مع الناس:بقلم-عبد الحميد أحمد

أخيراً توقفت عملية (ثعلب الصحراء) التي لم يعرف أحد مهامها وأهدافها على وجه الدقة, فلا هي مثلاً على ما أشيع أسقطت صدام حسين ولا هي أعادت المفتشين الى العراق , ولا هي أيضاً انتزعت من النظام العراقي التزاما بتسهيل عمل المفتشين وتنفيذ القرارات الدولية, ولا هي مهدت للمعارضة طريق اسقاط النظام, وهكذا جاء ثعلب الصحراء ومضى من دون أن نعرف له أي دور. طبعا التحليلات والتقارير الاغراقية التي واكبت العملية, من الشرق والغرب على السواء, ذهب كل منها الى ما يريد ويشتهي ويتمنى, لا إلى ما تهدف إليه فعلاً العملية العسكرية الأخيرة ضد العراق, وهي من الكثرة والوضوح في الحديث عن الأهداف, التي منها ما سبق ذكرناه, يكاد يجمعها عنصر واحد هو الغموض للأسف, زادها تأكيد هذا الغموض, إعلان نهايتها وتوقيت هذا الاعلان, مثلما كان توقيت البدء نفسه ملتبسا. ولا يكفي ان يقول الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير, الذي لا يعرف أحد مرة أخرى سبب اشتراكه في العملية, ان العملية حققت أهدافها بتدمير قواعد للحرس الجمهوري ومراكز عسكرية ومنشآت تابعة للنظام بهدف إضعافه, فأي عملية عسكرية أخرى من بلد ضد آخر, هي بالضرورة سوف تستهدف مثل هذه المنشآت العسكرية والقواعد والمراكز, أما حجة إضعاف النظام, فهذه نسمع عنها منذ سنوات, من دون أن نرى النظام ضعيفا فعلاً على شعبه ومواطنيه. وهكذا فترجيح ان سبب العملية كلها وتوقيتها وأهدافها, نتيجة لمثل هذا الغموض الذي اكتنفها من البداية الى النهاية, هو التغطية على مونيكا جيت وإشغال الكونجرس الأمريكي عن محاكمة الرئيس وكسب التعاطف الشعبي معه والتأثير على مسار قضية داخلية في أمريكا, يكون أقرب الى التصديق والصحة والمنطق, منها الى أي سبب أو هدف آخر, ولا يكون من دور للنظام العراقي أو من تهمة في هذه العملية الأخيرة, سوى انه قدم المبرر مرة أخرى على طبق من ذهب, فهو الأستاذ بلا منازع في فن جلب المصائب للشعب العراقي. مع ذلك فالغموض الذي واكب العملية كلها, لم يكن من طرف أمريكا وبريطانيا وحدهما ولا حول أهدافهما. فهذا اكتنف الجانب العراقي ايضا, الذي استقبل القصف الليلي بمصابيح تنير الشوارع والبيوت والمنشآت كلها, واستقبل العملية في لياليها الثلاث من دون أي مقاومة تذكر, واختتمها بالتكتم الشديد على حجم الأضرار الفعلية, سواء في المنشآت العسكرية أو المدنية, إذا كانت هناك ثمة أضرار. وعليه يمكننا ان نستنتج ان (ثعلب الصحراء) عملية أمريكية محضة استهدفت فعلا تشتيت الأنظار عما يجري في الداخل, بالنسبة للشعب الأمريكي على الأقل, إن لم يكن صرفها بالكامل فهذا مستحيل في عصر البث الفضائي, بدليل انها نجحت في هذا الإطار فعلاً عن طريق تخفيف التهم على الرئيس وإظهاره بمظهر الذي يعمل لصالح الولايات المتحدة. ونختم بأنه إذا كان مفهوما أن يقوم بيل كلينتون بتوجيه ضربة عسكرية في الخارج, لتغطية فضيحة مونيكا, كما فعل في المرة السابقة ايضا حين وجه ضربتين للسودان وأفغانستان, في ذروة اندلاع الفضيحة, فما الذي يريد أن يغطيه توني بلير باشتراكه في العملية, ما يجعل من اشتراك هذا أكثر غموضاً فعلا, مما لا نجد له تفسيرا سوى ان لكل على جناح التبريزي تابعاً يسمى قفة.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات