يلتسين مات ... لكنه لم يدفن بعد!بقلم-شفيق الحوت

بوريس يلتسين الشخص, لم يدفن بعد ولم يوار جثمانه في حائط الكرملين الشهير, حتى كتابتنا لهذه السطور على الاقل, مع ان يلتسين الرئيس والحاكم لدولة روسيا الاتحادية مات منذ وقت غير قصير. وشأنه في ذلك شأن العديد من رؤساء وحكام هذه الدنيا, ممن لا يستطيع احد اقناعهم بأنه ليس الميت من مات فاستراح, وربما اراح, وانما الميت ميت الاحياء ! انه لعجيب حقا امر هذا الانسان في نزعته الى الخلود وفي تعلقه بالسلطة, رغم ايمانه بأن الموت قدر مكتوب, وان هذه الانثى المسماة بالسلطة والتي تغري صاحبها على التعلق بها والتمسك بتلابيبها نادرا ما كانت وفية له في حياته او نادمة عليه بعد رحيله او ترحيله عنها. لعلها سنة الله في خلقه التي لا يريد بوريس يلتسين ان يتحداها او يكون مستثنى منها, ومن هنا كان اصراره هذا على المضي في تحمل مسؤولياته السياسية حتى لو كان في غيبوبة فوق سرير في غرفة العناية الفائقة داخل مستشفى. وخلافا لأسلافه وأسلاف اسلافه, لم يصل يلتسين الى سدة الحكم عن طريق ارث من سلالته, ولا عن طريق ثورة عقائدية كانت من اعاجيب هذا القرن. لقد كان مجيئه مباغتا ومفاجئا من صناعة الصدف ودون اي تصميم او تخطيط, أو هكذا كان يبدو للمراقب المحلل. وصل الى حيثما وصل لأنه كان حيثما كان في لحظة تاريخية مؤاتية تكاد تكون من فرادتها ان تبدو وكأنها من صياغة خيال مفتعل. تماما كما كان رحيل جورباتشوف, ولعل الاثنين وهما في قمة الحدث كانا اكثر الناس دهشة مما يحدث لهما. من المؤكد ان اللعبة لم تكن كلها من عبث الاقدار او اجتراحا لمعجزة, فلقد كان وراءها خلفية من الاسباب المتراكمة, منها ما هو موضوعي ومنها ما كان مفتعلا ومن صنع دوائر المخابرات ذات التخصص في تخريب الانظمة وزعزعة الكيانات السياسية. فالاتحاد السوفييتي, منذ نشأته واختياره للشيوعية نهجا للحياة العامة, وهو يجابه حربا لا هوادة فيها من قبل المعسكر الرأسمالي. ولقد استطاع الصمود في هذه الحرب على مختلف الجبهات مع الاحتفاظ بفائض من الطاقة ليزيل عن نفسه آثار الحرب العالمية وما تلها من حروب وان يرتفع بمستوى معيشة شعوبه الى حد مقبول مع شيء من التقشف. غير انه في العقد الاخير من سنواته السبعين لم يعد بقادر على التوفيق بين مطالب شعبه في تحقيق الرفاهية وبين متطلباته الامنية التي تستدعي متابعة اللحاق ببرامج التسلح الامريكية ذات الكلفة بأرقام فلكية. أضف الى ذلك ان الجيل الجديد من السوفييت, جيل ما بعد الحرب العالمية بأربعين سنة, وما بعد الثورة بسبعين سنة, بدأت تسكنه ارهاصات مشروعة حول ضروة تغيير النظام السياسي بهدف توسيع هامش الديمقراطية فيه على حساب ما كان يعرف بالديمقراطية المركزية وكابوس البيروقراطية. هذا كله صحيح, وكان المقدمة الشرعية لما حدث, ولكن الصحيح كذلك انه لم يكن هناك اي برنامج اصلاحي مكتوب او استراتيجية محددة ومدروسة للخروج من هذه الازمة الى مستقبل منشود. ولم يكن هناك كذلك اي تجمع او تكتل مهيأ لقيادة عملية التغيير المرجوة لا داخل الحزب ولا خارجه. كان هناك ثمة وعي على ما لا يريده السوفييت ويرفضونه ولكن لم يكن لديهم البدائل المطروحة لما يريدون. ولذلك فإن ما حدث كان انهيارا تلقائيا لمبنى قديم في غياب اية خرائط لترميمه او تشييد مبني جديد. جملة أحداث عشوائية غير مبرمجة اطاحت بالنظام وجاءت بيلتسين الى سدة الحكم وهو لا يحمل اي تصور لما بعد الانهيار غير رفضه للعودة الى ما كان عليه الحال. وهكذا وقعت البلاد في بحر من الفوضى أدت الى استلاب الدولة ونهب مؤسساتها الرسمية ومنشآتها الصناعية ومراكزها الاقتصادية. كيف حدث ذلك, وكيف تم التحول من النظام الاشتراكي الى الفوضى الرأسمالية, لا يعلم احد. كما لا يزال سرا من الاسرار هذه السرعة التي تمت بها عملية التغيير ونشوء طبقة رأسمالية تضاهي في جبروتها غلاة من عرفهم (العالم الحر) من رجال الكارتيلات والاحتكار. ولا يقل عن ذلك ايثارا للدهشة تلك القفزة الرهيبة الى عالم المافيات التي احتلت مكانتها الهامة بين العصابات الدولية. طبعا ما كان هذا كله ليحدث لو كان المزاج الروسي متأثرا بالحكمة الصينية العرقية التي عرفت كيف تنجو في بلاد الصين من مأزقها, وتطور في نظامها, وتحقق اعلى معدلات للنمو في العالم من دون ان يهتز فيها نظامها السياسي لا بفعل ثأري داخلي او بتأثير مخابراتي خارجي. ولذلك, فليس من العدل ان نحكم بقسوة على يلتسين وعدم تمكنه من اعادة التوازن الى بلاده طيلة هذه الفترة من عمره, والتي تمتد بعد رحيله الى سنوات تقصر او تطول وفق ما ستنتهي اليه عملية الصراع الراهنة ووضوح الخريطة السياسية الحقيقية للمجتمع الروسي والأولويات التي يضعها الشعب هناك على جدول اعماله. قبل يلتسين كانت موسكو عاصمة استقطاب عقائدي يدور في فلكها عشرات العواصم, والملايين من الجماهير المؤيدة لها والمنضوية تحت عناوين سياسية وحزبية او اخرى مهيمنة وثقافية وطبقية. كما كانت موسكو العاصمة الاخرى في نظام دولي ثنائي القطبية, هي في الشرق وواشنطن في الغرب. وكانت تملك بالاضافة الى العقيدة السياسية ترسانة من الاسلحة كفيلة بتحييد العالم الرأسمالي, وردعه عند اللزوم, على مستوى الكرة الارضية بكاملها. ولا ينكر سوى مكابرانه لولا موسكو لم شهد العالم, بعد الحرب العالمية الثانية, هذه الوتيرة المتسارعة في تصفية الاستعمار في كل من آسيا وافريقيا وامريكا اللاتينية. وكانت موسكو عاصمة لامبراطورية هي الاوسع مساحة في العالم والاكثر تنوعا في الاعراق والثقافات التي يتألف منها مجتمعها. كانت موسكو نصف العالم عندما تسملها يلتسين, هذا الرجل الذي لم ينضم للحزب الشيوعي قبل بلوغه الثلاثين وذلك في العام 1961, اي في عهد نيكيتا خروتشيف صاحب اول صوت علني في نقد المسيرة الستالينية وبالتالي مسيرة الحزب على امتداد اكثر من اربعين سنة. هو مهندس من خريجي معهد البوليتكنيك, وقاده الحظ الى الانتقال الى موسكو حيث اصبح محافظا لها في عهد جورباتشوف الذي توسم فيه خيرا بالنسبة لمشروعه في البيريسترويكا, ليتحول فيما بعد, بسبب حماسته وتسرعه في انجاز الاصلاحات الجذرية الى مصدر قلق على هذا المشروع. ويقول جورباتشوف في تبريره لسيرته انه لولا تسرع يلتسين وسبقه الى تسلم السلطة وسوء استغلاله لضيق صدر الشعب بالنظام ومساوئه لما حدث ما حدث ولكان باستطاعة الاتحاد السوفييتي ان يطور ذاته وان يخرج من ازمته وان يحتفظ في نفس الوقت بمكانته الدولية كقطب لا يستهان بقراره ورأيه. اذن, هكذا كانت موسكو قبل يلتسين وانقلابه على الثورة واطاحته بالنظام السوفييتي ورد الاعتبار الى روسيا القيصرية والاعتذار للشعب عن التجربة الشيوعية, فكيف اصبحت بعد هذا كله؟ ككل البدايات في مثل هذه المنعطفات التاريخية التي تتعرض اليها الشعوب, كان لابد من اعطاء الرجل الفرصة ليثبت صحة نواياه اولا, ثم قدرته على تحويل هذه النوايا الى مشاريع يمكن ترجمتها ميدانيا الى حقائق مادية. وقد تم ليلتسين ذلك, فموسكو ليست غريبة عن مركزية الحكم والحاكم فيها, من ايام القياصرة حتى ايام البلاشفة, ولم يكن يلتسين نشازا بالنسبة لهذا المزاج, وحاول ان يمنح رئاسته اقصى ما يمكنه الحصول عليه من صلاحيات حتى بات شبه حاكم مطلق, يساعده على ذلك حالة الذهول التي كانت ولا تزال سائدة في الاوساط وعدم تبلور الحياة الجديدة في الاطر التي لابد من العمل خلالها. ومع هذه الاستقلالية الفردية لوريث عرش الاشتراكية العالمية, وجد يلتسين نفسه محاطا بما لا يحصى من المشاكل سواء بالنسبة لترتيب البيت الروسي (السوفييتي سابقا), وإعادة حصر الارث, ارث الدولة وبخاصة بالنسبة للقوات المسلحة ومؤسسات البحث العلمي التابعة لها. كما كان عليه ان يواجه هذه الموجة العارمة من التسيب الذي فاق بفساده عهد البيروقراطية الذي كان من ألد أعدائه, اضافة الى معالجة الوضع الاقتصادي وتأمين الحدود الدنيا ــ الدنيا فعلا ــ لحياة الملايين من العمال والفلاحين بعد ان وصلت الأوضاع الى حدود المساس بالكرامة الانسانية والتقاليد الاخلاقية. بكلمة اخرى, فوجىء يلتسين بأن موسكو تحولت في عهده من عاصمة دولة كبرى. بل الثانية في العالم, الى عاصمة دولة عالم ثالثية. ولم يكن وضع يلتسين على جبهة العلاقات مع الجمهوريات السوفييتية ــ سابقا ــ بأحسن من وضعه الداخلي, ورغم جميع محاولاته لاستيعاب هذه المشاكل الجديدة من رسمه لحدود السياسة وتحديد المصالح المشتركة, ما يبقى منها وما يتقطع, وجد نفسه احيانا متورطا في اشتباكات عسكرية هي آخر ما يحتاج اليه. ولعل حربه في شيشينيا التي استعرت قرابة ثلاث سنوات شديدة الشبه بتورط اسلافه من قبله في حربهم في افغانستان مما انعكس عليه داخليا وحرك القوى المعارضة ضد سياسته العامة. أما ذروة متاعبه فقد تجلت في البحث عن طريقة يحافظ من خلالها على هيبة روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ربما كان في تقديره ان موسكو التي فقدت مكانتها الايديولوجية لا يجوز ان تفقد مكانتها كدولة نووية مازالت قادرة على تدمير العالم وصولا الى الولايات المتحدة. ولكنه كان مخطئا في تقديره هذا عندما غاب عنه ان التغيير الاقتصادي الذي ينشده داخل روسيا في نظامها الجديد يضعها ــ شاءت أم أبت ــ في لعبة السوق العالمي ومؤسساته ذات العراقة في هذا المجال وصاحبة أكبر عدد من شبكات الشركات المتعددة الجنسية. كذلك لقد غالى في توقعاته عندما علق الكثير من الآمال على الوعود الأمريكية في دعم نهجه ومساعدته على النهوض باقتصاد بلاده. ولكنه سرعان ما اكتشف, وإن كان ذلك متأخرا, بأن للولايات المتحدة رؤيتها الخاصة في النظام الدولي الجديد الذي لا مكان فيه لقطب آخر سواء كان الاتحاد الروسي أو غيره, وبالتالي فإن رفع تهمة الشيوعية عن روسيا لا يستحق مكافأة تتجلى بمساعدة موسكو على فتح أسواق جديدة أو ايقاف التنافس معها ولاسيما في سوق بيع السلاح. ولذلك لم يكن مفاجئا لأحد هذه الصحوة الروسية, التي تخبو وتعلو لمماحكة الولايات المتحدة حيث يمكنها ذلك, كما حدث في شبه جزيرة البلقان, وعلى استحياء في أزمة الشرق الأوسط. وهكذا وبعد مرور قرابة عشر سنوات على حكم الرجل المريض لروسيا تتضح حقيقة أكثر خطورة وهي ان روسيا هي المريض الحقيقي التي لاتزال في شبه غيبوبة في غرفة العناية الفائقة. المفارقة انه لابد من رحيل يلتسين كي يتسنى للروس معالجة البلد, والى ان يتم دفن الرجل في جدار الكرملين, سيبقى الكرملين صامتا دون حراك.

طباعة Email
تعليقات

تعليقات