تشغيل المواطنين:بقلم-د. محمد ابراهيم منصور

الوظيفة في الوطن حق شرعي كفله الدستور, وشدد عليه صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة واخوانه الحكام أعضاء المجلس الأعلى للاتحاد , فالقيادة الحكيمة تتحسس دائما هموم وقضايا المواطنين وتضع لها الحلول المناسبة والفورية, فهي على اطلاع يومي بالاجراءات والتدابير التي تتخذ لمعالجتها وبشكل خاص ذات الصلة بالرفاه الاجتماعي. إن توجيهات القائد المستمرة لخدمة الصالح العام واهتمامه الدؤوب بتوظيف المواطن ــ أطال الله في عمره ــ تعتبر وسيلة من وسائل توزيع الثروة ودعم لاقتصاد البلد ولا يألو جهدا في أن يجعل همه الاكبر انعاش البلاد ليحقق فرص عمل متنوعة للمواطنين, وكم هو حريص على أن يتسلح جميع الأبناء من ذكور وإناث وبمختلف شرائحهم الاجتماعية بالتعليم بأنواعه المختلفة ومجانا باعتباره استثمارا وأداة من أدوات النجاح الاقتصادي والاجتماعي ووسيلة من خلاله تحقق دولتنا الفتية سبل التقدم والازدهار, اذ به تتنوع الدخول ويحقق الفرد لنفسه مركزا اجتماعيا لائقا وتكسبا يغنيه عن حاجته للناس, فليس بكاف أن يصبح الفرد متعلما في المجتمع بل يجب أن يرافق ذلك تضحيات واعتراف حقيقي من قبله والمجتمع بقيمة العلم المكتسب وتوظيفه لخدمة الأمة, إذ أن قبض ثمنه من قبل الفرد ضرورة قصوى وذلك لاشعاره بكرامته وتعظيما له وسدا لحاجته وهذا ما يؤكده دوما القائد, اضافة الى أنه الأداة التي يرجو منها المجتمع المشاركة الفعلية للمواطن في أنشطته الاقتصادية المختلفة, وبه يستطيع المجتمع أن ينهض بقدراته ويستغل ثرواته. إلا أن كل ذلك مرهون بالآلية التي يتبعها سوق العمل في تشغيل المواطنين الراغبين في العمل وبمدى قبول المواطن للعمل من أجل العطاء. لكن دعونا نحاور أنفسنا لبرهة, ونطرح السؤال التالي لماذا بالرغم من الحاجة الشديدة لسوق العمل للعمالة, نجد بين المواطنين بطالة ظاهرة ومقنعة؟ القضية هذه ليست بالغة التعقيد كما يتصورها البعض, وان الاحاطة بجوانبها يتطلب منا البحث في قضايا مختلفة لعلها تكتشف لنا زيف تكوينها. أولاً: ان الدولة تتوسع في استغلال مواردها الطبيعية وتشييد بنيتها التحتية والفوقية وتنوع مصادر دخلها, فهي بهذا المنحى دائمة الحاجة الى الايدي العاملة وذلك بسبب عدم كفاية مواردها البشرية, ولهذا تمثل الامارات فرصة للكثير من غير المواطنين للوصول اليها, وهذا أمر شرعي طالما كان المجيء شرعيا. لكن هل يترك الحبل على الغارب حتى يبلغ الأمر تجنب تشغيل المواطنين لاسباب يرى القطاع العام والمشترك والخاص بأن هناك عوامل مالية ومعرفية ومهارية وتنظيمية تحول دون تشغيل المواطنين. ثانيا: نحن في مجتمع سكانه قليل وعمالته الوطنية شحيحة كما وكيفا, ويتوقع المرء أن يكون حجم التشغيل فيه بين المواطنين كاملا 100% سواء كانوا ذكورا أم إناثا, بمعنى أن معدل البطالة بين المواطنين يجب أن يكون صفرا, ليس ذلك من قبيل التفضل ولكنه حق شرعي بالوظيفة, فكلنا يدرك التدفق اليومي للهجرة الخارجية الى البلد والتي تتزايد يوما بعد يوم. ثالثا: حقق اقتصاد دولة الامارات العربية المتحدة نجاحات متميزة طوال الــ 26 سنة الماضية وظل محافظا على أداء جيد حتى في التسعينات والتي من المفترض أن تعترض فرص النمو عثرات نتيجة لحرب الخليج إلا أن لارتفاع متوسط أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية في منتصف التسعينات وارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية في الناتج المحلي الاجمالي ساعد على تحسن الاقتصاد. وتؤكد ذلك بيانات الناتج المحلي الاجمالي للدولة للفترة من 1993 الى 1996 حيث ارتفعت قيمته بالدرهم من 132 مليار درهم عام 1993 الى 164 مليار درهم عام ,1996 وبلغت استثمارات الدولة الثابتة خلال تلك الفترة حوالي 41 مليار درهم عام 1996 مقارنة بـ 36 مليار درهم عام ,1993 وكان للقطاعين العام والخاص دورا بارزا في تكوين ذلك الاستثمار, اذ بلغت استثمارات القطاع الحكومي نحو 14 مليار درهم عام 1996 مقارنة بنحو 12 مليار درهم عام 1993 كما بلغت استثمارات قطاع الاعمال نحو 12 مليار درهم عام 1996 مقارنة بنحو 11 مليار درهم عام 1993 وبلغت مساهمة استثمارات القطاع الخاص نحو 15 مليار درهم عام 1996 مقارنة بنحو 13 مليار درهم عام 1993. يعكس هذا الاستثمار الضخم لجميع قطاعات المجتمع سلامة ومتانة اقتصاد دولة الامارات العربية المتحدة والتنوع في أنشطته الاقتصادية مما يعني فرص عمل أفضل للمواطن. رابعا: توضح بيانات العمالة لعامي 1993 و1996 ان هناك نموا كبيرا في فرص العمل في سوق الامارات اذ بلغ اجمالي حجم العمالة نحو 860 الف عامل في عام 1993 وارتفقع الى مليون وخمسين الف عامل في عام 1996 بزيادة مطلقة قدرها 190 الف عامل خلال ثلاث سنوات, ويقدر متوسط الزيادة السنوية للوظائف بنحو 63 الف وظيفة كان نصيب المواطنين من الوظائف المتاحة في سوق العمل خلال 3 سنوات 19 الف وظيفة. واذا ما حاولنا ان نتتبع اسهامات القطاعات في خلق فرص العمل فإننا نجد أن قطاع تجارة الجملة والتجزئة وخدمات الاصلاح وفر نحو 44 الف وظيفة خلال ثلاث سنوات وتلاه قطاع الصناعات التحويلية بنحو 25 الف وظيفة وساهم قطاع التشييد والبناء بنحو 21 الف وظيفة اما قطاعي النقل والتخزين والمواصلات والخدمات الحكومية فوفرا نحو 19 الف و12 الف وظيفة على التوالي. وعلى كل حال فقد لوحظ أن الزيادة الكبيرة في الوظائف المختلفة قد تمت لصالح غير المواطنين, وذلك بسبب التفاعل بين قوى الطلب والعرض المعتمدة أساسا على شروط العمل ومستويات التوظف والأجور وتوزيع العمال على مختلف الوظائف والأنشطة الاقتصادية واصحاب العمل. الكل يدرك المعاناة التي يعانيها مجتمع الامارات بسب الهجرة الوافدة وكثرة أعدادهم وضغطهم على فرص العمل, حتى ظهرت البطالة في الامارات وأخذت تنمو تدريجيا, حتى قدر عدد الباحثين من المواطنين عن العمل ولا يجدونه من الذكور والإناث بنحو 14340 فردا في عام 1995 وبلغت نسبة الذكور العاطلين منهم نحو 33% ونسبة الإناث نحو 67% من الإجمالي, والبطالة عندنا تتنوع وفقا لفئات الاعمار المختلفة ومستويات التعليم والنوع والمنطقة الجغرافية. ولا نبالغ ان قلنا ان المشكلة قائمة حتى لحظتنا هذه ونستشف ذلك من خلال مداولات السلطة التشريعية مع السلطة التنفيذية والجهود المبذولة والمعلنة عنها من قبل وزارة الداخلية ووزارة العمل والشؤون الاجتماعية من أجل تعيين المواطنين وقوائم الانتظار في دائرة شؤون الموظفين الاتحادية والدوائر المحلية المشابهة لها اضافة الى القوائم التي تنشرها وزارة التربية والتعليم والشباب لاجراء المقابلات والتي يتمخض عنها تعيين عدد قليل منهم. هناك بطالة مقنعة أيضا ومتركزة في القطاع الحكومي مما يجعلها عبئا اقتصاديا على المجتمع بدلا من أن تكون موردا اقتصاديا. اذ تتسم معظم الوظائف بالعفوية وسيادة الوظائف غير المنتجة, وكان بالامكان توجيه هذه الاعداد الهائلة الى القطاعات الانتاجية, إلا أن جمود التشريعات العمالية والخدمة المدنية تحول دون تحقيق توازن نفع بين القطاعات المختلفة في المجتمع باعتبارها في النهاية روافد للنمو الاقتصادي للبلاد. الحديث عن التوظيف له علاقة قوية بكرامة الفرد وتعزيز الانتماء وخلق الولاء وتحسين المستوى المعيشي للفرد واستغلال الطاقات اي كانت طبيعتها وتجنب المجتمع المشاكل الاجتماعية المختلفة الناتجة عن الانسان العاطل. والقوى العاملة المواطنة الراغبة في العمل في الامارات في تزايد مستمر وبمعدل مرتفع نوعا ما وهذا أمر طبيعي ويعود السبب في ذلك بين أمور اخرى الى الزيادة الحاصلة في عدد السكان الذين هم في سن العمل والى ازدياد معدلات مشاركة النساء. واصبح القطاع العام لفترة طويلة ولا يزال الى يومنا هذا هو صاحب العمل الرئيسي للمواطنين. ويتسم القطاع المشترك والخاص بطاقة استيعابية منخفضة. وقد انخفضت حصتهما من العمالة المواطنة نتيجة لنمط الاستثمار والأجور وتدابير السياسة المالية التي تؤدي الى الاعتماد على العمالة الوافدة لتعزيز اكبر قدر ممكن من الربحية. إن هذين القطاعين يعولان بشكل كبير على فائض قيمة العمل الناتجة عن الفرق ما بين الجهد المبذول والأجر المدفوع وبالعمالة المواطنة سوف لن يتحقق لهم ذلك بسبب ارتفاع تكلفة أجورهم. والله من وراء القصد. وكيل كلية العلوم الانسانية والاجتماعية - جامعة الامارات العربية المتحدة*

طباعة Email
تعليقات

تعليقات