الاختراق الصهيوني لوسائل الاعلام العربية، بقلم: د. محمد قيراط

قضية اعلامية ومهنية واخلاقية اخرى اثيرت قبل اسابيع في برنامج(الرأي المعاكس)لقناة الجزيرة تتعلق بوسائل الاعلام العربية وتعاملها وتفاعلها مع المسؤولين وصانعي الاخبار واصحاب القرار الصهاينة, نوقش الموضوع بكل جرأة وشجاعة , فالطرح الاول يرى وانطلاقا من مبدأ(أعرف عدوك)انه يجب اعطاء الفرصة الكاملة للصهاينة واليهود للتعبير عن آرائهم وافكارهم في وسائل الاعلام العربية حتى يتعرف عليها العرب جيدا ومن ثم مواجتهتم واعداد الاستراتيجية اللازمة لاسترجاع حقوقهم منهم فالتطبيع الاعلامي يساهم في التعرف على العدو والوقوف على مواطن ضعفه وقوته, اما الرأي الثاني فيعارض الرأي الاول تماما حيث انه يرى ان العرب ليسوا بحاجة الى فتح ابواب مؤسساتهم الاعلامية للصهاينة للتعرف عليهم, وهذا الانفتاح ما هو الا اختراق للذهنية العربية وتهويد للعقل العربي, والعرب يعرفون الكيان الصهيوني وايديولوجيته وفلسفته وهذا منذ عهد (هرتزل) وحتى الساعة. قضية الاختراق الصهيوني لوسائل الاعلام العربية يجب ان ينظر اليها من عدة جوانب وعدة زوايا. لايخفى على المهتمين بالاعلام والقضايا الاعلامية ان الصهاينة واليهود على وجه الخصوص سيطروا ومنذ القدم ومنذ عهد (هافاس) مؤسس وكالة الانباء الفرنسية الحالية و(يولبوس رويترز) مؤسس الوكالة البريطانية التي حملت اسمه تحكموا وسيطروا واستثمروا في مجال الاعلام والصناعات الثقافية وبثوا افكارهم وآراءهم وايديولوجيتهم في جميع انحاء العالم وعبر اكبر واهم المؤسسات الاعلامية العالمية فلا تكاد تخلو وسيلة اعلامية عالمية كبيرة من يد او اياد صهيونية توجهها وتتحكم في مخرجاتها وفق الايديولوجية الصهيونية ومصالح الكيان الصهيوني. هذه السيطرة الصهيونية على وسائل الاعلام العالمية أدت الى نشر وبث صور نمطية وتشويه وتعتيم اعلامي فظيع جدا ادى الى تشويه وتحنيط الرأي العام العالمي لاتخاذ موقف سلبي من كل ما هو عربي واسلامي. لايجب ان يخفى على العقل العربي ان الكيان الصهيوني نهب كل شيء من الشعب الفلسطيني حتى رقصة (الدبكة) والطبق الفلسطيني الوطني والزي الفلسطيني وحتى اسم العملة اخذه من التراث العربي, الى آخر ذلك, وهذا يعني ان الامر لا يتعلق بالارض فقط وانما تعداه الى هوية الفلسطيني وحضارته وثقافته وتراثه وماضيه, واصبح الاسرائيلي يفوز بجوائز عالمية بفضل التراث والثقافة الفلسطينية. ان التطبيع الاعلامي يعتبر من اخطر الفجوات التي قد يخترقها ويصطنعها الكيان الصهيوني حيث انه من خلالها يستطيع الوصول الى عواطف وعقل وذهن مئات الملايين من العرب وسهولة تهويد هذا العقل حيث ان نسبة لايستهان بها من الشعب العربي لاتعرف القراءة والكتابة وغير مجهزة بالحصانة الكافية لمواجهة او اقصاء اطروحات ووجهات نظر ارهابيين وقطاع طرق وخبراء في الدعاية وتحنيط العقول وتزييف الواقع. يجب كذلك عدم المزج بين التعرف على العدو وفتح مساحات وفضاءات الاعلام العربي لايديولوجية الصهيونية والافكار الجهنمية الخبيثة, فالتعرف على العدو يتم عن طريق مراكز الابحاث والمعاهد والجامعات والكليات التي تتخصص في الدراسات الاستراتيجية والدراسات الاستشرافية والدراسات الاسرائيلية ومن واجب كل عربي دراسة وتحليل الحركة الصهيونية ومواطن قوتها وضعفها وما هي السبل المختلفة لمواجهتها وتفكيكها والقضاء عليها, هذه الامور تختلف تماما عن الانبطاح الثقافي والاستسلام للعدو واعطائه فرصة ذهبية لمخاطبة العقل والفكر العربي في وسائل اعلان عربية وبتنشيط وتعليق صحافيين عرب, فما يبحثه مركز الدراسات والابحاث الاسرائيلية قد يساهم في التعرف على العدو وتحديد سبل مواجهته, اما السماع لاطروحات (ارييل شارون) في التلفزيون العربي فإنها لاتفيد اي عربي بشيء اللهم انها تعطي الفرصة لهذا الصهيوني لتوصيل افكاره وآرائه للعقل العربي ومحاولة اقناعه بالاطروحات الصهيونية الخبيثة. السؤال الذي يفرض نفسه كذلك هنا هو مساءلة الطرف الآخر وهل فتح ابواب وسائل اعلامه للمسؤولين الفلسطينيين والعرب لطرح افكارهم ووجهات نظرهم, المفكرين والباحثين والسياسيين الذين دافعوا عن القضية الفلسطينية ووجهة نظر العرب في وسائل الاعلام الاسرائيلية؟ المطلوب من وسائل الاعلام العربية وبدلا من الانبطاح والاستسلام للآلة الدعائية الصهيونية ايصال التراث العربي الفلسطيني الى العالم وايصال القضية الفلسطينية الى كل عقل بشري يؤمن بالمنطق وبالحق وبالفضيلة, فوسائل الاعلام العربية ليست بحاجة الى استضافة (نتانياهو) أو (بيريز) أو (شارون) لأن هؤلاء لايغيرون فلسفتهم ولا ايديولوجيتهم ولا وجهة نظرهم في القضية الفلسطينية, ما يحتاجه الاعلام العربي هو حماية التراث والتاريخ والحضارة والفكر الفلسطيني والعربي من الذوبان في شيء اسمه الكيان الاسرائيلي او من السرقة والنهب والاغتصاب. فهل يعقل اننا كاعلاميين عرب نتخلى عن مهمتنا الرئيسية وهي الدفاع عن القضية الفلسطينية وايصال شرعيتها للرأي العام العالمي ونعطي الفرصة عن طبق من ذهب للعدو لتهويد عقلنا العربي بهذه السهولة وبهذه البساطة؟ اهل يعقل ان نفتح ابواب مؤسساتنا الاعلامية للصهاينة حتى نتعرف عليهم ونعرفهم؟ ولا وثم لا اطروحات (نتانياهو) و(شارون) و(مردخاي) وغيرهم معروفة وواضحة وضوح الشمس وهي وبكل بساطة القضاء على كل ما هو فلسطيني وعربي ومسلم, وهذا الطرح لايتغير ولا يتبدل. الآلة الاعلامية الصهيونية معروفة ومتطورة جدا ولم تترك اي شيء للصدفة, والدراسات تؤكد ان ما يملكه الكيان الصهيوني لوحده من وسائل الاعلام والصناعات الثقافية يتجاوز ما تملكه الـ 22 دولة عربية مجتمعة, وكما قال أحد الزعماء السياسيين الفلسطينيين (ان القضية الفلسطينية خسرناها اعلاميا قبل ان نخسرها ميدانيا) فالعرب بحاجة ماسة لترتيب البيت الاعلامي والخوض في مجال الصناعات الثقافية بمختلف اشكالها وانواعها وكم بكى العرب على الاطلال كلما انتجت الآلة الاعلامية الصهيونية فيلما يشتم العرب والمسلمين ويشوه صورتهم وواقعهم فتثور الثائرة ويثور البركان وتهدأ الامور فجأة وكأنه لم يكن هناك شيء. لقد استطاعت ثورة الحجارة وعبر وسائل الاعلام الغربية ووكالات الانباء العالمية ان توصل هموم ومعاناة الاطفال الفلسطينيين الى جميع انحاء العالم, ما حققه اطفال الحجارة عجزت عنه وسائل الاعلام العربية وكذلك الصناعات الثقافية العربية ومازالت عاجزة عنه حتى الساعة, أليس من واجبنا كمؤسسات اعلامية عربية وكاعلاميين عرب ان نتساءل انه حان الاوان للمواجهة ولاعطاء البدائل وتقديم انفسنا للآخرين؟ ام انه يحق لنا ان نستسلم حتى تكتمل الصورة للكيان الصهيوني ويحاربنا ويقضي علينا بسلاحنا, الضمير المهني والضمير الاخلاقي واحترام ارواح الشهداء الابرار؟ كل هذه الامور لاتسمح لنا بالاستسلام والتنازل والانبطاح. الصراع الاعلامي بين العرب والكيان الصهيوني صراع عنيف وقوي كان يفوز به دائما الكيان الصهيوني ولقد حان الوقت ونحن على مشارف الالفية الثالثة لم يبق لنا الا ان نضع انفسنا كعرب ومسلمين على مدار الثورة المعلوماتية وصناعة المعرفة, الرهان كبير ويتطلب مجهودات جبارة وليس الانبطاح والاستسلام للآخر, ما يحتاجه الاعلام العربي ليس الاختراق من قبل الآخرين وانما هو تقديم الثقافة والتراث والتاريخ والحضارة العربية الاسلامية للثقافة العالمية والانسانية الامر الذي يتطلب دراسة وتخطيطا ومنهجية واستراتيجية ودراسات وابحاثا ورؤوس اموال واستثمارا. جامعة البيان قسم الاتصال الجماهيري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات