دول الخليج العربية ونهاية القرن: بقلم- فايز سارة

عام واحد, وينقلب الرقم ليصير العالم في قرن جديد, هو بلا شك زمن لن يشبه زمنا آخر مما مرت به البشرية بشعوبها ودولها, وهي صفة عامة تؤشر الى اتجاه دون ان تعطي التفاصيل , ذلك ان الاخيرة ستكون محط تغييرات وتبدلات دراماتيكية من الصعب التنبؤ بها وتحديدها بسبب ما صارت اليه التطورات العلمية والتقنية من احتمالات, وبسبب الانعكاسات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي سوف تفرضها تلك التطورات على واقع الشعوب والدول. غير ان مما يجعل المستقبل اكثر امانا وامنا بالنسبة للشعوب وللدول, هو تلك الاستعدادات التي تتم, وتتخذ بصددها اجراءات تنظيمية وادارية وقانونية لمواجهة الاحتمالات والتطورات المقبلة, والامر في هذا ينطبق على الدول الكبرى كما على الدول الصغرى, وعلى الشعوب كافة, وان كانت الفرصة اكبر امام بعض دون بعض بسبب الامكانيات القائمة والمتاحة وبسبب طبيعة الاستعدادات والاجراءات المتخذة. وبطبيعة الحال فإن دول الخليج العربية هي واحدة من تلك الدول التي تستعد شعوبها للدخول في القرن الجديد, وتخصيص الحديث عن هذا الجزء من الاطار العربي, امر ينفصل عن مزايا وسمات تنفرد بها هذه الدول عن الاكثرية العربية والتي لا شك ان جوامعها المشتركة كثيرة ومهمة, وهو امر لا يتعارض والخصوصيات المميزة في اطر معينة محدودة. ان ابرز المزايا المشتركة لدول الخليج العربية تتجسد في كونها دولاً صغرى بالمعنى الجغرافي ــ باستثناء المملكة العربية السعودية ــ وهي دول قليلة السكان على نحو ظاهر وذات دخول مرتفعة, ويجمعها ايضا انها دول ذات اقتصاد وحيد الناتج, حيث تعتمد على النفط, ولها بنى اجتماعية ــ ثقافية متقاربة, وما سبق كله كان بين العوامل الاساسية التي قادت تلك الدول مجتمعة الى اقامة مؤسسة مشتركة ذات طابع توحيدي هي مجلس التعاون لدول الخليج العربية وفي الابعد من ذلك فان تلك الدول اعضاء في جامعة الدول العربية. واذا كانت تلك المزايا تعني شيئا بصدد حالة توصيف دول الخليج العربية في نهاية القرن من حيث استعداداتها لدخول القرن القادم, فإن ذلك يعني تقاربا بنيويا بين مجتمعات تلك الدول من جهة, وطموحات سياسية مشتركة لحكوماتها في استعدادات تلك الدول وشعوبها لدخول القرن الحادي والعشرين من جهة اخرى. ورغم اهمية هذين العاملين واساسيتهما, فإنهما لا يشكلان اساسا كافيا لحضور ملموس لدول الخليج العربية في القرن القادم, فالتشابه البنيوي يمكن ان يكون له اثر ايجابي او سلبي, بل انه قد يكون بين عوامل تضيع كل ماهو ايجابي مقابل ماهو سلبي, مما يعني بالضرورة تكريس حالة من التأخر والتراجع عن ركب العالم في القرن المقبل, والذي يكفل ان يصير التشابه البنيوي عاملا ايجابيا هو وضعه في خدمة التطور اللاحق, باستنهاض الجوانب الايجابية, والتي بينها ــ في الجانب السياسي ــ التوجه نحو ترسيخ التعاون المشترك باتجاه الوحدة وبناء الشخصية الاكثر استقلالية وحضورا في المستويين الاقليمي والدولي, وهو امر لاينفصل عن تكريس توجهات سياسية داخلية اساسها توسيع اطار المشاركة الشعبية في الحياة السياسية في كل دولة على حدة وفي عموم الدول. ويتقدم في الجانب الاقتصادي تعزيز البنى الاقتصادية وتنويعها واقامة مستوى اعلى من التعاون والمشاركة بين الدول وفي داخل كل واحدة منها, بحيث يتم احداث نقلات نوعية نحو بنية اقتصادية متكاملة تسير نحو الوحدة. اما في الجانب الاجتماعي فثمة امران مهمان, الاول فيهما اعادة التدقيق في طبيعة العلاقات الاجتماعية السائدة واثر علاقات ما قبل المجتمع الحديث في التطور المستقبلي, والثاني اعادة النظر في قضية المرأة الخليجية, والتي تشكل نصف كسان الخليج, ولها مسؤولية اساسية في واقعه وتطوره اللاحق. لقد خطت دول الخليج العربية ولا سميا في العقدين الاخيرين خطوات مهمة سياسيا واقتصاديا واجتماعيا باتجاه تحديث وتطوير مجتمعاتها وتحقيق مستوى من التقارب العام ليس في الاطار الرسمي المشترك ممثلا بمؤسسة مجلس التعاون فقط, وانما في اطار كل بلد على حده سواء من حيث التوجهات, او من حيث الخطوات الاجرائية المتخذة. ان بين الاهم من التوجهات والخطوات التي تبثها اكثرية دول الخليج العربية يتصل بتطوير النظام السياسي سواء في اتجاه الوصول الى وضع دستور, وانتخاب مجالس تمثيلية, او في اتجاه قبول دور المرأة وتأكيد حضورها في المجتمعات الخليجية وبهذا المحتوى يمكن ان نصف التوجهات التي اعلنت عنها قطر بأنها تعبير شامل عن الرغبة الخليجية في تطوير النظام السياسي في تلك الدول. وامر التبدلات السياسية في دول الخليج العربية لم يقتصر على الامور الداخلية, بل يمتد الى الاقليمي, وفي هذا يمكن ملاحظة توجهين, الاول فيما يتصل بالعلاقات بين دول الخليج العربية فيما بينها, والتي رغم الخلافات التفصيلية التي تظهر هنا وهناك فانها تسير باتجاه الصيرورة الى علاقات افضل واقوى في الاطار الجماعي والثنائي, وهو امر يجد له تماثلاً مع علاقات دول الخليج العربية مع غيرها من الدول العربية. والتوجه الثاني فيما يتصل بعلاقات تلك الدول مع جوارها يمكن القول, ان العلاقات تتجه الى التحسن مع الجارتين الكبيرتين في الخليج واعنى ايران والعراق, وهو مؤشر ايجابي من شأنه ان يخفف الحساسية المفرطة في العلاقات الخليجية بين العرب وايران, ويضع قاعدة باتجاهين, الاول فيهما حل المشاكل العالقة, ومنها قضية الجزر العربية في الخليج التي تحتلها ايران منذ العام ,1971 والثانية رسم اطار اقليمي لتعاون مشترك سياسي ــ اقتصادي, وهو ما صار من الممكن ملاحظة بوادره في العلاقات الايرانية ــ السعودية. والامر في علاقات دول الخليج من حيث تحسن العلاقة مع ايران والعراق, فإن في العلاقة مع العراق ماهو مختلف ذلك ان في هذا التحسن ما يساعد على انهاء الآثار المدمرة لاجتياح الكويت وما تبعها في حرب الخليج الثانية عام 1991 التي جعلت العراق في مكانة العدو لدول الخليج العربية, بينما تتجه الجهود حاليا لمساعدة العراق وشعبه في الخروج مما صار اليه الحال. وفي المحصلة الاجمالية فإن هذه التوجهات السياسية العامة, اذا تم ربطها بما يجري من اجراءات وتوجهات في كل واحدة من دول الخليج العربية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية, لصار من الممكن القول, ان اجمال ذلك يعني تحسنا وتقدما ملموسا تحققه دول الخليج العربية, الامر الذي يجعلها في مكانة الافضل بين الدول العربية عشية نهاية القرن, وقبل حلول القرن القادم الذي سيكون عالما جديدا يحتاج الى كل امكانية وقدرة بلا شك. * كاتب وصحفي سوري

طباعة Email
تعليقات

تعليقات