أبجديات:بقلم-عائشة إبراهيم سلطان

لا أدري إلى أي قرن سنبقى عاجزين عن انتاج السلع الضرورية لحياتنا؟ وإلى متى سنظل نستورد طعامنا وشرابنا وملبسنا وحتى ثقافتنا من المجتمعات الأخرى؟ حالة الشلل هذه عجيبة جدا, والعجب لا يعود للمرض وانما للمريض الذي يدرك علته ويستمتع بشكل (مازوشي) بها, وهذا هو المرض الأكثر لعنةً من حالة العجز . سقطنا في ابهار المال, وصار الاستهلاك ثقافتنا وعلامتنا الفارقة, ولم يعد هناك راغب في مناقشة القضية الأخطر, قضية الأمة حين تُصادر روحها اختيارا, وتصبح كبالون الهواء المهدد أمام رأس دبوس حقير يطل من احدى قنوات الكيبل التجارية. د. علي الزميع وزير التخطيط الكويتي الأسبق في الندوة التي اقيمت على هامش معرض الدوحة الدولي الثاني عشر للكتاب, تحدث بموضوعية تامة مجنبا كل من يستمع اليه ذلك الحكم الفارغ بالتشاؤم والتفاؤل فقال: ان الواقع هو الذي يفرض الحقيقة, ولا مجال لأحكام على شاكلة تفاؤل وتشاؤم, ان الاغراق المادي الذي تعيشه مجتمعات الخليج من خلال ثقافة الاستهلاك الترفي يقف بجسارة وراء بروز ثقافة الجُبن والانسحاب من الشأن العام والشعور بالاحباط بين أفراد المجتمع. يحكي أحد الكتاب من تونس تجربة جديرة بالتأمل فيقول: عندما ذهبنا نحن أبناء المغرب العربي إلى فرنسا للدراسة كان لدينا ذلك اليقين بأن فرنسا عظيمة, وهي تفتح لنا كل فضاءاتها لنتعلم ونتحضر ونستفيد من نتاجها الحضاري الرفيع, لكن كلمة ألقاها الرئيس (جورج بومبيدو) قال فيها لكل الفرنسيين: (علموا هؤلاء القادمين من الشرق اللغة والثقافة الفرنسية ليشتروا كل شيء فرنسي بعد ذلك!) . فكانت الوهج الذي جعله يبرق إلى والدته العجوز العربية في ريف تونس طالبا منها كتبا عربية يتحصن بها ضد اختراق (بومبيدو) لوجدانه, قال لها: لا أريد أغطية أو بقلاوة أو مصاريف زيادة, أريد القبض على ذاتي, لأنهم يصادرونني جهاراً في فرنسا. نحن اليوم نُصادر في عقر دارنا مع استعداد تام لتقبل هذه المصادرة. لم نعد قادرين على الرفض. لم نعد قادرين أن نقبض على أنفسنا ووعينا بقوة. لم نجعل فكرتنا عن أنفسنا مبدأ يستحق التضحية, والذهاب بعيدا عن الشعور المهين بالحاجة لثقافات وسلع الآخرين. تهاوينا سريعا جدا أمام حضارات تبيعنا (أشياءها) المادية, لكنها ترفض أن يصلنا شيء من روحها, انها تبيعنا الطعام وأحمر الشفاه, والسيارة وبنطلون الجينز, وجهاز الكمبيوتر, لكنها لن تسمح لنا بأن نعرف شيئًا عن وعي التعامل مع هذه المفردات, لن تسمح لنا بأن نتقن صناعتنا الخاصة بنا, ولن تصدر لنا قيم الحفاظ على الوقت وحرية القرار, والنقد الموضوعي, وقيم العمل و .. إلخ. نظامنا الاعلامي برمته, ومؤسساتنا التربوية كلها لا تشكل متاريس ذات جدوى امام اشكاليات الواقع, هذا الواقع المكشوف على فضاء مزروع برغبة السيطرة على الضعفاء, الذين لم يدركوا بعد ان الاستعمار القديم غادرهم فعلا بعد أن غرس فيهم وما زال بذرة لعينة هي الاستعداد الدائم لقبول الاستعمار, وحبه أيضاً!

طباعة Email