القمة الخليجية على أطراف عام مضى: السفر على أمل الوصول: بقلم- د. محمد الرميحي

كان الخليجيون ينتظرون نهاية كل عام ميلادي ليقوموا بكل ما لم يقوموا به طوال العام, فالاحتفالات بذكرى الاستقلال تتزاحم في نهاية أشهره, وتشتعل المنافسات الرياضية ويتبارى المسؤولون في الاجتماعات الدورية وغير الدورية , وتكثر المهرجانات من كل نوع ثم تأتي القمة الخليجية السنوية تتويجا لكل هذا بكل ما يصاحبها من اجتماعات تمهيدية, وكأنما يعز على قادتنا من دول مجلس التعاون الا يمضي علينا عام خاب فيه رجاؤنا في الكثير من القضايا دون ان يزرعوا لنا الآمال لعام جديد لعل وعسى. والصحافة تفعل الشيء نفسه تقريبا, فهي تحتفي بالقمة الخليجية عندما تقترب, فهي تعرض مسيرة المجلس وتتذكر الوعود التي قدمها وتحاول ان ترصد ما تحقق وما لم يتحقق ثم تقنع بما هو حادث وتؤجل ملاحقة أعمال المجلس بعد ذلك في معظم أوقات العام, الى ان تأتي مناسبة قمة أخرى, وها نحن نجري على العادة فنتذكر أعمال المجلس في بداية القمة التاسعة عشرة. هناك نظريتان لتفسير أعمال مجلس التعاون, أولاهما متشائمة تقول انه لم يحقق الشيء الكثير طوال سنوات عمره السبعة عشر وبعد قمم قاربت العشرين, وثانيهما ليست متفائلة ولكنها أقل تشاؤما تقول انه قد تحقق شيء رغم انه ليس كافيا في هذه الفترة القصيرة نسبيا, والنظريتان تكادان تكونان على حق, فمعتنقو الأولى يريدون من المجلس الكثير, فتراهم محبطين من الذي تحقق لأنه قليل, والآخرون مكتفون بما هو قليل فتراهم مما تحقق مكتفين بالحد الأدنى ويكفي ان هناك توافقا ورغبة في التكامل واصرارا على التواصل. ذلك كله صحيح ان تحدثنا عن علم سياسة الجزئيات, ولكن ان تحدثنا عن علم سياسة الكليات, وهو المطلوب في هذه المرحلة, فإننا سنتعرف على حقيقة مفادها ان المتغيرات الحادثة من حولنا وان لم تلحظ بالعين المجردة لا يعني انها ليست موجودة, ولكنها موجودة وتأثيرها لاحق زمنيا لأنها تعتمد في ظهور نتاجها على تراكم كمي قد يكون غير ملحوظ ولكنه سوف يقود في مرحلة ما الى تغيرات نوعية, ومع الأسف فإن التغيرات النوعية عادة ما تقع فجأة دون سابق انذار الا لأولئك الذين يعرفون بواطن الامور ويعقلونها وهم قلة. مع قلق ملفات القمة التاسعة عشرة في أبوظبي, يكون أمامنا نحن أبناء الخليج تجربتان, الأولى هي تجربة (وحدة) دولة الامارات العربية المتحدة, والتي خطت في سنها الثامنة والعشرين, وتجربة مجلس التعاون والتي قد خطت في سنها الثامنة عشرة, وأمام التجربتين شيء من التماثل ولا أقول كل التماثل. لكن الأهم في هذا كله ان أحداث عصر مضى, عقدين أو ثلاثة عقود من الزمن ليس بالضرورة ان تتكرر اليوم في عصرنا سريع التغير ذي المفاجآت غير المتوقعة, فالمتغيرات كثيرة والتحديات مختلفة. الملاحظ ان الحماس والاندفاع الذي صاحب قيام دولة الامارات هو نفس الحماس والاندفاع الذي صاحب قيام مجلس التعاون, فجاء البناء السياسي التحتي جيدا وجميلا ومناسبا للغرض وقتها, ولكنه ككل بناء تحتي يحتاج الى ثلاث عمليات على الأقل, مراقبة وصيانة وترقية, واذا كان البناء التحتي في الامور المادية يحتاج الى ذلك الثلاثي العملي كجزء لا يتجزأ من المتابعة, فإن البناء السياسي يحتاج أكثر الى تلك الثلاثية. يقول أمين عام مجلس التعاون الاستاذ جميل الحجيلان وهو رجل خبر السياسة وعرفها جيدا ولا تنقصه المهارة أو القدرة, في لقاء صحفي نشر أخيرا: (ان القدرة على التنفيذ داخل مجلس التعاون لاتزال مرتبطة بقدرة الأجهزة نفسها, فمثلا في الاتحاد الاوروبي الانظمة هناك تنفذ بسهولة أكثر لأن الاجهزة قادرة على التنفيذ نتيجة الخبرة, وهذا يأتي بالمران والتأهيل, ونحن في مجلس التعاون أعتقد ان الاجهزة لم تصل بعد لهذا المستوى, وهذا أمر طبيعي) . ما أفهمه من هذا القول ذي الصيغة الدبلوماسية العالية ان أجهزة الدولة الخليجية رغم مرور سنوات على انشائها لم تصبح بعد قادرة على استيعاب التجربة ولم تمتلك بعد القدرة على تحويل الافكار الى سياسات تنفيذية, وهو أمر مهم يتيح لهذه الاجهزة ان تتصرف بالفاعلية المطلوبة. وليس هذا بسبب النقص في خبرتها وقدرتها بقدر ما يعود الى النقص في التصور الاستراتيجي المطلوب. كل هذا على الرغم من كل الأماني الكبيرة التي وضعتها الشعوب والقادة في تطوير وترقية التجربة التعاونية من المنظور الاقتصادي والسياسي. وإذا لم تتحقق بعض الآمال في مرحلة الوفرة النفطية فهل يمكن ان تتحقق في وقت يشير بكل قوة إلى عسرة نفطية لاحت بشائرها في الأفق بالفعل, أو فلنضع السؤال بشكل آخر: هل يحتاج الخليجيون إلى ان يتقاربوا في وقت العسرة أكثر من احتياجهم في وقت الوفرة؟ ذلك سؤال تصعب الاجابة عنه, ولكن الاجابة معروفة على بعض منه, هو ان التعاون لن يشتد أزره إلا إذا قررت الأجهزة ــ كما قال الأمين العام ــ ان تتعاون. بناء الدولة الحديثة في الخليج بشكل عام ما زال في أوله, والدول كالأفراد وعلى حد تعبير استاذنا ابن خلدون لها مراحل ثلاث: طفولة وشباب ونضج, وتحتاج كل هذه المراحل إلى فترات زمنية حتى يأخذ فيها العمران البشري مداه التاريخي المطلوب. والقفزة التي قفزتها بعض الدول الخليجية اقتصاديا واجتماعيا هائلة بكل المقاييس, فبعضها تطور من اقتصاد كفاف يعيش على الرعي وصيد السمك وبيع الطوابع التذكارية إلى اقتصاد نام وحديث, وتقدمت هذه الدول من درجة الافتقار إلى مدرسة صالحة وذات بناء معقول إلى جامعات حديثة تضاهي أرقى جامعات العالم, ومن أمية كاملة إلى أكثر من جيل متعلم. ومع هذا التقدم الكبير ما زالت أجهزة الدولة في بعض من دول مجلس التعاون تعيش تحت ما سميته مرة (البدوقراطية) أي تطبيق القانون وفهم عمل الدولة فهما محليا ضيقا تغلب عليه صفات الاستحواذ عن صفات المشاركة والعطاء, والمحاسبية منها على الاقتصادية, والمحلية منها عن الاقليمية أو الدولية. هذه العقلية في الادارة تواجهها تحديات كثيرة, فالعولمة قد قلبت كل مفاهيم الادارة التقليدية واحلت بدلا منها ادارة التغيير التي تضع في معطياتها دائما الفرص المتاحة والتهديدات المحتملة. من التحديات العاجلة التي تواجهها منظومة دول التعاون أن عصر الامس ذا الوفرة المالية لم يعد باقيا في الجوار, فأسعار النفط تزداد تدهورا, ويقل دخل الدولة مما يهدد بأن تتوقف برامج التنمية الاكثر قربا الى المواطن العادي, والتحدي هو في ابتكار مداخيل للدولة اكثر استمرارا واقل تقلبا من جهة, والثاني الحفاظ على الانماء الاجتماعي في ظل هذه الاجواء الاقتصادية ذات الشحة. من هذه الابتكارات الاعتماد على الحلول العلمية سياسيا واقتصاديا, والمعرفة الأكيدة ان هذا البحر العالمي المتلاطم لا يمكن السير فيه فرادى, وأحد هذه الابتكارات هو التعاون الاقتصادي الخلاق, فالحاجة الى التعاون مع العالم من حولنا تحتم علينا ألا نعزل أنفسنا وان نتفهم حاجات الدول المستهلكة للنفط وان نستمع الى مطالبها. ومع ذلك فمازالت احدى معطلات التعاون الاقتصادي لم تحل وهي التعرفة الجمركية وفتح الاسواق على بعضها وحرية تدفق ليس رأس المال وحده ولكن أيضا العمل وحرية الملكية, وخطوات مثل هذه كما قال قديما الاستاذ محمد أبا الخيل وزير المالية السعودي السابق لابد أن تتضرر منه بعض القطاعات في الدولة الخليجية أو بعض الدول الخليجية, لأنه لا شيء في هذه الحياة اسمه المكسب الكامل, هناك دائما مكسب جزئي وخسارة جزئية, ولكن هذا الضرر مؤقت وعابر ان تحملنا أعباءه, لأنه سرعان ما تنقلب المصلحة الخاصة الى مصلحة عامة. يتخوف المخلصون, وهم كثر والحمد لله, ان يصبح مجلس التعاون مجلسا شكليا إن أصر الجميع على أخذ كل الايجابيات والتخلي عن دفع ثمن السلبيات, ومن ضمن السلبيات عدم الاتفاق ــ حتى الآن على الاقل ـ على القضايا الجوهرية في السياسة الخارجية والاقليمية. ولعل المثل الاكبر في ذلك الخلاف السياسي هو الموقف من الجيران والبعض منهم مازالوا جيرانا ألداء فليس من الخافي على المتابع ان هناك بعض الاجتهادات السياسية لدى بعض دول الخليج مختلفة عن الاخرى في هذا الموضوع, واذا كان الاختلاف في الفروع ممكنا تحمله فان الاختلاف في الاصول مضر بالمسيرة, كما هو مضر بالمستقبل. الموقف من النظام العراقي فيه بعض الاجتهادات المختلفة جذريا, فهناك رأي أراه محقا من وجهة نظري يقول بان هذا النظام لم يعد ممكنا تأهيله لا عربيا ولا اقليميا ويعتمد هذا على الاعتقاد بان النوايا التي يعلنها هذا النظام نوايا لا تتوخى الاستقرار او الخير للمنطقة, بل تترصد الشر وعدم الاستقرار, وهو نظام له علاقة بثارات الماضي اكثر مما له علاقة ببناء المستقبل, وهناك رأي آخر يحاول بشكل أو بآخر اعلاميا أو سياسيا ان يقوم بخطوات تؤدي الى تأهيل جزئي لذلك النظام, وهنا تتصادم المنظورات دون اقناع كلي, وبجانب هذا المثل هناك أمثلة أخرى. والمجاملة في أمر مثل هذا تصبح معقدة جدا بل ومقعدة عن العمل وشكلية, ومثل قضية العراق لدى البعض قضايا اخرى يشعرون بمثل ما يشعر به البعض الآخر تجاه العراق, والأمر كذلك لابد من مصارحة حقيقية لا تحتمل المجاملات والتسويف. مدرسة الكليات السياسية تدعو أيضا الى التماثل ــ على الاقل ــ في الكليات, ومنها النظام السياسي, ولعل الأمر يناط بالمجلس الاستشاري بعد خروجه الى العلن, لعل هذه المؤسسة الشعبية تقدم بعض الافكار القابلة للتطبيق للأمانة العامة. وتبقى قضية أخيرة هي الرأي العام الخليجي المستنير والذي ما فتىء يكتب في طرق وأشكال ترقية العلاقات الخليجية في عصر مضطرب, وقد آن لهذه الافكار أن تجمع وتنظم فربما خرج منها بعض الخير, لأن اهمالها يزيد كفة المتشائمين تشاؤما.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات