من المغرب الى المشرق: بقلم - د. خليفة علي السويدي

منذ اسبوعين اتيحت لي فرصة المشاركة في ندوة(معايير الترخيص واسس التقييم لمؤسسات التعليم العالي الخاص في البلدان العربية) والتي عقدت في الرباط بالمغرب الشقيق , وكانت الندوة تجربة عملية وعلمية لي ــ للاطلاع على النظام التعليمي العربي العالي الخاص, كيف لا وقد تجمعت في هذه الندوة عناصر نشطة في هذا الميدان بينهم وزراء سابقون للتعليم في دولهم وهم يقودون اليوم تجارب متعددة للتعليم العالي الخاص, كما شرفت خلال هذه الندوة بالوقوف على ملامح من التجربة التعليمية المغربية, ذلك الرباط الذي كان ردحا من الزمن نقطة لتلاقي الحضارة العربية المسلمة مع العالم الغربي والذي اصبحنا اليوم نتلقى منه ولا نشاركه في بناء الحضارة الانسانية, وخلاصة لتجربتي في المغرب العربي الشقيق كانت هذه السطور. 1ــ الهم المشترك: ان العالم العربي اليوم يعيش هما مشتركا يتلخص فى اننا لم نعد جيل المستقبل للعالم الجديد الذي تضاء له فيه الكرة الارضية حتى اصبحت قرية صغيرة يتفاعل خلالها الناس, ويؤثر فيها القوى على الضعيف في السياسة والاقتصاد والاجتماع وغير ذلك من جوانب الحياة, فمازال نظامنا التعليمي العربي يميل الى الاسلوب التقليدي في طرائقه واساليبه ومازال يدار باسلوب مركزي يقتل الابداع ولا يشعر المتعلم خلاله بدوره او بفائدة مرجوة منه. 2ــ العجز المالي قبل سفري للمغرب التقيت باحدى الشخصيات التربوية في دولتي بعد زيارته العلمية لدول في شرق آسيا واستراليا وكان من ضمن نتائج هذه الزيارة التي تحدثنا حولها المبالغ الطائلة التي تخصصها هذه الدول من ميزانياتها للتعليم وتطويره للوصول الى المستوى العالمي المنشود, والامر كذلك في التعليم العالي ففي العالم العربي يوجد ما يقارب 180 جامعة لو قارنا ميزانياتها مجتمعة مع ميزانية جامعة بركلي في ولاية كاليفورنيا بالولايات المتحدة الامريكية لتبين لنا ان ميزانية هذه الجامعة منفردة تعادل ستة اضعاف ما ينفق على التعليم العالي في الوطن العربي, وبعد ذلك نسأل انفسنا متى نرتقي بالمواطن العربي الى المستوى العالمي؟ ان عجز ميزانية التعليم في الوطن العربي ادى الى نتائج سالبة منها تحطم مشاريع التطوير على صخور المال, كما ازدحمت القاعات التعليمية حتى وصل الامر في بعض الدول العربية الى وجود ما يقارب الالف طالب في المادة الواحدة والذي يدعي مع هذا العدد وجود تربية وتعليم حديث لاشك انه بحاجة الى مراجعة علمية مع ملاحظة ان نسبة طلاب التعليم العالي في الوطن العربي تعد متدنية 5.3% اذا ما قارنا ذلك مع الدول المتقدمة بالنسبة لديهم 17.6%. 3ــ التجربة السالبة للتعليم العالي العربي الخاص تجارب سالبة في بعض الدول ادت الى توقف الحكومات كثيرا امام الاعتراف به فبعض هذه المؤسسات اصبحت مكانا لبيع الشهادات الورقية دونما جودة في التعليم, كما انها اصبحت مكانا لاعضاء هيئة التدريس غير المتمكنين من تخصصاتهم والذين ترفضهم المؤسسات الحكومية وقصرت هذه الجامعات في دورها التربوي للمجتمع المحلي, فالجامعات في العالم لها ثلاثة ادوار هي التدريس والبحث العلمي وخدمة المجتمع, والملاحظ على بعض مؤسسات التعليم العالي الخاص اهتمامها فقط بالتدريس فلا وجود للمؤتمرات العلمية او للابحاث التي تهم المجتمع, بعض هذه المؤسسات لم تهتم بمتطلبات العصر من وجود للحاسبات الآلية والمختبرات والقاعات المجهزة بمتطلبات الحياة الاكاديمية, كل هذه الامور وغيرها جعل مثل هذه المؤسسات تهتم بحق المستهلك الذي يدفع على حساب الجودة. 4ــ في طريق النجاح بالرغم من الصورة السالبة للتعليم العالي العربي الخاص الا ان له بعض الايجابيات التي يتميز بها عن التعليم الحكومي ومن ذلك مثلا المرونة في اللوائح والقوانين والبرامج مما جعل هذه المؤسسات اسرع من غيرها في عملية ملاحقة التطور في التعليم العالي العالمي دونما عقبات بيروقراطية ملاحظة في التعليم العربي العالي الحكومي الذي يئن تحت وطأة القوانين المكبلة له, ومن النجاحات التي حققها التعليم الخاص وارتباطه المباشر بحاجات السوق لان مخرجاته بحاجة الى عمل سريع في مقابل المال ومن مميزات هذا النوع من التعليم علاقاته العالمية بالجامعات والكليات, والتي مكنت التعليم العالي العربي من الاحتكاك بالبرامج العالمية ودعتها الى العمل للاستفادة من التجربة الحديثة بعد اعادة صياغتها بما يتماشى مع حاجات وقيم المجتمع العربي, ولاشك ان التعليم العربي الخاص يمثل رافدا للتعليم العالي الحكومي متى ما احسنا التعامل معه فالجامعات الحكومية لم تعد قادرة على استيعاب الاعداد المتدفقة نحو التعليم العالي في الوطن العربي, ولا توجد هناك خطط واضحة لمزيد من الجامعات العربية لمواجهة الاعداد المتزايدة من مخرجات التعليم العام والذين من المتوقع ان يصل عددهم الى ما يقارب خمسة ملايين طالب عام 2000, والى تسعة ملايين عام 2025 مع العلم ان عدد مؤسسات التعليم العالي في اليابان يزيد عن 552 جامعة ويسد التعليم العالي الخاص حاجة المتقدمين في بعض دول آسيا, فعدد الملتحقين به في الفلبين مثلا بلغ 86%, وفي كوريا كانت النسبة 75% من طلبة التعليم العالي. 5ــ الاعتراف يعد الحصول على الاعتراف الاكاديمي بمؤسسات التعليم الخاص في الوطن العربي من الامور المهمة التي تطرقت لها هذه الندوة, وينقسم الناس في هذه القضية الى فئات متعددة, فمن الخبراء من يرى ان ميدان العمل هو الاعتراف العملي بالبرامج المقدمة لذلك لا يهتم اصحاب هذه الفئة بالحصول على الاعتراف الحكومي وهذا رأي مرفوض لان السوق لا يقود التعليم ومن يضمن للطالب ان العمل سيقبله, انها ولاشك مغامرة خطرة. والرأي الثاني يقول بأهمية الحصول على الاعتراف خلال الجامعات الاجنبية, وهذه مسألة خطرة لانها تطعن في امن الوطن العربي, فلا ينبغي ان يقاد التعليم من الخارج لما في ذلك من خطورة لا تخفى على عاقل. والرأي الثالث يقول باهمية الحصول على الاعتراف من المؤسسات المهنية وليس من الحكومات وهذا الرأي فيه شيء من الحق لو ان مؤسساتنا المهنية قادرة على القيام بهذا الامر, فمثل هذه المؤسسات في الولايات المتحدة الامريكية هي التي تقيم البرامج المختلفة خلال مراكز مستقلة ومحايدة. اما الرأي الذي نراه فهو ان يتم التقييم والاعتراف بالبرامج في التعليم العالي الخاص خلال مؤسسات حيادية تابعة للدولة ويكون الاعتراف على درجتين الاعتراف العام وهو الذي يتيح للمؤسسة مباشرة العمل, وهناك الاعتراف الخاص والذي يتم خلاله دراسة البرامج المقدمة وفق معايير عالمية معروفة لدى المهتمين بهذا الامر. 6ــ التعليم الذي نريد لاشك ان اهتمام الدول العربية بالتربية والتعليم وكثرة الحديث الدائر اليوم حول هموم التربية هو بداية الصحوة التربوية المرتقبة والتعليم الذي نريد لاشك انه حلم يراود كل حريص على مستقبل الدول العربية ذلك التعليم الذي لايخرجنا عن اصالتنا وفي نفس الوقت هو في اطار ما توصلت له الحضارة البشرية, ومن اهم ملامح هذا التعليم ان المتعلم هو محور البرامج التعليمية وهذا الامر يتطلب معلمين من نوع خاص اعدوا للقيام بهذا الدور, كما ان الامر يتطلب فصولا دراسية غير مزدحمة ومزودة بآليات العلم الحديثة وكل ذلك لن يتم بميزانيات متواضعة. كان ما سبق خلاصة تجربتي في المغرب العربي الشقيق وكل ما ذكر لا يعني عدم وجود تجارب عربية رائدة سواء في مؤسسات التعليم العام او العالي الحكومي منه والاهلي او الخاص. وختاما فإن الامر يدعونا في العالم العربي الى وقفة جادة من التعليم العالي الخاص نشد فيها على يد المؤسسات التي تحقق المعايير المطلوبة, لانها رافد جيد لابناء الوطن, وفي نفس الوقت ننقذ الجيل من المؤسسات التي تصدر الشهادات وليس العلم. وكيل كلية التربية جامعة الامارات*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات