها واعترافها بالكذب والنفاق. عملية غزو الكويت كانت في هذا الاطار ايضا ولاتزال تحيط بها شكوك حول الدور الذي لعبته سفيرة الولايات المتحدة في بغداد لاغراء صدام حسين بالقيام بها,. وعمليات التعتيم على اعترافات (جلاسبي) دليل على هذا على الرغم من عدم اعفاء صدام حسين من مسؤوليته عن تلك العملية البشعة التي عادت بالعرب الى زمن داحس والغبراء ولكن امريكا ليست بريئة. خطط المسؤولون في البيت الابيض لاسباب خاصة بهم لايجاد ذريعة لضرب العراق دون مبررات واضحة سوى تقارير (باتلر) رئيس لجنة نزع السلاح المتناقضة التي لايمكن فهمها سوى انها تقارير من اعداد المخابرات الامريكية وان كاتبها لايمكن التعامل معه الا على هذا الاساس. الشعب الاسباني مقتنع تماما بأن العمليات العسكرية التي تقوم بها الولايات المتحدة الامريكية حاليا في منطقة الخليج مبنية على ادعاءات كاذبة وان اهدافها لايمكن ان تكون تلك المعلنة والتي تحاول ان تقنع الرأي العام بأنها لتأديب نظام صدام حسين لذلك لم يكن غريبا ان تربط (مانشتات) الصحف الرئيسية بين ضرب العراق والفضائح الجنسية للرئيس بيل كلينتون. انعكس هذا بالطبع على الشارع الاسباني خاصة ان هذا العام كان عاما متميزا في تاريخ اسبانيا التي يحاول مثقفوها دراسة اسباب هزيمتهم امام الولايات المتحدة عام 1898 ونبشهم في الوثائق القديمة لفهم الدرس جيدا, وهذا كشف امامهم الكثير من الاسرار ومن بينها كذب الولايات المتحدة لتحقيق اهدافها التوسعية حتى لو كان هذا على حساب ملايين من الضحايا لان الولايات المتحدة لا تعرف الشرف السياسي الحقيقي بل كل ما يحقق اهدافها مباح لان في رأي سياسييها (الغاية تبرر الوسيلة) حتى لو كانت (الغاية) هدفا شخصيا للرئيس الامريكي كما هو الحال حاليا بالنسبة للرئيس بيل كلينتون المتمرغ في وحل هوسه الجنسي. لذلك علينا ان ننتظر مذكرات كلينتون (بعد عزله) التي يعترف فيها بما كان يدور في رأسه عندما امر بضرب العراق لكن اعترافاته لن تكون سوى حلقة جديدة تكمل قرنا من الادعاءات الامريكية الكاذبة ولن ينفع ساعتها مايبديه من ندم لان الندم لا يعيد الضحايا الى الحياة. كاتب مصري مقيم في أسبانيا*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات