انتهى الدرس ياعرب، بقلم: د. احمد القديدي

انا متفائل ويبقى الامل يكسنني بعد طول انكسارات العرب وطول انتصارات اعدائهم, انا متفائل لاني ارى صحوة الرجاء العربي يولد للمرة الثالثة في الشوارع والجوامع والجامعات والمصانع والصحف وعلى شاشات الفضائيات, ولد الرجاء العربي اول مرة بعد رقدة القرون حين جثم الاستعمار الاوروبي المسيحي على صدورنا وانتفض العرب بمقاومة مشروعه ادت الى الاستقلال.. وما نسميه السيادة, ثم ولد الرجاء العربي للمرة الثانية للتخلص من تداعيات الاستعمار السياسي والثقافي والاقتصادي بداية من تأميم القناة مرورا بحرب بنزرت ثم الحروب العربية ضد اسرائيل الى الانتفاضة واستعدادا لاعلان الدولة الفلسطينية يوم 99/5/4. وهذه هي الصحوة الثالثة للرجاء العربي, حين دقت ساعة الحقيقة قبل ثلاثة ايام من حلول شهر رمضان 1419 واليوم الاول منه. ايام ستظل في ذاكرة اجيالنا ترمز الى ميلاد الرجاء العربي, بعد تساقط كل الاوهام العربية واحدا واحدا خلال الثلاثين عاما التي تفصلنا عن هزيمة الخامس من يونية 1967: وهم القومية العربية المفروضة من فوق ووهم الوحدة العربية المعلنة بين الزعماء الملهمين في يوم مشهود والملغاة في يوم الغد في يوم مشهود ووهم شعار لا صوت يعلو على صوت المعركة المروج لاسكات الاصوات المخالفة او الاصوات الناصحة ووهم بالروح والدم نفديك.. لاننا رأينا نفس الوجوه تصرخ هاتفة بحياة الرئيس ثم تصرخ هاتفة بحياة قاتليه او خالعيه او ساحليه, ووهم سلام الشجعان الذي يسوغ الكيل بمكيالين ويمنح للتخبط الامريكي, (كما سماه الصديق ميشال جوبير وزير خارجية فرنسا الاسبق) برقع المنقذ من الضلال ويكلف ميزانية السلطة الفلسطينية شراء خمسين الف علم امريكي اصبحت اليوم صالحة للحرق على ايدي شباب فلسطين الغاضبين, وكذلك وهم اللحاق بركب الحضارة بتحويل الامة الى امة مقلدة تقلد كل مناهج الغرب الظافر وممارساته وقوانينه ثم تجد الامة نفسها في مؤخرة الحضارة تابعة مسلوبة الارادة تملأها الوكالات, اصبحنا مجتمعات وكلاء بعد ان كنا مجتمعات اصلاء. ركام من الاوهام ذرتها رياح هذه الايام الاربع كما تذرو عاصفة الخريف اوراق الاشجار اليابسة الجافة, انه آن الاوان لتسمح لنفخ صور الحضارة العربية الجديدة الطالعة من ركام الاوهام, النافضة عنها غبار الهزائم, الداخلة بنصر في القرن الحادي والعشرين, التي تعيد قراءة تاريخها بعيون هذا العصر وببصيرة العقل الذي لا يناقض الوحي, ايام اربع معدودات بلياليها المضاءة بصواريخ كروز وتوماهوك وآلاف الاطنان من القنابل ايقظت ذلك المارد الرابض في اعماق كل عربي ــ كما قال شاب عربي مراهق في شوارع دمشق ليلة الاحد الماضي ــ ايقظت الوعي العربي والحلم العربي على انين اطفال العراق المرضى والمحتضرين والمجروحين وعلى الحقائق الساطعة الجديدة التي ستهندس مصيرنا العربي الاشرق والافضل. من هذه الحقائق ان تنديد بريماكوف كان اصدق وانفذ من تنديد الامين العام لجامعة الدول العربية ومنها ايضا ان زئير الشوارع والمثقفين والمهندسين والاطباء والصيادلة هو الذي اوقف سيل النار من على رؤوس الابرياء, ومنها ان دمشق عانقت بغداد, كما كان الحال في الثلثين الاول والثاني من هذا القرن العجيب. لا بغداد صدام بل بغداد المجد بغداد العلماء والشعراء والفلاسفة والفاتحين. لا بغداد صدام حسين بل بغداد الاطباء والفلكيين والذين عربوا حضارة الاغريق. ان صدام حدث غريب طارىء على حياة العراق والشعب العربي... حدث عابر ومأساوي لكنه محدود في الزمان والمكان وسيبقى العراق بدجلته وفراته في سويداء القلوب العربية, وهو قدر.. جواره قدر وتاريخنا مشترك والجغرافيا لها قوانينها الصحيحة الثابتة. هذا هو ما وعاه العرب من محيطهم الى خليجهم تحت توهج صواريخ القهر والاستكبار.. وهو الدرس الابقى والاحق ان نستخلصه من الاحداث الفاجعة ان قوميتنا تولد بالعملية القيصرية.. لكنها ستولد حية رائعة وضاحة طليعة حرة.. كالحرية والشورى والديمقراطية والمشاركة الشعبية. استاذ بقسم الاعلام ــ جامعة قطر

طباعة Email
تعليقات

تعليقات