(الميديا تحاول الاعتذار)(3 - 3 )بقلم : محمد الخولي

بقدر مكانتك كاعلامي بارز, عليك ان تستعد لان تخضع لنفس المتابعة والمحاسبة والتدقيق في سلوكياتك بقدر استعداد شخص عام او موظف عام او مسؤول عام, منتجا كان او مكلفا بالتعيين الاستطلاع الذاتي للآراء هو عنوان الاحصاء والاستبيان الذي اجرته مجلة كولومبيا للصحافة(جورنالزم ريفيو)وبه نستكمل هذا الحديث الثلاثي الاجزاء عن دور الميديا وعن اخطائها وايضا عن انجازاتها في تغطية حكاية (بيل ومونيكا) التي شغلت امريكا والعالم بكل ما انطوت عليه من ابعاد سياسية وسلوكية واجتماعية وقانونية وربما اقتصادية ودولية ايضا بحكم الموقع القيادي لامريكا في اطار العالم وسياق العصر. ولقد سبق ان عرضنا لاستطلاع الرأى الشامل الذي قامت به في الاسابيع الاخيرة مجلة (نيويورك) وشمل افرادا من مختلف قطاعات الجمهور المتلقي لرسالة الميديا واكد في مجمله كيف تآكلت مصداقية المؤسسة الاعلامية - الصحيفة الامريكية بسبب ما رآه الجمهور من انكبابها الى حد المبالغة والايغال على حكاية مونيكا لوينسكي ومن قبلها حكايات النساء اللواتي قدمن شكاوى بصورة او باخرى تحمل تعريضا بفحولة رئيس الولايات المتحدة. مجلة كولومبيا للصحافة وهانحن نستكمل الصورة بكل دروسها المستفادة للمؤسسة الصحفية في العالم العربي - فنعرض الى ما وضعناه بانه الاستطلاع الذاتي الذي قامت به (مجلة كولومبيا ريفيو) ذات السمعة المحترمة في اوساط بحوث الميديا في الولايات المتحدة باعتبارها مقبرة عن كلية, الصحافة الشهيرة التابعة لجامعة كولومبيا (عدد نوفمبر / ديسمبر 1998) . ولقد وصفناه بأنه (ذاتي) لان المجلة عمدت الى اجرائه بين صفوف الاعلاميين انفسهم بل وقيادات الصحافة والاعلام المؤثرين في المؤسسة وقياداتها واتجاهاتها ومنهم من لجأ الى منطق التبرير, ومنهم من استعان بمنطق الامر الواقع ومنهم ايضا من كان يصدر عن منطق النقد الذاتي والامانة الفكرية والتمسك باخلاقيات المهنة ونبل رسالتها. ولقد شمل هذا الاستطلاع الذاتي والمهني 125 من الصحفيين الاعلاميين الذين اختارتهم المجلة من خلال سحب اسمائهم من دفاتر النقابات والاتحادات والرابطات الصحفية والاعلامية لمن يحترفون المهنة في مجالاتها المكتوبة والمرئية والمسموعة مابين نقابات الصحافة الى جمعيات محرري المجلات الى اتحادات العاملين في وكالات الانباء الى رابطات الصحفيين السود (!) في امريكا. آراء أهل المهنة ورغم ان العينة لم تكن عشوائية حسب الاصول الاحصائية المتعارف عليها, الا انها كانت كافية لتجميع وتبويب آراء مختلفة القت مزيدا من الاضواء على القضايا التي تعرض لها الاستطلاع واذا كنا قد استخدمنا في حديثنا السابق اسلوب الارقام والنسب المئوية في عرض الاحجام والمقادير المختلفة للآراء التي سبقت حول موقف الجمهور من صحافة امريكا واتجاهاتها الراهنة فقد آثرنا ان تتبع لفائدة القارئ الكريم أسلوبا آخر هو عرض الآراء المتباينة بقدر أوفى بحيث من التفصيل خاصة وان العينة ليست من الضخامة بحيث تصلح معها احكام النسب المئوية, ولكنها تكتسب قيمتها من انها تضم المهنة ذاتها وهي قيمة من شعبتين كما قد نراها: ( 1 ) ان كل فرد فاهم قادر على طرح أفكاره وعرض مواقفه بقدر فائق من الوضوح باعتباره من أهل مهنة العرض والتحليل والتعبير. (2) وبنفس الاعتبار أيضا, نجد أنفسنا بانهاء هذه النوعية من النقد الذاتي المهني, وتلك