أبجديات:بقلم- عائشة ابراهيم سلطان

اجتهد المحللون السياسيون كثيرا في اليومين الماضيين لايجاد تفسير منطقي أو حتى غير منطقي لتوقف الضربات العسكرية ضد العراق فيما سمته ادارة كلينتون (ثعلب الصحراء) . وقد يبدو هذا الاجتهاد في مكانه تماما حين يكون (الثعلب) بهذا الدهاء, ويكون هجومه بهذا الحجم وبهذا الزخم الاعلامي والعسكري, ثم يتوقف بهذا الشكل المباغت. الأمر اذن من أوله وحتى نهايته كان أشبه بفوازير رمضان السخيفة التي ابتلانا بها اعلامنا العربي الذي يمكن ادراجه هو الآخر مع توجهات كلينتون وصدام تجاه العراق ضمن سلسلة الفوازير التي تحتاج اجماعا عربيا حاسما لايجاد حل عاجل وسريع, فحواسنا في رمضان لا تحتمل فوازير من هذه الشاكلة. مهاترة الضغط على صدام وترسانته العسكرية وتدمير أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها تمهيدا لاسقاطه شخصيا, ما عاد تبريرا مقنعا لأحد في أي مكان, فهذا الكلام مضى على ترديده وبنفس السيناريو والحوار أكثر من ثماني سنوات, سقط خلالها نهائيا ــ على الأقل في الوقت الراهن ــ الرهان على أي شكل من أشكال تحرك المعارضة أو ردة الفعل الداخلية. سقوط هذا الرهان يأتي نتيجة طبيعية لآلة القمع العسكرية التي تحيط بصدام وتحمي أركان حكمه وبطريقته الحاذقة في اللعب على التناقضات الامريكية العربية الدولية, كما انه نتيجة طبيعية للحصار الرهيب الذي تفرضه الولايات المتحدة والأمم المتحدة على العراق منذ العام ,1991 ولهذه الأزمات المتلاحقة التي تضعها الولايات المتحدة ولجنة المفتشين الدوليين برئاسة باتلر وبمساعدة صدام شخصيا. كل التحليلات لنمط العلاقة السائد بين الولايات المتحدة والعراق, والضربة الأخيرة أفرزت معطيات جديدة أو كشفت عن معطيات كانت مغيبة لظروف متشابكة ومعقدة على الساحتين العربية والدولية, لعل أبرزها ردة فعل الشارع العربي والاسلامي وحتى الدولي الغاضبة والتي وصلت في بعضها درجة الهجوم على منزل السفير الامريكي وتحطيم أثاث منزله في دمشق. ان امتداد الغضب الجماهيري من مسقط حتى القاهرة ومن طرابلس ونواكشوط حتى الصين لا يعني سوى ان التصرف العدواني للولايات المتحدة وبريطانيا مرفوض تماما من قبل ملايين البشر الذين تجيد الولايات المتحدة في حالة الأزمات اللعب على حقوقهم والمطالبة بحماية هذه الحقوق, ثم لا تتوانى عن توجيه كامل ترسانتها الرهيبة الى صدورهم وفي شهر محرم كرمضان وبدون أدنى مبرر, الا ما يتناقله مسؤولوها وسفراؤها وبنبرة مستفزة ومستهترة عن تدمير أسلحة الدمار الشامل التي يهدد بها صدام جيرانه. ثاني هذه المعطيات ان تغيير نظام الحكم في أية دولة شأن داخلي يخص شعب هذه الدولة أو تلك, ولا يمكن ان يدبر وينفذ من الخارج, فهذا ضد منطق الامور, ان الحرية والتخلص من الطغيان والحكومات القمعية على امتداد التاريخ الانساني لم يأت يوما من خارج الحدود, كان دائما انفجارا داخليا يحسمه الوعي وتدعو له الحاجة وتقويه ظروف وعوامل يثمنها ويقيمها الشعب الراغب في التغيير, أما تغييرا تقوده بريطانيا وأمريكا, فلن يفرز في النهاية سوى بديل آخر لصدام أو وجوه لا تقل بشاعة عن سوموزا وماركوس وطالبان. وثالثا فإن هذا الانقسام العالمي ضد الهجوم يعني ان الولايات المتحدة لن تلبث طويلا في موقع القطب الأوحد, حيث لن يقبل العالم طويلا ان يتحول الى مستعمرة بحجم الكرة الارضية تهيمن عليه دولة كل مميزاتها ترف القوة والمال بغير حدود.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات