راحت السكرة وجاءت الفكرة! بقلم- عمران سلمان

اسعار النفط تتهاوى كل يوم حتى أضحت اقل من عشرة دولارات للبرميل الواحد . بينما أسعار البضائع والسلع التي نشتريها من الدول الغربية والشرقية ما تزال على حالها من ناحية الأسعار ان لم تزدد ارتفاعا. هذا يعني بصريح العبارة ان هناك انتقالا غير مشروع للثروة والأموال من جانب في الكرة الارضية الى الجانب الآخر. طبعا اذا استمرت اسعار النفط في الانخفاض فربما لن تتمكن الدول المنتجة من شراء البضائع الغربية, او على الاقل كما تفعل الآن. غير انه وحتى ذلك الوقت, او حتى معاودة سعر النفط للارتفاع, فانه بحسبه بسيطة يمكن جرد مئات المليارات من الدولارات التي انتقلت في غمضة عين من ايدي مصدري النفط الى جيوب مصدري البضائع وهم في جملتهم من العالم الغربي. هذه الحسبة البسيطة توضح لنا حقا كم نحن مساكين كدول تنتج النفط وتعتقد انها قد ملكت الدنيا بهذا (الذهب الاسود) . في حين ان مداخيل اغنى دولة نفطية وفي الظروف المواتية ليست أكثر أو افضل حالا من دول اوروبية عادية مثل ايطاليا أو اسبانيا. ونقول الذهب الاسود, مع التحفظ بشدة لأن الواقع هو ان النفط لم يعد ذهبا, وقد لا يعود كذلك بعد اليوم, بل ربما اصبح فضة او نحاسا أو حتى حديدا. وقد أوضحت التطورات الاخيرة بما لا يدع مجالا للشك, بأن امتلاك النفط او الاطئمنان الى وجوده تحت الارض لا يعني شيئا في واقع الأمر. فالسوق والتقلبات الدولية هي امور ينبغي دائما اخذها في عين الاعتبار. غير ان الوقت ليس وقت تذمر وشكوى, بل هو وقت للتفكير في الحلول والاجراءات العملية للحد من آثار الانعكاسات السلبية للواقع النفطي على دول وشعوب المنطقة. العقيد القذافي قائد ثورة الفاتح اقترح من جانبه ان تتوقف دول الاوبك عن ضخ النفط كليا خلال فترة الشتاء. وهذا الاقتراح قد يكون منطقيا في حال أدت هذه الخطوة ضمن احتمال اول الى صدمة لدى المستهلكين يتبعها ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط. غير ان ثمة احتمالا آخر وهو الا يكون لهذه الخطوة مفعول السحر, بسبب زيادة المخزون من النفط الذي ارتفع مؤخرا الى مستويات تاريخية في النصف الشمالي من الكرة الأرضية. وهو الامر الذي يمكن هذه الدول من الصمود فترة أشهر واستيعاب التوقف المفاجئ في ضخ النفط. ولكن هل تستطيع الدول المنتجة الصمود, سيما وهي تعتمد في معظمها على النفط كمورد أساسي وربما وحيد للعملة الصعبة؟ اعتقد ان ثمة حلولا اخرى يمكن اتخاذها لمواجهة الازمة الراهنة, وهي حلول يمكنها ان تنجح في المستوى البعيد.. ليس فقط لمواجهة الواقع الراهن وانما لتصحيح الخلل في نظام حياتنا. اقصد أنه قد آن الأوان لاعادة النظر في اسلوب وطبيعة الحياة الاستهلاكية والبذخ التي نعيشها. فثمة الكثير من جوانب هذه الحياة, ليس فقط غير ضروري وانما ضار في بعض الاحيان. وربما كان مفيدا استحضار الطريقة التي تعامل بها الاتراك مع البضائع الايطالية, على خلفية قضية أوجلان. فقد أخرج الاتراك كل ما لديهم من بضائع وحاجيات ايطالية ورموها الى الشارع. كما أدت المقاطعة التركية الشعبية والرسمية لايطاليا الى خسائر بمئات الملايين من الدولارات لهذه الاخيرة وفي ظرف قصير جدا. طبعا نحن لا ندعو هنا الى المقاطعة, ولكن الى الاستغناء عن العديد من الاستهلاكات والتي هي غير ضرورية في حياتنا. ويستطيع المواطن الخليجي ان يستغنى عن الكثير من هذه البضائع او استبدالها بأخرى اقل تكلفة, وبما يؤمن مع الوقت تنظيم الحياة وفقا للأولويات والحاجات, وليس وفقا لاعتبارات اخرى. وعلى أية حال فان الظروف الاقتصادية العالمية وبصورة أخرى وآجلا أم عاجلا سوف تجبرنا على اللجوء الى هذا الخيار, ولكن الفرق يكمن في الاستعداد لذلك بصورة مبكرة وعلمية, بدلا من أن تداهمنا ونحن غافلون. كاتب وصحافي بحريني*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات