عن فضائح واشنطن، الميديا تراجع نفسها(2 ــ 3) بقلم: محمد الخولي

هي عناصر لا يمكن وصفها الا بانها طفيليات النظام الاجتماعي المعاصر: شابات باحثات عن الشهرة, نساء متقدمات في العمر باحثات عن زيول المجد وبقايا الاضواء, محامون اشبه بالقراصنة لا يهمهم اقرار الحق قدر ما يهمهم فلاشات الدعاية وشيكات الاتعاب والتعويضات تعودت الصحافة بمعناها الاوسع الذي يشمل كافة وسائلها المطبوعة والمرئية والمسموعة على ان تكون هي همزة الوصل واداة الرصد الفعالة والحساسة في قياس الرأي العام وتحسس نبض الجمهور واتجاهات الشارع العريض. ودأبت الصحافة على ان تمارس هذا الدور الحيوي في رصد آراء واتجاهات الرأي العام في المجتمع البشري المعاصر, ازاء قضايا (اخرى) على قضايا السياسة أو الاقتصاد أو الشؤون الاجتماعية وما اليها, وتلك قضايا تمس وتتقاطع مع ما تنشغل به المؤسسات (الاخرى) الفاعلة والحاكمة في المجتمع الحديث سواء كانت المؤسسة أو السلطة التنفيذية (الحكومة أو الادارة) أو كانت السلطة التشريعية أو حتى السلطة القضائية لكن الجديد الذي انشغل به المراقب السياسي مؤخرا هو ان الصحافة الامريكية, وقد باتت شؤونها وشجونها نموذجا يحتذى وعبرة تستقى على مستوى العالم, اجرت مؤخرا استطلاعا لقياس الرأي العام, مشاعره واتجاهاته ازاء, الصحافة ذاتها, وهي كما هو بديهي السلطة الرابعة في المجتمع الديمقراطي. نحو التقييم والنقد الذاتي صحيح ان المؤسسات الاعلامية على اختلاف وسائطها لا تلبث تجري استطلاعات للرأي, ولكن حول مدى انتشارها وحجم المستقبلين لرسالتها سواء كانوا قراء أو مشاهدين وقد تطور امر هذا الرصد لمدى الرواج الاعلامي إلى حد بعيد حيث استخدموا فيه وسائل القياس الالكترونية والمتقدمة طبعا إلى جانب الوسائل الكلاسيكية المعتمدة في بحوث المشاهدين أو المستمعين أو في مؤسسات الانتشار الصحفي ما بين المكالمات الهاتفية أو رصد احجام المرتجعات الصحفية أو حجم الاعلانات الدالة على مدى تقبل الرسالة الاعلامية ورواجها وذيوعها بين الناس, لكن الجديد في هذا المضمار هو هذا الاستطلاع الذي اجرته مجلة امريكية ذائعة الصيت راسخة القدم هي (نيويورك) في شهر اكتوبر الماضي واخضعت فيه للفحص والسبر والتحقق عينة من اواسط الناس بحجم (الف شخص) منهم 400 شخص من مدينة نيويورك وهو امر له دلالته الخاصة باعتبار انها مدينة كوزمو بوليتية بمعنى انها تكاد تشكل في حد ذاتها, عينة تمثيلية من الموزاييك أو التشكيلة البشرية للولايات المتحدة في مجملها من حيث الاصول العرقية والمشارب الثقافية والتنوع السلوكي والتعددية السياسية والفكرية على السواء. سؤال جوهري لم يكن السؤال المحوري لذلك الاستطلاع يتعلق بأمور من قبيل: ما رأيك في سياسات الحزب الجمهوري المعارض أو الحزب الديمقراطي الحاكم, أو رأيك في قضايا تدخل الدولة في الاقتصاد على نحو ما ينادي به الرئيس كلينتون مقابل رفع يد الدولة عن دورة الاقتصاد على نحو ما تنادي به الاغلبية الجمهورية في الكونجرس؟ كان السؤال الاساسي في استطلاع مجلة (نيويورك) هو: ما رأيك فينا, نحن اهل الصحافة العاملين, ما رأيك في ادائنا بوصفنا قائمين على امر رسالة الاعلام في هذا البلد؟ ولكي نزيد السؤال تحديدا ودقة في التصويب نحن نسأل عن رأيك في اداء صحافة واعلام البلاد في تناول قضية بعينها هي فضيحة واشنطن اياها تلك التي نسجت خيوطها علاقة غير مشروعة وغير لائقة بين رئيس البلاد وبين فتاة مفلوتة كانت في سلك التدريب بالبيت الابيض؟ نتائج استطلاع الرأي وبصرف النظر عن التفاصيل, فنحن نرى في مثل هذه الاستطلاع للرأي وغيره من مجسات الرأي العام, امورا صحية وصحيحة سواء من الناحية المهنية أو من الناحية الاخلاقية وكلتا الناحيتين مترابطتان وخاصة في مهنة الصحافة والاعلام بوصفها تتعامل مع عقول الناس ووجدان الناس وضمائر المهنيين على السواء. اظهر الاستطلاع جانبا ايجابيا مؤداه, ان الناس لا يضمرون بغضا للمؤسسات الاعلامية, وان الرأي العام ليس مهووسا باخطاء الصحافة بقدر ما ان الصحافة ذاتها مهووسة للاسف بسلوكيات الرئيس كلينتون وفضائح واشنطن واظهر استطلاع الرأي من ناحية اخرى جانبه السلبي ومؤداه: ان اكثر من نصف قطاعات الرأي العام باتت ثقته اقل في موضوعية الصحافة وفي قدرة الميديا بشكل عام على اداء دورها التنويري والنهوض برسالتها الاجتماعية بشكل موضوعي وحيدة مهنية ومصداقية اخلاقية, وعلى سبيل التفصيل تقول هذه النقطة بالذات: ان الناس باتوا يصفون الميديا بانعدام روح المسؤولية اذ يرونها وقد عمدت إلى الحقائق تلوي عنقها, مرة وإلى الكلمات والمفاهيم تحرفها عن مواضعها, واحيانا يعمد اهل الميديا (الصحفيون) إلى تنصيب انفسهم رقباء على السلوك العام بل وعاظا يفرضون وصياتهم على خلق الله دون ان يملكوا بالضرورة السلطة المعنوية التي تخولهم ممارسة دور الواعظ أو الوصي أو الرقيب, بيوت اكثرهم من زجاج, ولكنهم يملكون كميات كبيرة من حجارة التهجم وفرض الوصاية المغرورة على الافراد والمؤسسات. الارقام أفصح في الدلالة وإذا كانت هذه هي الاحكام الاجمالية أو الدروس العامة المستفادة من هذا التقييم الذي اجرته الميديا لوضعيتها ولما آلت اليه مكانتها وصورتها في عين جماهير المتلقين لرسالتها, فان الصورة ذاتها يمكن ان تكون افصح وابلغ من خلال حديث الارقام الذي اسفر عنه استطلاع الرأي لنظرة الرأي العام إلى الميديا, والارقام تقول: 50% (من الامريكيين المتابعين لوسائل الاعلام) يرون ان تغطية الميديا لمسألة (لوينسكي) كانت تغطية غير مسؤولة (منهم نحو 20 في المائة قالوا أنها افتقدت إلى أي روح للمسؤولية) . 77% منهم رأوا ان الميديا افرطت إلى حد التخمة في تغطية ومتابعة العلاقة بين الرئيس كلينتون (والمتدربة مونيكا) . 63% منهم قالوا انهم ضجروا واتخموا من الافراط في عرض التعليقات وابداء الآراء في وسائل الميديا. في معرض الاجابة عن السؤال: ــ ما هي في رأيك العوامل التي دفعت اجهزة الميديا إلى هذا الافراط المتخوم في متابعة قصة بيل ــ مونيكا؟ وفي معرض اجابة السؤال اتضحت الاتجاهات التالية: ــ الجشع التجاري للحصول على المزيد من الاعلانات المباعة من خلال رفع درجة الرواج والاقبال الجماهيري على الوسيلة الاعلانية (64 في المائة) . ــ ملاحقة الرئيس كلينتون شخصيا ومحاولة الايقاع به وادانته وتجريمه (17 في المائة) . ــ الهاجس الشخصي الذي جعل اهل الصحافة الامريكية على اختلاف انواعها في حال من الشغف المهووس بقصة علاقة غير مشروعة بين اقوى رجل في العالم وبين شابة كانت مجهولة في مقتبل العشرين. بكل ما احتوته القصة من مغامرات واسرار وتسجيلات هاتفية وتنهدات ليلية وهدايا تبدأ بربطات العنق ولا تنتهي بديوان يحوي قصائد الشاعر الامريكي (والت ويتمان) (16 في المائة) . ان الحكاية بصرف النظر عن مضمونها وملابساتها تكتسي أهمية خاصة في حد ذاتها بوصفها معلومة او خبرا او قصة خبرية لا سبيل الى تجاهلها او تحجيمها او صرف النظر عن ظروفها وما قد تفضي اليه من نتائج (28 في المائة) . 44 في المائة من افراد العينة المفحوصة يتناولون موضوعا في غاية الأهمية ويتعلق بالمستوى الاخلاقي لجانبي الموضوع وهما: صاحب الفخامة الرئيس وصاحبة الجلالة الصحافة وقد جاءت نتائج الاستطلاع على النحو التالي: 44 في المائة رأوا ان الميديا كانت معاييرها الاخلاقية مثل معايير الرئيس بينما رأت نسبة 23 في المائة ان الميديا اتبعت معايير اخلاقية ادنى من معايير بيل كلينتون شخصيا. ثم ماذا عن مستقبل القصة وتطوراتها؟ لقد كشف الاستطلاع عن الذهن الرهيب الذي اصاب جماهير المتلقين لرسالة الميديا ازاء الموضوع بعد ان شبع من خبراء الاعلام (لتا وعجنا) كما يقولون كما تداخل في طياته, كما هو معروف, عناصر لا يمكن وصفها الا بانها طفيليات النظام الاجتماعي المعاصر... نساء شابات باحثات عن الشهرة... نساء متقدمات في العمر باحثات عن ذيول المجد وبقايا الاضواء, محامون اشبه بالقراصنة لا يهمهم اقرار الحق قدر ما يعنيهم فلاشات الدعاية وشيكات الاتعاب والتعويضات رجال او نساء كانوا من غمار الناس, فاذا بالاقدار تدفعهم صدفة امام العدسات لمجرد ان حياتهم تقاطعت يوما او بعض يوم مع حياة كلينتون او سكرتيرته او حياة مونيكا وصويحبات مدرستها الثانوية ومن ثم فقدوا التوازن وثم وقر في اذهانهم ــ وهما ــ شعور بالاهمية, كيف لا , وقد ظلت تلاحقهم ميديا الاثارة يركض صحفيوها ومصوروها, مشرعي الاقلام مفتوحي الدفاتر والعدسات والمسجلات وكأنهم كلاب الصيد النهمة النابحة والطامعة في أي صيد جديد. نسبة الرافضين الكبرى ها هما اكبر نسبة من جماهير الميديا, تدين الميديا ذاتها حيث يؤكد 91 في المائة وهو اجتماع احصائي اذا ما راعيناها هامش الخطأ المعروف والمسلم به في دنيا الاحصاءات, يؤكد افرادها انهم لا يريدون ان يسمعوا اي مزيد من حكاية بيل ومونيكا, ومنهم نسبة النصف تقريبا من الرأي الامريكي (48 في المائة) اكد افرادها انهم اتخذوا قرارهم بالفعل ومن ثم صرفوا النظر تماما عن الاهتمام بالامر, وانصرفوا الى شؤون حايتهم ومحاور اهتماماتهم وامور معاشهم, وكأن شيئا لم يكن, او كأن الذي كان اصبح فعلا ماضيا مغلق الملفات. اما الصورة التي اصبحت منطبقة في ذهنية الجمهور الامريكي عن الميديا فقد كشف الاستطلاع انه قد اعتروها كثير من التشوه وقدر كبير من الرفض او الاحساس بالنقص او التقصير, ان 79 في المائة من افراد العينة يتصورون ان الميديا تعمد الى اعادة ترتيب الحقائق وتشويه صفحتها كي تحصل على مادة اعلامية افضل بمعنى اكثر تشويقا او اشد اثارة او اقرب الى تحقيق المزيد من الرواج التجاري, لزوم جلب الاعلانات وتوسيع نطاق الانتشار. حكاية الغزالين الاعلاميين وربما لهذا السبب راج التعبير الذائع الآن وخاصة في اروقة العاصمة واشنطن وهو (سبن) المستقى من صناعة, الغزل والنسيج ورحم الله الشاعر الجاهلي الذي نعي يوما على قومه ان غزل لهم غزلا رقيعا, فلما انكروه او تجاهلوه حطم الشاعر مغزله, لكن المعنى المعاصر في الاعلام الامريكي ينصرف الى تدوير الخبر وتحوير الحقائق وتخريج المعاني وتلوين الظلال... بمعنى ان الحقيقة لا تنتقل الى الجمهور. كما وقعت بحذافيرها وجوهرها الاصيل, بل هي تدخل انوال الغزالين وهم دهاقنة الاعلام يستوي في ذلك غزالو البيت الابيض الناطقون باسم الرئيس وادارته, او غزالو الميديا فكلهم طباخو اعلام وكلهم غزالون يعيدون غزل او نسج الحقيقة حسب الاجندات او المصالح والاولويات السياسية التي يصدرون عنها ويتوخون تنفيذها. ليست صدفة ان يصدر (هوارد كيرتز) وهو من كبار الصحفيين في جريدة واشنطن بوست كتابا مهما يعرض فيه لاسرار الماكينة الدعائية في ادارة كلينتون الراهنة ويختار له عنوان (دورة الغزل) بسكون الزاي ويشير فيه الى ما يتم داخل انوال النسج الاعلامي من تلاعب ومن استدراج للناس وتعزيز بافكارهم وقدرتهم في الحكم على الاشياء. ولا هي صدفة ايضا بأن تكون نسبة من باتت ثقتهم اقل في الميديا هي 46 في المائة ونسبة من يرون ان الميديا تلعب دورا سلبيا في الحياة العامة هي 48 في المائة وان تكون نسبة من يرون التأكيد على ضرورة التزام الميديا بابلاغ الجمهور بالحقائق كما هي دون مبالغة او تهوين او تزويق او ادخالها في انوال الغزالين هي 61 في المائة. (الميديا في عيون الناس) وفي ضوء هذا كله, بات من المهم طرح السؤال المرتقب: كيف اصبحت صورة الميديا في اعين الناس؟ وفي معرض الاجابة عن السؤال نجد امامنا ازاء انثتين من النسب الاحصائية وتحمل كل منهما حقيقة محورية ينبغي للعاملين في الميديا ان يتدبروها, لا في امريكا وحدها بل على صعيد العالم كله وخاصة في بلادنا التي نشكو من أمية الكتابة والسياسة والوعي العام على السواء ومن ثم يظل دور الميديا جوهريا على صعيدها لا من اجل اغراض التجارة او الرواج الاقتصادي فحسب, ولكن من اجل تعزيز وعي الناس ودعم استنارة المواطن كيما يشارك فاهما ومستنيرا في بناء المجتمع ودفع حركة تقدمه الى الامام. النسبة الخطيرة الاولى تبلغ 71 في المائة من افراد الرأي العام الذي باتوا يعتقدون كما يؤكد الاستطلاع ان المنافذ المشروعة الرصينة والمحترمة لبث الاخبار اصبحت في حال من الهبوط والانحدار الى حيث تصبح على مستوى منافذ النابلويد المجبولة على الاثارة واصطياد المعايب والاطناب في الثرثرة ونشر القصص التي لا تستند الى اي اساس, واذا كان التحقيق الصحفي يستمد اسمه من الحقيقة فقد يصدق على ما آل اليه حال الميديا تعبير التبطيل الصحفي بمعنى الموضوعات القائمة على الباطل او على التلبيس المرفوض بين الحق والباطل وهو نوع من التدليس الفكري في كل حال. اما النسبة الاخيرة وتقل عن سابقتها ولكنها تضاهيها من حيث الجسامة والخطر: هناك نسبة 45 في المائة من افراد الرأي الرأي العام باتت تتعامل مع الميديا بمنطق عدم المبالاة او عدم الاكتراث وهو نوع من الانسحاب الجماهيري ازاء التعرض لرسالة الميديا وتأثيرها, والميديا لا يكتمل تعريفها الا بأن يصدق عليها وصف (ماس ميديا) بمعنى رسائل الاعلام الجماهيرية واذا انصرفت عنها جماهير المتلقين فانها تفقد جوهرها الاصلي وصفتها الاساسية... تصبح قائدا بغير مقود ورسالة بغير مرسل اليه, وبداية بغير نهاية... او قطارا بغير محطات. والاعلام في اساسه دورة اتصال تبدأ بالمرسل وتنتهي بالمتلقي... وبالعكس... فاذا انصرف المتلقى عن الرسالة وعن الوسيلة... انكسرت الدورة انقطع الاتصال وتلك ازمة الميديا.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات