خمسون عاما على الاعلان العالمي لحقوق الانسان،بقلم: عادل محمد حسن

في قصر (شيللو) في باريس وفي العاشر من ديسمبر عام ,1948 اعلنت اليانور روزفلت رئيسة لجنة حقوق الانسان التابعة لهيئة الامم المتحدة امام ممثلي الدول الاعضاء في الامم المتحدة عن صياغة اهم وثيقة وهي الاعلان العالمي لحقوق الانسان, ووصفت اليانور روزفلت, وهي زوجة الرئيس الامريكي الراحل فرانكلين روزفلت, هذه الوثيقة الهامة بأنها ماجناجارتا جميع الامم. جاء اعلان هذه الوثيقة بعد ثلاث سنوات من العمل الدؤوب في ظل خلافات حادة بين ممثلي الدول المشاركة في لجنة حقوق الانسان بسبب الرؤية المتفاوتة لهذه الدول ازاء هذا الموضوع, لقد اشير في مقدمة الوثيقة الى ان (جميع البشر ولدوا متساويين من حيث المصير والحقوق, ويتمتع البشر جميعا بالعقل والوجدان وعليهم ان يمارسوا سلوكا يتسم بروح المودة والاخاء) , وراح هذا الاعلان ابعد من ذلك ليعلن: (ان احترام حقوق الانسان يعد امرا ضروريا لصيانة السلم العالمي) . وصادقت غالبية الدول على هذه الوثيقة, في حين تحفظت عليها كل من دول الكتلة الشرقية وفي مقدمتها الاتحاد السوفييتي وجنوب افريقيا والعربية السعودية ومن منطلقات متباينة, ان التوقيع على هذه الوثيقة لم يأت من قناعة الدول الموقعة بالمبادئ التي احتواها هذا الاعلان, بل ان السبب يرجع الى ضغط الاهوال التي شهدتها البشرية على يد الفاشيين والنازيين والعسكرية اليابانية اثناء الحرب العالمية الثانية, ولعب ضغط الرأي العام الاوروبي على وجه الخصوص دورا كبيرا في اخراج هذه الوثيقة الى حيز الوجود لأن حصة الاسد من هذه الاهوال قد جرت في القارة الاوروبية. تعد هذه الوثيقة ذات اهمية خاصة لأنها نقلت هذه الموضوعة الهامة المتعلقة بحقوق الانسان من اطارها المحلي الشيق او من كونها تطرح من قبل الكثير من الشخصيات والمنظمات الانسانية والاحزاب السياسية لتصبح قضية دولية تعترف بها الدول حتى وان لم تطبق مضامينها, لقد تجاوزت هذه الوثيقة الاعلان الصادر عن تشكيل هيئة الامم المتحدة عام ,1945 والتي جاء فيها: (الايمان بالحقوق الانسانية الاساسية وتسهيل وتشجيع احترام حقوق الانسان بدون تمييز من حيث الجنس واللغة والدين والعرق) , وهذا يعني الاقتصار على مهمة تشجيع الدول على احترام حقوق الانسان دون الالتزام بتطبيقها, ولهذا اضطر حتى اعتى الطغاة, بعد الاعلان العالمي لحقوق الانسان, الى استخدام مفردات من هذه الوثيقة نتيجة للضغوط التي يمارسها الرأي العام العالمي من اجل تطبيق بنودها. وعلى الرغم من اعلان هذه الوثيقة الا انه جرى التعثر في تطبيق مضامينها, واهم اسباب التعثر هو ان الدول المتنفذة في الهيئة الدولية ماكانت تنظر بجدية الى هذه الوثيقة وتزن بمعيارين بقدر ما يتعلق الامر بالتطبيق, فعلى سبيل المثال فان اندريه فيشينسكي, المدعي العام في محاكمات ستالين الشهيرة في الثلاثينات, وممثل الاتحاد السوفييتي في الهيئة الدولية اعلن بعد التوقيع على: (ان الوثيقة ما هي الا مجموعة من العبارات الطنانة) , وظل الاتحاد السوفييتي يحتفظ بنظام الحزب الواحد ولم يسمح لأي صوت معارض, ومارست الولايات المتحدة نهجا يتسم بالرياء في تطبيق مبادئ الوثيقة, ففي الوقت الذي وقعت فيه الولايات المتحدة على الاعلان, كانت العديد من الولايات الامريكية تطبق نظام التمييز العنصري السيء الصيت ضد السود والملونين, كما تمسكت الدول الاستعمارية في اوروبا بسياسة الاحتفاظ بالمستعمرات في اسيا وافريقيا واماكن اخرى في العالم وقمعت بوحشية كل من يطالب بحق تقرير المصير وهو امر يتعارض مع الوثيقة التي وقعت عليها, وبالاضافة الى ذلك فان دولة اوروبية كسويسرا وبفعل قانون بال, حرمت نصف المجتمع, اي النساء, من المشاركة في الانتخابات, ولم يتم الغاء هذا القانون الا في أواخر السبعينات. ومما زاد الطين بلة هو اندلاع الحرب الباردة بين الكتلتين الشرقية والغربية والتي أدت الى تجاهل العمل بهذه الوثيقة من ناحية, ومن ناحية اخرى سعى كل طرف من الاطراف المتصارعة الى كسب ود الانظمة الديكتاتورية للوقوف الى جانبها, وهكذا, مثلا, تم تجاهل سلوك النظام الفاشي في اسبانيا والبرتغال بذريعة وقوفها الى جانب الغرب في الصراع الدائر بين القطبين المتصارعين اثناء الحرب الباردة, والتزمت الاطراف المتنفذة في مجلس الامن لنفس السبب الصمت ازاء الانتهاكات الفظة لحقوق الانسان من قبل المستبدين في البلدان النامية وذلك بذريعة عدم التدخل في الشؤون الداخلية اوالحفاظ على المصالح التجارية المتبادلة, ولهذا شهد العالم من جديد بعد اندلاع الحرب الباردة ممارسات شائنة ضد حقوق الانسان تراوحت بين اشنع اشكال التعذيب والقمع المتفلت والسجون الى استخدام اسلحة الابادة المحرمة دوليا في الحرب الكورية والفيتنامية والمواجهة العربية الاسرائيلية والحرب العراقية الايرانية وفي قمع الاحتجاجات الداخلية بما في ذلك في بعض الدول العربية (مأساة خليجية في العراق) . ان المجابهة بين الاطراف المتنازعة في مرحلة الحرب الباردة دفعت كل طرف الى احراج الطرف المقابل في اثارة موضوع حقوق الانسان, ولهذا قامت اغلبية الدول الاعضاء في الامم المتحدة بالتوصل الى 16 اعلانا اضافيا حول حوق الانسان منذ عام 1949 وحتى عام ,1989 عام انتهاء الحرب الباردة, وغطت هذه الاتفاقيات مجالات متنوعة مثل حقوق النساء والاطفال والاسرى والغاء العبودية وتحريم التعذيب وازالة التمييز العنصري والعمل الاجباري واتفاقيات اخرى حول الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, ولكن هذه الاتفاقيات لم تحظ باجماع الدول الاعضاء في المنظمة الدولية, فاعلان تحريم التفرقة ضد النساء وافقت عليه 160 دولة, ولكن لم توقع عليه الولايات وعدد من الدول الاخرى. كما ان الاعلان حول حقوق الاطفال قد حظي بموافقة جميع الدول باستثناء الولايات المتحدة والصومال!! وتخلفت الولايات المتحدة 40 سنة لكي توقع على اعلان تحريم الابادة العرقية و28 سنة للتوقيع على اعلان تحريم التفرقة العنصرية و26 سنة للتوقيع على الاعلان العالمي حول الحريات السياسية والمدنية. بعد انتهاء مرحلة الحرب الباردة في عام ,1989 دخلت مسألة الدفاع عن حقوق الانسان مرحلة جديدة من مراحل تطورها, وتلقت دفعة جدية نحو الامام في عقد التسعينات, ففي عام 1993 وبعد الاحداث الدامية في البوسنة تم الاتفاق على تشكيل محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة, وتلا ذلك في عام 1994 تشكيل محكمة دولية اخرى لمحاكمة مجرمي الحرب في رواندا ومحكمة مدبري الابادة الشاملة في كمبوديا. وتحت ضغط الاحداث الدامية في بقاع اخرى من العالم وبفعل الضغوط التي مارستها المنظمات غير الحكومية المدافعة عن حقوق الانسان اتخذت الامم المتحدة في عام 1998 (بموافقة 120 دولة) قرارا بتشكيل محكمة جنائية دولية لمحاكمة منتهكي حقوق الانسان, رغم معارضة الولايات المتحدة للقرار. واضافة الى ذلك وبفعل ضغط المنظمات الانسانية اتخذت الامم المتحدة قرارا بتحريم الالغام المضادة ضد الافراد, مجمل هذه الاجراءات تشكل ضربة للفكرة التي سادت من قبل حول مجتمعات الدول ذات السيادة وعدم التدخل في شؤونها الداخلية, بما يعني تقلص سيادة الدول بقدر ما يتعلق الامر بالانتهاكات الفظة لحقوق الانسان, والنموذج على ذلك القضية القائمة الآن حول الديكتاتور الشيلي السابق بينوشيه. ورغم التطور والانتعاش في حركة الدفاع عن حقوق الانسان, فقد رصدت منظماتها الدولية 117 بلدا تتم فيه ممارسة التعذيب ضد مواطنيه. بالاضافة الى ملاحقة نشطاء المدافعين عن حقوق الانسان في الكثير من الدول. كما ان بعض البلدان التي تعلن دفاعها عن هذه الحقوق تلتزم الصمت ازاء الانتهاكات التي تجرى في بلدان اخرى (مثال ذلك صمت الولايات المتحدة على ممارسات اسرائيل ضد الفلسطينيين). ويتولى البعض في بلداننا العربية الهجوم على موضوع الدفاع عن حقوق الانسان بذريعة كونها تقليعة غربية ومستوردة والى حد وصفها بالمؤامرة الامبريالية!! وينسى هؤلاء ان المتنورين من أجدادنا وآبنائنا هم الذي رفعوا مقولة (متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم أحرارا) .

طباعة Email
تعليقات

تعليقات