سابقة نراها صحية إلى حد كبير ونرى اننا في الوطن العربي من أحوج ما نكون إلى الأخذ بها وممارستها, فلا أحد فوق النقد ولا أحد معصوم من الخطأ, وليست المشكلة في الخطأ ذاته فهو كسب انساني بالدرجة الأولى, ولكن المشكلة الأفدح في ان تتصور المؤسسة الاعلامية في بلادنا ــ ونحن منها ــ انها فوق الملام أو انها فوق مراجعة النفس او انها فوق النقد دع عنك أن تتصور انها فوق التصحيح والاعتذار ــ لا نقصد التصحيح الذي يفرضه قانون النشر والمطبوعات بقدر ما نقصد التصحيح المعلوماتي والفكري والعقائدي بمعنى ان التصحيح بموجب القانون يصدر عن الخوف من طائلة القانون ليس الا.. ولكن التصحيح لمعلومات أخطأت فيها الجريدة, والاعتذار عن أفكار وطروحات تناولتها ميديا التلفاز هو أمر تفرضه الأمانة المهنية والرسالة الوطنية والمناقبية الأخلاقية التي يحمل مسؤوليتها الاعلاميون بوصفهم ــ كما نرجو باستمرار ــ من طلائع مثقفي المجتمع الذين يعملون فيه. الصحفيون ... ومونيكا. نأتي إذن إلى السؤال المرتقب: كيف كانت آراء (الزملاء) الامريكان حول دور الميديا في بلادهم ازاء حكاية مونيكا؟ فيما يلي نعرض لأهم تلك الآراء ولن يهمنا الأسماء ولا حتى المواقع الوظيفية ولكن يهمنا التذكير باننا أمام آراء أبداها صحفيون واعلاميون محترفون حول أداء الصحافة والاعلام على امتداد عام 1998 الحالي: الجنس, والاثارة الجنسية كانا من العوامل الأساسية التي دفعت عجلة الميديا منذ بداية تغطيتها لفضيحة واشنطن. والمشكلة ان أمضت الميديا في هذا المجال (هل نسميه هذا المستنقع؟) والسبب هو الاندفاع في حمى المنافسة على الرواج والاعلانات. ابتعدت الميديا بذلك عن هموم المواطن العادي في الشارع ــ انساقت وراء دورات القصة ــ الفضيحة.. سقطت في حبائل المراء اغراءاتها وتوابعها الشهية: رئيس البلد ــ فتاة شابة وشهية.. تسجيلات مفعمة بأسرار اللذة.. فستان أزرق شاهد على لقاءات محمومة.. تفاصيل عن متعة جسدية.. أوصاف مشهيات... إلخ.. إلخ.. تعاطت الميديا مع هذا كله, فأعطته الأولوية من الاهتمام والمتابعة و.. لهم الله.. المواطنون العاديون بمشاكلهم التي تضم العلاج والبيئة وتربية الأطفال وجرائم الأحداث. والبطالة والمخدرات وانتشار الأسلحة الصغيرة.. ناهيك عن مشاكل أسخف وأعقد وأكثر سماجة ما بين الأزمة المالية الآسيوية إلى سلام الشرق الأوسط.. إلى لعبة القط والفأر السباعية السنوات بين حاكم بغداد ولجنة أونسكوم و... قوائم المشاكل الباردة لا تنتهي. ليس معنى هذا أن تكف الميديا عن متابعة احداث أو فضائح مثل حكاية لوينسكي أو غيرها, ان واجبها يفرض عليها أمر هذه المتابعة رغم كل شيء ولكن هناك جزء تصحيحي أو تقويمي لابد وأن يتم وهو ان نتوقف عند كل مرحلة أو كل مستوى من تلك المتابعة كي تسأل أنفسنا بعمق وبأمانة: ــ الى أي حد يحتاج الرأي العام مثل هذه المتابعة ــ وما هو الحجم الأمثل الذي يوليه اهتمامنا بتلك الوقائع أو الفضائح وما السبيل الى تحقيق التوازن ــ مهنيا ــ بين انشغالنا بأبطال الفضائح وبين اهتمامنا بقضايا الناس؟ وقد تكمن الإجابة في عبارات تقول: ــ الى الحد الذي يقبض فيه على الصحافة في ان تكشف نفاق السياسيين الذين يقف الواحد منهم خطيبا في مجموع الناخبين ويتشدق بشعارات النزاهة والاستقامة وحسن الأخلاق, ثم يتكشف الأمر عن ان له حياة مزدوجة ومعايير مختلة وسلوكيات مخفية لابد من كشفها خاصة عندما تكون هذه السلوكيات ماسة بمنظومة القيم التي يروج السياسي أو المسؤول وايضا عندما تتماشى مع ادائه لعمله الذي اختارته له الجماهير أو ندبته لانجازه السلطات الحاكمة, وهنا لاتكون الصحافة مجرد (كلب صيد) يجري لاهثا وهو يتشمم الفريسة بل تكون ــ ان صح التعبير كلب الرصد والحراسة الساهر مفتح العينين على مصالح أهل المنزل, وهم في هذا السياق أهل الوطن الذين تعمل الميديا في خدمتهم بالدرجة الأولى. حياة الاعلاميين الخاصة ثم سؤال آخر رأيناه من جانبنا محل خلاف وجدلاً محتدم وشديد: ــ اذا كان للصحفي ــ الاعلامي ــ ان يلاحق بالتحقيق والمتابعة سلوك العاملين في الحياة العامة من ساسة وقادة ومسؤولين, فهل يجوز بالتالي ان تخضع حياة هذا الاعلامي شخصيا للملاحقة والمتابعة بنفس المقياس؟ هنا تختلف الآراء كما ظهرت في سياق الاستطلاع والتقييم الذاتي الذي نشرته مجلة (كولومبيا للصحافة) : ــ بين رأي يقول ان أهل الميديا ليسوا منتجين ومن ثم فهم ليسوا مسؤولين امام جماهير الناخبين الذين وضعوهم في مواقعهم, وليسوا مختارين أو منتدبين أو مكلفين من هذه السلطة أو تلك, وهم ليسوا من أهل الحل والعقد يأمرون فيطاعون, أو يقررون فتصبح قراراتهم واجبة التنفيذ, انهم مجرد مهنيين يعملون في حرفة الكلمة أو الصورة شأنهم شأن المهندسين المتعاملين مع الماكينات أو الأطباء المتعاملين مع الأجساد .. حياتهم ملكهم وسلوكياتهم من صميم شؤونهم .. اللهم إلا إذا خرجت عن مقتضى العرف السائد أو تعارضت مع صحيح القانون. ــ وبين رأي معارض يقول: ان رجل الاعلام (والرأي ينصرف ايضا الى السيدة أو الآنسة العاملة في الميديا) يعج مشتغلا بالعمل العام ــ شأن السياسي أو القيادي أو المسؤول الكبير .. وهو يصبح في هذا الموقع ساعة أن يخط سطرا برأيه في جريدة أو تظهر صورته على شاشة التلفاز أو يتناهى صوته وتنتقل أفكاره عبر المذياع, وتلك هي الساعة التي تضفي على الاعلامي مكانته وبروزه وموقعه المرموق في المجتمع, وهذه المكانة بحد ذاتها لها وجه العملة الآخر متمثلاً في المسؤولية التي يحملها الاعلامي على عاتقه بوضع فرد من أفراد العمل العام, ومن ثم فان سلوكياته واتجاهاته وآراءه وأخلاقياته لابد وان تخضع لمنظومة الشأن العام أو الرصد الاجتماعي حيث لم تعد حياته الخاصة ملكا خالصا له أو لأسرته, وكيف يكون ذلك والاعلامي أصبح قدوة في السلوك أو (نموذجاً للدور) كما يقول التعبير الامريكي الشهير ان شهرته ثمن ينبغي أن يتقاضاه المجتمع .. باعتبار ان ما يكسبه من سلوك وما يصدر عنه من افكار وما يطرحه من اقوال اصبحت ماسة بالشأن العام, قد تجد من يرددها .. ومن يقرظها ــ ومن يستخدمها في اعلانات قد تفيد صاحبنا الاعلامي وبأحجام تصل أحيانا الى خانة الملايين في حالة نجوم الميديا في مجتمع مثل أمريكا. بين المكانة والمحاسبة في هذا يقول الاعلامي الامريكي ريتشارد سكوت مدير الاخبار في محطة الاذاعة والتلفزيون في فيلادليفيا: ــ في ضوء مكانتك كاعلامي بارز عليك ان تستعد لان تخضع لنفس المتابعة والمحاسبة والتدقيق في سلوكياتك بقدر استعداد شخص عام أو موظف عام أو مسؤول عام, منتخبا كان أو مكلفا بالتعيين, بل ان هذا الاستعداد للمحاسبة والمتابعة يزداد ويتضاعف في حالات مشاهير نجوم الاعلام من أمثال (دان رازر) نجم سي.بي. اس أو (توم بروكاو) نجم محطة ان.بي.سي., أو بربار والترز أو (ايان سوير أو تيد كوبل من نجوم محطة اي.بي.سي. أكثر من هذا .. تذهب فكتوريا جونز المخرجة في محطة بوسطون للتلفزيون الى أن أهل الميديا ينبغي أن يحتاطوا أكثر ــ ربما أكثر من السياسيين ومسؤولي العمل العام ــ من حيث أنماط سلوكهم ومنظومات أخلاقهم ونوعيات أفكارهم ــ لماذا؟ لانهم مسؤولون أكثر من غيرهم عن ثقة الناس وعن جوانب تربية الناشئة وعن مصداقية الكلمة امام المجتمع بشكل عام. ولأن أهل الميديا هم في الأساس ــ ولنعترف والامر يومئذ لله ــ أهل تبرير وأهل تكييف واصطناع للأسباب, ما أكثر شطارتهم في هذا المضمار وهي شطارة محمودة أحياناً عندما تقوم على الذكاء في قراءة الأحداث, وهي ايضا شطارة مذمومة عندما تصل الى حد الانتهازية الفكرية أو السلوكية ــ لأن هذا هو دأب أهل الميديا وهي شيمتهم فها هو استطلاع (مجلة كولومبيا للصحافة) يحتوي آراء يقول أصحابها: ــ ان المسألة ــ يا صديقي ــ هي عرض وطلب في الأساس, نحن نعمد الى توابل الاثارة ومشهيات الجنس والعنف والمغامرات ننشرها كي تشيع في اعطاف المادة الاعلامية التي نقدمها ــ من أجل ان تقبل عليها جماهير المستهلكين ونحن ــ نضيف أهل الميديا الامريكية ــ لسنا بدعا في هذا ولا نحن ننفرد بهذا المنحى من التوسل بالجنس لزوم فتح الشهية عند جماهير المستقبلين للرسالة التي نبثها عبر قنوات العمل الاعلامي. انظر مثلا الى المحقق المحترم كينيث ستار وهو ينتمي كما هو معروف الى الهيئة القضائية ــ السلطة الثالثة في حكم البلاد, ألا تراه وقد عمد إلى تقريره الشهير عن فضيحة لوينسكي فحشده بأكبر كم ممكن من حوادث اللقاءات الجنسية بكل ما ارتبط بذلك (الفعل) من تفاصيل وزخارف وتوابع وظلال وايقاعات الى حد ان تحولت شخصية التقرير القضائي من دفتر تحقيق قانوني الى واحد من مطبوعات البورنو, منتقلا بذلك من حيز الادب القانوني الى ساحة اللا أدب الاباحي المكشوف! السبب في ذلك ان ستار أراد عامدا متعمدا ان يضمن لتقريره هذا كل اسباب الانتشار والاقبال والذيوع والرواج, وقد كان له ما اراد وبيع من التقرير اياه ملايين من النسخ لا يعرف عددها سوى الله وعتاة الناشرين. فعلها القاضي ستار وإذا كان القاضي الرصين المحترم قد فعلها فلماذا تلوموننا نحن أهل الميديا إذا فعلناها وتوسلنا بإثارة الجنس حين نتابع مثل هذه الفضائح التي يسيل لتفاصيلها اللعاب ــ ونحن مجرد ناقلين لما حدث فلا نحن ارتكبنا الفعل, ولا نحن كتبنا التقرير. من ناحية أخرى, ثمة رأي معارض يرفض التبرير ويتمسك بالمصداقية ويحاول أن يعود بالميديا الى رسالتها الأعلى والأنقى تجاه المجتمع, هذا الرأي قالت به سوزان انجارد وهي رئيسة تحرير مجلة تهتم بشؤون المرأة والأسرة وقد ختمت به (كولومبيا ريفيو) استطلاعها لرأي الصحفيين وقد جعلناه محور هذا الحديث ورأي السيدة انجارد يقول: ــ لقد خلقت دراما بيل ــ مونيكا منعطفا حقيقيا امام جميع وسائل الاعلام من شأنه ــ للأسف ــ أن يدفع جميع أهل الميديا مستقبلا الى الركض والتسابق على أشد الأخبار اثارة طلبا لذيوع النشر وزيادة التوزيع, ولا حل سوى بالتأكيد من جديد على ضرورة ان تعود الميديا الى رسالتها نحو المصلحة الأعلى للجماهير ــ هذا والا تعين علينا ان ننتظر ريثما يصبح الجنس سلعة بائرة لا تثير أحدا ولا يقبل عليها المستهلكون. هذا ما قالته الصحيفة الأمريكية وهو كما ترى على سبيل أضعف الإيمان.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات