رجلان وقضيتان: بقلم -الدكتور الحسان بوقنطار

يقترن احتفال العالم بالذكرى الخمسينية لصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان 1948 باستمرار تداعيات قضيتين فجرهما رجلان , وهما الديكتاتور التشيلي السابق بينوشيه, الذي تم اعتقاله في لندن بطلب من القضاء الاسباني الذي يريد محاكمته بسبب الجرائم التي ارتكبها خلال حكمه للتشيلي, والتي طالت بعض الاسبانيين, والثاني هو عبد الله اوجلان, زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني, الذي طلب حق اللجؤ السياسي في ايطاليا , وتطالب به تركيا بدعوى ارتكابه لجرائم ضد أمن تركيا, والتي تصل الى حد الاعدام. وفي الواقع , فان التطورات التي عرفتها, ومازالت مرشحة لان تعرفها قد كشفت عن بعض التماثلات, والتمايزات في الوقت نفسه. فمن جهة اولى, فان هاتين القضيتين تعبران عن الاهمية التي بدأ يكتسيها الفرد في العلاقات الدولية فعلى خلاف ما كان عليه الوضع في السابق, حيث كانت الدولة تحتكر مجال صنع الحدث, فاننا نلاحظ انها اصبحت منافسة في ذلك من طرف فاعلين اخرين, كما هو الامر بالنسبة للمنظمات الدولية بشقيها الحكومي, وغير الحكومي, او القوى غير الوطنية, علاوة على ذلك, فان الفرد بدأ تدريجيا يخرج من وضعه كموضوع للعلاقات الدولية الى ذات في هذه العلاقات. ويعود هذا الامر الى مجموعة من التحولات سواء المرتبطة بالمحيط الداخلي, او المحيط الدولي. فعلى المستوى الاول, نلاحظ ان الاختراقات التي سجلتها الديمقراطية عبر العالم ساهمت في ابراز المجتمع المدني, وهو الذي يعني ان الافراد اصبحوا يتحركون بشكل اكثر فعالية , وذلك من خلال تنامي الجمعيات المختلفة التي تمثل مصالحهم, والتي باتت تشكل مجموعات ضغط (لوبيات) لابراز مطالبهم, والعمل على تحقيقها, وفي مقابل توسع فضاء الحرية والمبادرة الحرة, فان دور الدولة سجل تراجعا ملحوظا, وبالتالي فقدت هذه الاخيرة بعض مظاهر هيبتها التقليدية وعلى المستوى الخارجي, فان دخول النظام الدولي, فيما اسماه المحلل الامريكي الشهير جيمس روزناو, في (منطقة الاضطراب) قد جعله اكثر قابلية لاستيعاب السلوكات الميكرو سياسية, وفي السياق نفسه ساعد على دخول فاعلين جدد غير خاضعين للدولة الى المعترك الدولي, والقيام بتصرفات تفرض على الدولة التعامل معها بشكل من الاشكال. وقد يترتب على ذلك حدوث ازمات بين الدول, لاسيما اذا كان الافراد يرتبطون بمؤسسات سياسية معينة, كما هو الامر بالنسبة لبينوشيه الذي فرض نفسه كسناتور مدى الحياة, وذلك للاستفادة من الحصانة التي تحميه من العقاب. او بالنسبة لاوجلان الذي يعتبر زعيما لحزب يقدم نفسه كمدافع عن شعب وهو الشعب الكردي. وفي السياق نفسه, فان انتقال العالم من السياسة الدولية الى السياسة العالمية طرح انشغالات جديدة, يوجد الافراد في مركز اهتمامها. فقضايا المخدرات, وانتقال الاوبئة, وتزايد الكوارث المختلفة, كلها عناصر جديدة تجعل الافراد اكثر من اي وقت مضى في مركز الاهتمام. يكمن التشابه الثاني في رد فعل الدول المعنية بهاتين القضيتين. فسواء تعلق الامر بالتشيلي, او تركيا, فانها لم تتردد في اللجؤ الى كافة الضغوط, ولاسيما الديبلوماسية والاقتصادية لدفع انجلترا وايطاليا للاستجابة لمطالبها . وقد افضى ذلك الى محاولة استعمال هذا الحدث الخارجي كورقة لتحقيق اجماع داخلي, كما هو الامر بالنسبة للحكومة التركية, التي اججت مشاعر الكراهية ضد كل ماهو ايطالي الى حد ان الاتحاد الاوروبي لكرة القدم قد اضطر الى تأجيل مقابلة بين فريقين من البلدين بسبب التوتر الذي كان سائدا. لكن , يبدو واضحا ان هذه الضغوط لم تؤد الى المبتغى منها بسبب تعقد الملفين, وكذلك بفعل التفاف الحكومتين البريطانية والايطالية حول مسلك مضمونه انهما لايمكن لهما التدخل في عمل السلطة القضائية. لكن من المؤكد ان الديبلوماسية السرية ستسعى الى ايجاد مخرج للازمتين يحمي مصالح الطرفين, واخيرا يتمثل التشابه الثالث في غياب الآليات الدولية الكفيلة بمعالجة هذه الظواهر, وفي الوقت الذي تخلد فيه الانسانية مرور خمسين سنة على الاعلان العالمي لحقوق الانسان, الذي شكل اهم حجر في صرح حقوق الانسان , وبالرغم من المواثيق الدولية المتعددة التي تصدت لجوانب كثيرة من حقوق الانسان, فانه يلاحظ ان قانون حقوق الانسان مازال يعاني من شيء اساسي يتمثل في ضمان احترام المقتضيات التي نصت عليها هذه المعاهدات والاتفاقيات المتنوعة, وتجلى هذا القصور واضحا في هاتين القضيتين, الامر الذي خلف جدلا قانونيا في كلتا النازلتين. ففي قضية بينوشيه, اذا كان قرار مجلس اللوردات, وهو اعلى جهة قضائية بريطانية يعتبر سابقة ايجابية, حينما اعتبر ان الحصانة لايمكن ان تمنع من المتابعة اذا كان الامر يتعلق بارتكاب جرائم ضد الانسانية, فان بعض الاسئلة تبقى معلقة, ففي حالة استناد الحكومة البريطانية على هذه الجريمة, ومن ثم تسليم بينوشيه, هل يحق للقضاء الاسباني محاكمته, في الوقت الذي نعرف ان هذه الجرائم من اختصاص المحكمة الجنائية الدولية التي تأسست في روما في 1998 (انظر مقالتنا في هذه الجريدة: اخيرا .. محكمة جنائية دولية, بتاريخ 20/9/1998) كذلك, وفي حالة احالته على هذه المحكمة, هل يمكن لها محاكمته؟ الجواب بالنفي, طالما ان هذه المحكمة, التي مازالت لم تبدأ عملها, ليست مختصة الا بالنظر في الجرائم التي ارتكبت بعد تأسيسها. لذلك, فانه حتى في حالة قبول وزير الداخلية البريطاني تسليم بينوشيه الى العدالة الاسبانية, فان محاكمته ستدخل في جدالات معقدة قد لاتنتهي بمحاكمة الديكتاتور السابق بفعل سنه المتقدمة. ان التعقد نفسه نتلمسه بشكل آخر في قضية اوجلان. فايطاليا قد رفضت استنادا الى قوانينها تسليم هذا الشخص الى العدالة التركية التي قد تحكم عليه بالاعدام , لكن ايطاليا في الوقت نفسه ترفض تمتيعه بحق اللجؤ السياسي. والموقف نفسه حاولت المانيا تحاشيه, فبفعل الجالية التركية الكبيرة الموجودة فوق ترابها, فانها تخلت عن المطالبة باوجلان لمحاكمته, وهو الامر الذي كان سيشكل مخرجا لايطاليا. امام هذه المعضلة, فقد قررت ايطاليا (أوربة) هذه القضية, وذلك بطرحها على الحلفاء الاوروبيين, ومرة اخرى برزت بفكرة انشاء محكمة جنائية اوروبية. لكن حتى في حالة تبني هذه الفكرة, واخراجها الى حيز الوجود, فان هذه المحكمة لايمكن ان تتصدى للافعال التي حدثت قبل نشوئها. وفي الواقع , اذا لم يكن من الناحية القانونية محاكمة هذين الشخصين امام محكمة جنائية اوروبية, فان هاتين النازلتين قد كشفتا للاوروبيين القصور الذي عاني منه النظام الاوروبي فيما يخص العدالة الجنائية. ولاريب, فان اوروبا التي تملك احسن الانظمة القانونية المتعلقة بحماية حقوق الانسان, والمتمثل بالخصوص في المحكمة الاوروبية لحقوق الانسان التي مكنت الانسان الاوروبي من مقاضاة دولته امامها اذا تبين له ان الآليات الوطنية لايمكن لها ان تضمن له حقوقه, ستفكر بشكل ايجابي في انتاج آلية جنائية تسمح بتجاوز الاشكالات المطروحة عليها. وقد يتدعم ذلك بهذه النزعة الوحدوية التي تعطي طابعا اوروبيا شموليا لكل التحديات التي تواجهها كل دولة اوروبية على حدة. تتوقف اوجه الشبه عند هذا المستوى, لتفرج عن اختلافات واضحة فيما يتعلق بهذين الملفين, فاعتقال الرجلين لم يتلق نفس الصدى. فتوقيف بينوشيه قد لقي ارتياحا سواء على مستوى التشيلي, او على مستوى العالم, نظرا لارتباطه بنظام ديكتاتوري مارس الهمجية بشكل واسع, ولم تكن الاهداف التي تسعى الى تحقيقها تبرر تلك الاساليب الموغلة في التعذيب والارهاب ضد ما كان يسميهم بخصومه السياسيين. وظل السؤال المطروح هو معرفة ما اذا كان من المستحيل محاكمة الكثير من الديكتاتوريين اشباه بينوشيه, والذين استطاعوا كابتزاز للانتقال الديمقراطي في بلدانهم, ان يضمنوا عدم التعرض للعقاب. كما هو الامر بالنسبة لسوموزا وفيديلا وستروسنر وبانزر ودوفاليي, فهؤلاء كلهم طغاة تركوا ارثا ثقيلا ضد حقوق الانسان, ما فتئت تندد به المنظمات الدولية المتخصصة في هذ الميدان, كما هو الامر بالنسبة لمنظمة العفو الدولية, ومن ثم, فان اهمية ما يجري حاليا يكمن بالاساس في تغيير هذا التصور لصالح اتجاه جديد في القانون الدولي اعترف باختصاصه في معاقبة المسؤولين السياسيين عن الجرائم التي ارتكبوها خلال ممارساتهم السياسية, في مقابل هذا الارتياح الذي خلفه اعتقال الديكتاتور بينوشيه , فان مصير الزعيم الكردي اوجلان قد اعاد من جديد طرح القضية الكردية, وضرورة ايجاد تسوية سياسية مقبولة لها بعيدا عن اساليب القمع العسكري, ومن خلال هذا الرجل تطرح من جديد حدود العلاقة بين الارهاب والنضال المشروع. واذا كان رفض ايطاليا تسليم هذا الشخص لتركيا قد لقي استحسانا وتعاطفا عالميا, فان هذا لاينفي كون الاتجاه السائد حاليا عبر العالم يرفض اللجؤ الى العنف والضغط لحل القضايا والخلافات السياسية, ويبقى على الزعيم الكردي ان يبرهن على رغبته في التخلي عن مثل هذه الاساليب والبحث عن تسوية سياسية للمسألة الكردية. لكن بالمقابل, فان الحكومة التركية مطالبة بأن تغير من ممارستها, سواء في تعاملها مع هذه المسألة, او ملف حقوق الانسان بصفة عامة, ان الطموح التركي نحو الاندراج في اوروبا لايمكن ان يتحقق بالسرعة اللازمة اذا لم يتم تطبيع العلاقات بين المجتمع السياسي والمجتمع المدني في تركيا, وفي الاتجاه نفسه توسيع فضاء الديمقراطية في هذا البلد الاسلامي. ثانيا: في الوقت الذي يرفض الديكتاتور بينوشيه الامتثال امام اية جهة قضائية اجنبية, وذلك خوفا من العقاب, وبالتالي يتخندق وراء الحصانة للتشبث بضرورة محاكمته امام محاكم بلاده, وهو امر مستحيل لاعتبار النفوذ الذي تتوفر عليه المؤسسة العسكرية التي ينتمي اليها, فاننا نلاحظ على العكس من ذلك, ان الزعيم الكردي لم يتردد في قبول المثول امام محكمة جنائية دولية لمحاكمته, وينم هذا الموقف عن قناعة شخصية بعدالة القضية التي يناضل من اجلها, والتي تطرح في الأساس قضية الاقليات, وكيفية التعامل معها. ان التطور الذي حصل في القانون الدولي لحقوق الانسان, وان كان قد نص على الاعتراف بحقوق هذه الاقليات. وبالاساس حقها في الهوية الخاصة بها, فإن كل ذلك مازال مرهونا بضرورة المواءمة بين هذا المطلب, والمحافظة على الوحدة الترابية للدول. ومن ثم, فإن الكثير من الدول لا تشاطر هذا التصور, وخاصة المتعلق باستقلال الاكراد, لما من شأنه ان يحدث من اضطرابات سياسية في دول المنطقة المعنية بالقضية الكردية, كما هو الامر بالنسبة لتركيا والعراق وايران. فعلى شاكلة حركات استقلالية في دول اخرى, كما هو الأمر بالنسبة لحركة الباسك في اسبانيا, فإن الحركة الكردية مدعوة الى بلورة مشروع سياسي يرتكز على اقرار هويتها في اطار دولي واسع يحول دون تفتيت الكثير من الدول. وصفوة القول, فإن هاتين القضيتين تظلان حبليين بالمستجدات والتطورات بفعل تشابك العناصر القانونية والسياسية. وفي الوقت الذي بدأ العالم في تخليد الذكرى الخمسينية للاعلان العالمي لحقوق الانسان, فإن الخلاصة الأساسية التي يمكن استنتاجها تبرز بوضوح ان رحلة حقوق الانسان مازالت طويلة, فهذا الميدان لا يهم طرفا معينا, بل ان الاشكالات التي يطرحها هي كونية تتطلب اجابات بنفس المستوى. استاذ العلاقات الدولية, كلية الحقوق, جامعة محمد الخامس, الرباط/المغرب*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات