مفكران اسلاميان في مؤتمر امريكي! بقلم- د. شفيق ناظم الغبرا

شكل موضوع الاسلام وتجديده محورا اساسيا في مؤتمر دراسات الشرق الاوسط الذي عقد في مدينة شيكاغو الامريكية في الرابع من ديسمبر . ولبدء النقاش حول امر بهذه الجدية استضاف المؤتمر مفكرين اسلاميين لديهما الكثير من الاطروحات التي اثارت ومازالت تثير الكثير من الجدل, المفكر الاول هو محمد شحرور (من سوريا) مؤلف (الكتاب والقرآن) اما الثاني فهو عبدالكريم سوروج (من ايران) صاحب العديد من الدراسات القيمة والاطروحات الاسلامية التجديدية. المحاضرتان امتلأتا بذلك الجمهور الاكاديمي الذي يمثل عمليات معظم من يختص بدراسة الشرق الاوسط في الولايات المتحدة. في هذا المؤتمر الذي وصل عدد حضوره الى أكثر من 1500 استمع الحضور لأول مرة وباعجاب لاطروحات كل من المفكرين. لقد كانت هذه هي المرة الاولى التي استمع فيها لمحاضره لكلا المفكرين اذ سبق لي قراءة (الكتاب والقرآن) لمحمد شحرور وقد استخدمت بعض فصوله في جامعة الكويت للنقاش مع الطلبة. وقد كانت عملية استخدام ومناقشة ما يكتبه شحرور في فصولي مثار جدل في الكويت. ولطالما تساءلت عن تلك الشخصية التي كتبت (الكتاب والقرآن) وكانت المفاجأة ان تعرفت مع الجمهور على شخصية هادئة وجريئة وتعرفت على متحدث مؤثر قادر على شرح اصعب المعاني بأبسط اسلوب, شحرور في الساحة الامريكية وفي جولته على جامعات امريكية خلق اعجابا بما يطرح لقد خلقت جلسة شحرور في المؤتمرات نقاشا مستفيضا ولم تخل الجلسة من المعارضين ومن الاراء المختلفة حول الامر. والجدير بالذكر ان شحرور بدأ مشروعه لتفسير القرآن الكريم بعد حرب 1967 اذ اعلن للجمهور في الندوة ان تلك الحرب جعلته يرى ضرورة الالتفات للاسلام وتفسيره تفسيرا عصريا وقد عقد العزم على ذلك وعمل بصمت اذ لم يسمع به احد قبل ان نشر كتابه بعد ذلك بحدود العشرين عاما. والمعروف ان شحرور والذي يقيم في سوريا لم يقبل لقاءات صحافية, ولم يظهر على برامج تلفزيونية, وتفادى طرح افكاره علنا من خلال وسائل الاعلام المتعددة. لقد اكتشف الجمهور في شحرور متحدثا مؤثرا وبليغا الا ان غيابه عن وسائل الاعلام تم انطلاقا من حرصه على انتشار كتابه. ففي سوريا لوحدها باع الكتاب 30 الف نسخة كما ان الكتاب يبيع سنويا آلاف النسخ في البلاد العربية. ولقد شرح شحرور باسهاب نظريته في التفسير والتي تقوم على وجود حدود قصوى وحدود دنيا في تطبيق الشريعة الاسلامية. اذ انطلق من ان الحدود في اغلبها هي الحدود القصوى. اذ اعتبر على سبيل المثال ان قطع اليد هو الحد الاقصى للسرقة في الاسلام, اذ لا يمكن تنفيذ عقاب اكبر منه تجاه السرقة. ولكن شحرور اعتبر ان هذا هو الحد الاقصى وانه يجوز لدواعي التشريع الاكتفاء بعقوبات اقل وذلك حسب السرقة وطبيعتها بما في ذلك السجن, اذن لكل شيء في الحدود الاسلامية بما فيها لباس المرأة حده الاقصى وحده الادنى وهناك بالتالي درجات تسمح بالمرونة وتسمح بالعصرية وتؤكد امكان تلاؤم الانسان المسلم مع العصر الحديث بكل تنوعاته. اما عبدالكريم سوروج فقد سبق لي وان قرأت عنه وعن نشاطه في ايران دون ان اسمعه يتحدث ودون التعرف المباشر على كتاباته التي لم تترجم بعد عن اللغة الفارسية. وبأسلوب غني شرح سوروج كيف بدأ في اجتهاده وانه عندما بدأ في دراسة الاسلام لم يفكر في التعامل مع السياسة والامور الحساسة في الاسلام, ثم اردف موضحا لكن الاسئلة الصعبة داهمتني. اذ بدأت اكتشف انه يوجد فارق كبير بين الدين الاسلامي كدين وبين تفسيره بين الناس. هكذا بدأت اتوصل لحقيقة جديدة وصعبه بالنسبة لي: لا يوجد تفسير واحد, هناك تفسيرات حديثة او تقليدية جديدة وقديمة رسمية وغير رسمية, جميعها تفسيرات للاسلام عليها ان تتعايش مع بعضها البعض. وهذا يعني بأنه لا يحق لاحد ان يحتكر تفسير الاسلام. ولكن شحرور مثل سوروج رفض فكرة فصل الدولة عن الدين. اذ اكد ان هذه التجربة سبق وان جربت في تركيا والنتيجة ان الدولة هناك ضعيفة بينما ايران الاسلامية اكثر الدول الاسلامية قوة وشرعية. ان الاسلام اذن قوة رئيسية لا يمكن اهمالها كما ان الاساس ليس بناء العلمانية على الطريقة التركية, بل الاساس بالنسبة للمجتمع المسلم هو بناء الديمقراطية الحقة, وهذا ما بدأت تتعرف عليه ايران. المنطلق ان يكون كل شيء وفق مشيئة الشعب ووفق ارادة الناس, وهذا يعني احترام الدين والاسلام واحترام ارادة التغير بنفس الوقت. بل ان بناء آلية الديمقراطية تعني احترام الجانب المتدين في المجتمع واحترام حرية التعبير التي تؤكد انه يوجد حقوق للاغلبية وللاقلية. واسهب شحرور قائلا: ان المجتمع المتدين يفرز حركات وانظمة متدينة, اما المجتمع غير المتدين فينتج نظاما غير ديني, المجتمع العلماني ينتج حكومة علمانية والعكس صحيح. ومن هنا تصبح الديمقراطية وسيلة للتعبير عن حركة المجتمع ولكن الديمقراطية لا تستوي بلا السماح لكل المدارس وبلا جعل الدولة اداة ديمقراطية لا اداة قمع ضد الاجتهاد والتفكير. لهذا يجب ان نفسر ونجتهد ونصل الى نتائج جديدة, لان كل ما نصل اليه في مجتمعنا في ظل تطوير الديمقراطية سوف يرى انعكاسا له في انظمتنا السياسية. ولقد طرح كل من شحرور وسوروج اثناء محاضرتيهما تصورا للديمقراطية في الاسلام, وكلاهما طرح تصورا للاجتهاد الحر في الاسلام وكلاهما رأى اهمية التداخل بين الاسلام والحرية وبين الاسلام والفردية والاسلام وحقوق الانسان والاسلام والمجتمع المدني. كلاهما نظر للحالة التي وصلها الوضع الاسلامي وطرحا نقدا لها انطلاقا من ضرورة التجديد في تفسير الدين. وقد انطلق كل من شحرور وسوروج من اولوية الوحي ومن قيمة الوحي ولكنهما ركزا على ان الانسان الذي يفسر لن يكون قادراً على اعطاء الرأي النهائي في كل تفسير, وبالتالي لا يوجد تفسير وحيد او تفسير نهائي او تفسير مطلق للاسلام. ان هذه المدرسة المجددة ليست المحاولة الاخيرة والاولى, اليوم يوجد مخاض كبير في المجتمع الاسلامي, ان هذه التفسيرات تعبير عن حالة البحث عن هوية جديدة وعن تصورات جديدة تسمح للعرب والمسلمين بالانطلاق نحو الحداثة دون الخوف من جمود التفسيرات. ان صراع واختلاف التيارات حول هذه التفسيرات سيكون سمة رئيسية في العقد الاول من القرن المقبل. استاذ في قسم العلوم السياسية, رئيس تحرير مجلة العلوم الاجتماعية, مدير المكتب الاعلامي الكويتي في واشنطن*

طباعة Email