لبنان: ولادة جديدة تتهددها أزمات داخلية وخارجية: بقلم- رضي الموسوي

اذا رأينا انهم (المقاومون) يستغلون الانسحاب لكي يواصلوا ضربنا, فاننا سنطلق عملية واسعة نضرب فيها البنية التحتية اللبنانية في الصميم: محطات توليد الكهرباء, خزانات المياه والآبار الارتوازية, الشوارع والجسور, وغيرها . وزير الخارجية الصهيوني آرييل شارون انه يهدد بقانا جديدة, او اكثر من ذلك, فالعمليات المكثفة التي نفذتها المقاومة اللبنانية, اذهلت العدو واجبرت رئيس وزرائه قطع جولته في اوروبا وتنظيم سلسلة اجتماعات مع القيادات السياسية والعسكرية للخروج بتصور عملي ينقذهم من الورطة الجديدة. فخلال اسبوعين فقد الكيان سبعة من جنوده وضباطه بسبب عمليات المقاومة التي اربكت ساسة الكيان وقياداته العسكرية وزادت من نسبة المطالبين بالانسحاب من الجنوب اللبناني من جانب واحد, فقد اشارت مجلة (معاريف) الصهيونية ان المطالبين بالانسحاب زادت نسبتهم من 22 بالمئة في شهر مارس الماضي الى 40 بالمئة بعد تنفيذ العمليات الجريئة خلال الاسبوعين الفائتين. لكن, وبدلا من الانسحاب, اقدمت قوات الاحتلال الصهيوني على تعزيز تواجدها في مختلف مناطق الشريط الحدودي, واوعزت لعملائها بمنع الحركة في القرى المحاذية له, وهددت بضرب اي شيء يتحرك, فيما اقدمت القوات الصهيونية وقادة الميليشيات العميلة التابعة لانطوان لحد, على حملة اعتقالات واسعة في صفوف انصار لحد من الميليشيات , ورصدت تحركات اعداد واسعة منهم, بعضهم ضباط برتب عالية, وتمت مراقبة اجهزة الهاتف, وذلك في تعبير عن الارباك الشديد الذي تعاني منه قوات الاحتلال وعملائها في الجنوب اللبناني, وبسبب الذهول الذي اصيبت به هذه القيادات من العمليات (الاختراقية) الجريئة التي تقدمها المقاومة, والتي بلغ عدد قتلى جنود الاحتلال فيها خلال العام الجاري 23 بين جندي وضابط ونحو 110 من الجرحى. وزير الخارجية الصهيوني ارييل شارون هو الاكثر ارتباكا فقد اكد بان (الحل في جنوب لبنان يجب ان يكون حلا اسرائيليا صرفا) رافضا الربط بين الانسحاب من الجولان وجنوب لبنان, اذ اعتبر ذلك خطوة ستكون خطيرة على البلدات والمستوطنات الصهيونية شمال فلسطين. وهذا الرأي يؤيده ايضا رئيس الوزراء الصهيوني الذي لايجد ضرورة في الانسحاب في الوقت الراهن في ضوء غياب الترتيبات الامنية لحماية حدود الكيان من المقاومة اللبنانية. لكن ايضا عبر عن سخطه على الاوضاع السائدة في الجنوب اللبناني واعلن في واشنطن ان (الامور لم تعد تحتمل) في اشارة واضحة الى ان تل آبيب سوف تقدم على خطوة ملموسة, الا انها لن تكون انسحابا من طرف واحد في ظل غياب الترتيبات الامنية التي ظلت الدولة العبرية شماعة لعدم تنفيذها لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 425 والقاضي بالانسحاب من الجنوب اللبناني من دون قيد او شرط. بل ان حجم الضربة الموجعة جعلت وزراء صهاينة يوجهون تهديدات مباشرة الى كل من سوريا وايران, فقد دعا وزير العلوم الصهيوني سيلفان شالوم الى ضرب المصالح السورية, بينما اقتنص وزير الخارجية اريل شارون الارباك ليعلن خطته للسلام مع العرب و التي تستند أساسا الى توطين الفلسطينيين في مناطق الشتات ومن ثم اقامة سلام (حقيقي) مربوط بحدود مفتوحة وضمانات أمنية متبادلة وإنهاء تام لحالة الحرب واتفاق سلام مع جميع الدول العربية دون استثناء, وتطبيع العلاقات الاقتصادية والثقافية وخلق تربية جديدة في المدارس, واقامة مشاريع اقتصادية مشتركة على صعيد الدول والقطاع الخاص. ويلخص ان هذه الخطة لا تختلف كثيرا عن خطة شيمون بيريز رئيس الوزراء السابق الذي أورد تفاصيلها في كتابه (الشرق الاوسط الجديد) مع بعض الرتوش الضرورية لتمييز خطة شارون. وهذه التطورات تأتي مترافقة مع تسلم الرئيس الحادي عشر للبنان أميل لحود لمهام منصبه, وفي اعقاب خطاب القسم الذي حدد فيه أولويات الجمهورية الثالثة التي وصفها البعض بانها انقلاب في السياسة اللبنانية السائدة. فقد أكد الرئيس اللبناني الجديد على أهمية احترام القانون, وعدم جواز خرقه في اي ظرف من الظروف التي تمر بها الدولة اللبنانية, وأكد على دولة المؤسسات مكثفا ذلك في نقاط رئيسية أهمها قضاء نزيه ومستقل, وادارة كفؤة وجادة, ومعالجة للأزمة المعيشية. هذه الاولويات فرضت أمرا واقعا على الصعيد اللبناني الداخلي وارسلت رسائل واضحة لا لبس فيها ازاء القضايا المصيرية مثل تحرير الجنوب من الاحتلال وطبيعة العلاقة مع سوريا والتأكيد على وحدة المسارين السوري واللبناني. لقد جاء الرئيس الجديد ليرث تركة كبيرة وضخمة من القضايا الحساسة. فبالاضافة للمسائل الاقليمية وقضية تحرير الجنوب, يواجه العهد الجديد استحقاقات كثيرة, يقف على رأسها الاستحقاق الاقتصادي والمالي. فقد قفز الدين العام الى 2.17 مليار دولار مع نهاية شهر أكتوبر الماضي, ويعاني نحو 150 الف لبناني من البطالة من اجمالي عدد العمالة في لبنان والبالغة مليون شخص, وعمالة وافدة يصل تعدادها الى قرابة 600 الف شخص, وفي ضوء أمية تصل الى قرابة 13 بالمئة. هذا الوضع فرض على الرئيس الجديد تعاط آخر مع الازمة الحاصلة في البلاد على المستويات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية, وهو ما حدا برئيس الجمهورية التأكيد في خطاب القسم على أن (ليس هناك عصا سحرية لحل المشاكل) , ويضيف قائلا: أنا لا أدعي ان لدي عصا سحرية تلبي الآمال بين ليلة وضحاها ولكن لدي النية والارادة. وهذا القول يعتبر الأول من نوعه على المستوى اللبناني ما اثار استحسان الغالبية الساحقة من اللبنانيين الذين وضعوا جزءا مهما من ثقتهم في قدرة الرئيس الجديد على تجاوز المصاعب التي يعاني منها لنبان, لذلك فلم يكن من الغريب ان يتهافت المواطنون اللبنانيون على بيع العملة الوطنية (الليرة) بعد أن رفض رئيس الوزراء الحالي تكليف الرئيس له بتشكيل حكومة العهد الجديد, حيث ان حركة السوق المالية عادة ما تعكس الجو السياسي السائد. لقد واجهت تل ابيب العهد الجديد بمزيد من الضغط النفسي والهجمات على مختلف مناطق الجنوب, في محاولة يائسة لتغيير صيغة النظام اللبناني الذي برزت بوادره في خطاب القسم للرئيس أميل لحود. ان الكيان الصهيوني لن ينسحب في ظل موازين القوى الحالية, بالرغم من زيادة ضغط الرأي العام الصهيوني على القادة السياسيين بضرورة الانسحاب من اراضي الجنوب اللبناني. ان المعطيات الحالية تؤكد على ان تطورات قادمة سوف تشهدها المنطقة, واستحقاقات جزء كبير منها سوف تفرزه الاحداث خلال الأيام القليلة المقبلة, من شأنها تحديد مسارات جديدة في عملية التسوية الشرق أوسطية من جهة, ووضع اللمسات الرئيسية لطبيعة الحكم اللبناني وتوجهاته المستقبلية. كاتب بحريني*

طباعة Email