مشاهد على مسرح العالم: متى نطلق على الديكتاتورية رصاصة الرحمة؟ بقلم - الدكتور محمد الرميحي

على المسرح العالمي ونحن نودع هذا العام الذي يأخذنا مباشرة الى العد التنازلي الحقيقي للقرن المقبل مشهدان, هذان المشهدان قد يحددان مسيرة ذلك القرن المقبل ويفرضان شكلا من أشكال القيم الدولية, ويقدمان دروسا بليغة لكل عاقل . المشهد الأول هو المعركة القانونية الدائرة في بريطانيا حول تسليم أوعدم تسليم رئيس جمهورية تشيلي الأسبق الجنرال أوجوستو بينوشيه لما ارتكبه من جرائم ضد الإنسانية في بلاده وخاصة تلك المرتكبة ضد مواطنين أسبان, وهي قضايا مرفوعة من الحكومة الأسبانية, وقد رجحت المحاكم البريطانية بدرجاتها المختلفة ان يسلم ذلك الدكتاتور الى اسبانيا لمحاكمته, بصرف النظر عن الحصانة المعطاة له أو سنه المتقدمة أو قدم الجرائم المتهم بارتكابها. والمشهد الثاني على المسرح نفسه هو مطالبة تركيا بعبد الله أوجلان الزعيم الكردي الذي هرب من الشرق الأوسط إلى روسيا ــ بعد ان زادت ضغوط تركيا على مضيفيه ــ ثم طار منها إلى ايطاليا طالبا اللجوء السياسي. الرأي العام العالمي مع تسليم أوغوستو بينوشيه وضد تسليم أوجلان, أي ان العالم باختصار ضد الدكتاتورية وما ترتكبه من جرائم حتى لو مر عليها الزمن وجفت دماؤها, ومع حقوق الانسان والحريات وحقوق الاقليات لو كان المطالب بها متهما. ذلك هو الدرس الأوضح لاتجاهات الدول في العالم الحريص على تثبيت بعض القيم الأساسية للإنسان في القرن المقبل, وهو توجه يعضده رأي عام كبير آخذ في الاتساع في بلاد كثيرة. ولعل المشادة التي حصلت بين آل جور نائب الرئيس الأمريكي وبعض ممثلي الدول الآسيوية في القمة الاقتصادية الآسيوية الأسبوع الماضي تؤكد هذا التوجه, فلم يستطع آل جور وهو يمثل الولايات المتحدة ذات المصالح العظمى في تلك المنطقة أن يتناسى تلك التجاوزات على حقوق الإنسان في بعض تلك البلاد, فانتقدها في عقر دارها, اندونيسيا وماليزيا, ورغم الاحتجاجات الرسمية على تلك الاشارات والانتقادات إلا انه والادارة الأمريكية قد أصرا عليها. ماذا يعني ذلك؟ انه يعني ان النظام العالمي الجديد الذي يتشكل بمحتواه الاجتماعي والاقتصادي لابد له من بوتقة سياسية تحتضنه, وهي حقوق الانسان, فلا تنمية ولا تقدم ولا سوق اقتصادية مفتوحة, ولا تجارة حرة دون ديمقراطية واعتراف بالتعددية واحترام حقوق الإنسان رجلا كان أو امرأة أو طفلاً رضيعا, تلك هي البوتقة التي لن يستطيع شعب أو تستطيع دولة أن تخطو باتجاه صفوف الدول والمجتمعات المتحضرة دون ان تتقيد بحد أدنى منها. وملاحقة أوجوستو بينوشيه وهو في أرذل العمر, وقد ارتكب جرائم ضد الانسانية تتجاوز شخصه للوصول الى فعله, كما ان الدفاع عن أوجلان يتجاوز شخصه للدفاع عن قضيته وهي قضية الأقليات وحقوقها الضائعة في كل المجتمعات. شهدت ساحة سلمونتانا في أحد الأحياء المطلة على روما من احدى تلالها السبعة في الأسبوع الماضي أكبر تجمع للأكراد في أوروبا دفاعا عن حق أوجلان بأن يحصل على اللجوء السياسي في إيطاليا, كما حرق اثنان من الأكراد أنفسهما أمام المارة في موسكو من أجل الهدف نفسه وهو مشهد يذكرنا بأتون الحرب الفيتنامية عندما حرق الرهبان البوذيون أنفسهم وبالتالي حرقوا كل الأسباب التي يعتقد أي نظام أنها شرعية, فلقد أقتنع الأكراد أن ظهورهم قد أصبحت للحائط وان هذا الزعيم المتخبط في منافيه ــ مهما كانت المآخذ عليه ــ يجسد نفيهم جميعا وحاجتهم الماسة إلى وطن يضم أشتاتهم. أوجلان كردي تركي ينتظر اذا لم تتسلمه تركيا ان يبلغ الخمسين من عمره في السنة المقبلة وهو في مركز الرمز للمقاومة الكردية, وزعيم حزب العمال الكردستاني, اكبر المجموعات الكردية المقاومة في جنوب شرق تركيا والمطالبة باستقلال ذاتي داخلي ضمن الخريطة التركية. وهو شيوعي سابق لذلك فقد هداه تفكيره أول الامر للجوء الى روسيا ولم يدر أن الزمن تغير وان الاصدقاء القدامى قد انقلبوا على أنفسهم. وان كانت الثورة الكردية ــ بشكل عام ــ قد سماها المؤرخون في هذا القرن الثورة عاثرة الحظ, لأنها فشلت, لأسباب خارجية وداخلية, في ان تحقق للشعب الكردي المتناثر في اكثر من بلد حقوق مواطنة معقولة داخل تلك الاراضي, كما قشلت في أن تحقق دولة او شبه دولة للأكراد, إلا أن الاكراد في تركيا يمثلون اكبر التجمعات الكردية في الدول المحيطة, ونتيجة لثورة مصطفى كمال أتاتورك وما لحقها من تطورات فان الحقوق الاثنية وحقوق الاقليات غير معترف بها في تركيا الحديثة. وكان الأصل في عدم الاعتراف نظريا بتلك الحقوق هو محاولة بناء شعب ودولة تركية حديثة تجمع بين أفراد شعبها بالمواطنة, ولا تفرق بين عرقية أو اثنية أو طائفية, وهي فكرة استمدت جذورها من بناء الدولة القومية في أوروبا, وربما كانت صالحة في ذلك الوقت, ولم تكف عن التطور في أوروبا الى أشكال جديدة, ولكن التجربة التركية لم تستطع أن تتجاوز هذه البدايات مع رتوش قليلة هنا أو هناك قدمها بعض القادة الاتراك التاريخيين, فبسبب تحكم العسكر في مصير البلاد وتفضيلهم اسلوب التسلط عن الذوبان الديمقراطي لم تستطع هذه التجربة صهر الشعب التركي, حيث ان المشكلة الكردية في تركيا هي واحدة من مشكلات كثيرة لعل أهمها هذا التعثر في الاستقرار الحكومي, وهي مشكلة البحث عن الهوية. الأصل في الموضوع هو أن العالم اليوم لم يعد يقبل بان تنتهك حقوق الانسان بشكل فاضح وصريح وعلني ويكتفي بالوقوف متفرجا على هذه الانتهاكات بناء على مقولات صكت في القرن التاسع عشر عندما كانت وسائل الاتصال بطيئة وغير فاعلة, وابرز هذه المقولات واكثرها شيوعا أنه لا يجوز التدخل في الشؤون الداخلية لهذه الدولة أو تلك مهما اقترفت من خطايا, هذه المقولة تتغير بسرعة, ويحل محلها القول أن الدول والأفراد معنية مباشرة بالانسان, والحط من انسانية الانسان ليس شأنا داخليا بل هو شأن بشري يهم العالم أجمع. لذلك ليس غريبا أن تتنادى الدول وجمعيات حقوق الانسان, والمنظمات غير الحكومية لانقاذ شعب العراق من مجموعة قليلة تتحكم في مقدراته ولا تأبه بما يحدث له, ويقودني الحديث عن مآسي الحكم الديكتاتوري واسطورة عدم التدخل لرفع الكابوس الدموي الواقع على كاهل الشعوب. يقودني رغما عني الى احزان واشجان الوضع في العراق جارنا اللدود, فلقد صعف الكثيرون من التصريح الذي ادلى به طارق عزيز رئيس مجلس الوزراء وكرره بعد ذلك طه ياسين رمضان والقائل بأن شعب العراق ميت ميت, فلا ضير ان هو مات في المستشفيات او تحت وابل النيران, هذا الاستخفاف بالنفس البشرية ارجع الانسانية الى المقولة الشمشونية المستهجنة (علي وعلى اعدائي) . الحكم في العراق بجانب انه حكم القلة, فقد ارتكب من الجرائم ربما مالم يرتكبه اي نظام في العصر الحديث, لقد ارتكب جرائم ضد الايرانيين, وضد الكويتيين, ولا يزال الكثير من الاسرى والمرتهنين في سجونه ومعتقلاته, كما أنه ارتكب اكبر الجرائم ضد شعبه, فلم يبق بيت في العراق الا وبه ضحية من ولد وأم وطفل, ولم يعد أيضا مكان يماثله في البطش بعد ذهاب شاوشيسكو الى العالم الآخر, لقد كانت البيوت العراقية تعلق اعلاما سوداء على واجهتها عندما يسقط منها قتيل في الحرب التي طالت بينها وبين ايران. فكم علما أسود علق حتى الآن على واجهات هذه البيوت بسبب مذابح النظام؟ ان العراق تحكمه عائلة صغيرة جاءت من منطقة تقع على الجانب الغربي من نهر دجلة تسمى العوجة, وقد تحكم ابناء هذه العائلة بالمناصب في الدولة العراقية شيئا فشيئا, فسميت العوجة (أم القرى) وهو أحد اسماء مكة المكرمة, تمهيدا لانتحال عشيرة البيجات (عمومة الرئيس صدام حسين) اللقب الهاشمي, واعلان انتمائهم للحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه. وقد مكن صدام حسين عشيرته وأقرباءه من السيطرة على منافذ الحكم العراقي, فدخلوا في صراع وتصفيات مع كل الفئات التي يمكن لها أن تشكل تنافسا أو تحديا لسلطتهم, أو يطالبوا ببعض الحريات, كما دخل الاخوان غير الاشقاء والاقرباء من العائلة في صراعات فيما بينهم طلبا للسيطرة والثراء والشهرة وتزاحموا إلى أن تفجر الدم, وكان الضحية الاكبر هو قطاعات الشعب العراقي التي هاجر منها كما لم يحدث قط في تاريخ العراق ثلاثة ملايين نسمة إلى الخارج, واصبح داخل السجن العراقي الكبير بقية ابناء الشعب المغلوبين على امرهم, وقد قص علي احد المنفيين العراقيين في الخارج ان السلطات العراقية قد رفعت رسم المغادرة إلى الخارج إلى مليون دينار عراقي ورغم ذلك فقد باع العديد كل ممتلكاتهم وكل ما امامهم وخلفهم وغادروا إلى حيث المجهول لعله يكون اكثر رحمة. قصة اليوم في العراق ان رئيسها يقود بلاده ــ دون ان يجرؤ أحد على التساؤل في الداخل ــ إلى حافة الهاوية والانفجار, مدفوعا بأسوأ انواع المكابرة ورفض الواقع, والتشبت بالسلطة مع تركيزها. اصرار صدام حسين على الاحتفاظ بأسلحة الدمار الشامل, وتهريبها من مخبأ إلى آخر قبل وصول المفتشين يدل, بما لا يقبل الشك, على أن النوايا التي يحتفظ بها صدام حسين والنواة الصغيرة المؤتمرة بأمره في بغداد مازالت كما هي, وهي في حقيقة الامر لا تناسب الوضع العالمي الجديد, انها لاتزال تعيش احلام اليقظة التي كانت رائجة ايام الحرب الباردة التي انتهت إلى غير رجعة وأحلام التسلط والسيطرة التي ليس لها مكان في العلاقات الدولية اليوم. فلا غرو إذن ان يعلن العالم اليوم اجندة واضحة للعراق جوهرها نقطتان, الأولى: التخلص من النظام الدكتاتوري وتقديم مرتكبي الجرائم ضد الانسانية إلى المحاكمة العادلة, والثانية: اقامة نظام تعددي متوازن في العراق. هذا الامر ينسجم مع ما قدمنا من محاكمة اوجستو بينوشيه وامثاله من مرتكبي الجرائم ضد الانسانية, لا فرق بين من ارتكبها في السابق أو في اللاحق, فهي جرائم واحدة وان اختلف المكان. لذلك فإني ارى في الاعلان العالمي عن الرغبة باطاحة النظام العراقي بعد كل ما اقترف, عملية إنسانية رحيمة تستهدف أول ما تستهدف رحمة الشعب العراقي.

طباعة Email