أوجلان.. نهاية أسطورة كردية أم نهاية حقبة عالمية: بقلم- عمران سلمان

نجحت تركيا اخيرا في تسديد ضربة موجعة الى حزب العمال الكردستاني عبر اجبار خصمها اللدود زعيم الحزب عبدالله اوجلان على الخروج من مخبئه والتسكع بين العواصم طالبا حق اللجوء . وبعد رحلة غير مريحة بين دمشق وموسكو حط اوجلان الرحال في ايطاليا حيث القت سلطاتها القبض عليه واحتجزته ريثما بيت في امر طلب اللجوء السياسي الذي قدمه. وكان اوجلان الذي اضطر لمغادرة سوريا بعد التهديدات التركية بشن حرب على دمشق لدعمها حزب العمال, قد استقر لبعض الوقت في روسيا. وسعى هناك للحصول على ملجأ في احدى ضواحي موسكو, وتقدم من اجل هذا الغرض بطلب اللجوء. وكتب اوجلان في رسالته الموجهة للدوما الروسي في 30 اكتوبر الماضي (انا اتقدم رسميا بطلب اللجوء السياسي الى الفيدرالية الروسية, وكنت دائما ولم ازل ارغب في المجيء الى موسكو) . وفعلا صوت 298 نائبا من اصل 299 لصالح القرار وامتنع واحد عن التصويت, ودعوا الرئيس الروسي بوريس يلتسين الى الموافقة على طلب اوجلان. غير انه وتحت الضغوط التركية على موسكو اضطرت هذه الاخيرة للطلب منه مغادرة البلاد. ويعتقد ان الروس ربما كانوا سيغضون الطرف عن وجوده عندهم, لولا تمكن المخابرات الاسرائيلية من كشف امره بواسطة التنصت على مكالماته الهاتفية, ومن ثم تسريب الخبر لانقرة التي سارعت بدورها لتقديم طلب رسمي بتسليمه او اجباره على مغادرة الاراضي الروسية, وقد كان لها ما ارادت, ولا يعرف ما اذا كانت ايطاليا سوف تسلم اوجلان الى تركيا ام تمنحه حق اللجوء, رغم ان لاوجلان وحزبه تأييدا كبيرا في اوساط السياسيين الايطاليين, الذين استضافت مجموعة منهم الشهر الماضي المؤتمر الرابع للبرلمان الكردي في المنفى والتابع لحزب العمال الكردستاني في مقر برلمان ايطاليا. اما بالنسبة للاتراك فربما كانت هذه تفاصيل لاتهمهم كثيرا, فالاهم انهم حققوا هدفهم في انهاء حياته السياسية. وفي الاغلب هم لم يكونوا يريدون تسلمه كي لا يصنعوا منه بطلا قوميا بالنسبة للاكراد, وانما يسعون فحسب الى اعتزاله العمل السياسي والنضالي وعيشه كلاجىء بعيدا عن جماعته وبالتأكيد بعيدا عن تركيا, ويبدو واضحا انها استطاعت الوصول الى هذا الهدف, بالتعاون مع الاجهزة الامنية الامريكية الاسرائيلية التي كان لها دور كبير في كشف وجوده في سوريا ثم مطاردته حتى روما. اما حزب العمال الكردستاني فالمتوقع ان يعاني من مشاكل حقيقية مع خسارته لقائده, الشخص الذي ارتبط اسمه بالحزب منذ تأسيسه, وبداية الصراع الداخلي على وراثة الزعامة. نهاية حقبة يعتبر اوجلان وحزب العمال الكردستاني احد علائم الحرب الباردة بوصفه منظمة ماركسية لينينية تستخدم الكفاح المسلح اسلوبا لعملها. تأسس في عام 1978 وقاد في ذلك الوقت نضالا سياسيا سرعان ما تحول الى مسلح ضد تركيا مطالبا باقامة دولة كردية (كردستان الكبرى) في اجزاء من تركيا وايران والعراق وسوريا. غير انه عدل في وقت لاحق من برنامجه وشعاره مقتصرا نطاق عمله في الاراضي التركية فقط, ومطالبا هناك باقامة دولة للاكراد في الاجزائ الشرقية والجنوبية من تركيا. وكان الحزب يحظى بدعم ومساندة واضحين من جانب الاتحاد السوفييتي وعموم الكتلة الاشتراكية, خصوصا بلغاريا التي كانت على خلاف مع تركيا. ونجح الحزب في ذلك الوقت في تكوين منظمة سياسية وعسكرية تضم عشرات الآلاف في صفوفها بيد ان انهيار الاتحاد السوفييتي وباقي انظمة المعسكر الاشتراكي, افقد حزب العمال الحليف الاساسي الذي كان يستند عليه. وخلال تلك الفترة وحتى العام 1992 كان الحزب ينشط في سوريا حيث انشأ في سهل البقاع مقر قيادته العامة ومخيمات لتدريب عناصره. هذا في وقت كانت فيه المنظمات التابعة للحزب تنمو في اوساط المهاجرين الاكراد الاتراك في عدد من الدول الاوروبية مثل المانيا. غير ان استحقاقات نهاية الحرب الباردة وتغير الموازين الدولية والاقليمية تركت آثارها على بنية الحزب ونشاطاته, فقد تزايدت الضغوط التركية على كل من لبنان وسوريا, لانهاء دعمهما للاكراد في حين انشغل البلدان اكثر فأكثر بالنزاع مع اسرائيل. ومع نهاية الحرب الاهلية في لبنان واسترداد الجيش اللبناني لزمام السيطرة على الوضع الامني وحل الميليشيات العسكرية المحلية, اصبح حزب العمال يواجه صعوبات جدية في الاستمرار في تشغيل مخيماته ومعسكراته على الاراضي اللبنانية. ويسبب ضغوط تركيا اغلقت السلطات اللبنانية في مايو عام 1992 مخيم الحزب في سهل البقاع وذلك على اثر اتفاق تم بين سوريا وتركيا في اعقاب زيارة قام بها وزير الخارجية التركي الى دمشق. ومن ثم قرر حزب العمال نقل جميع عناصره الى شمال العراق التي بدأ يشن منها عملياته ضد الجيش التركي. بيد ان الهجمات الكبيرة التي بدأت تشنها حكومة رئيسة الوزراء التركية السابقة تانسو تشيلر عام 1993 واستمرت حتى اليوم, قد ادت الى الحاق خسائر جسيمة في صفوف الاكراد. ومن اصل اكثر من عشرة آلاف عنصر عام 1992 انخفضت اعداد مقاتلي الحزب الى ما دون الخمسة آلاف, مما سهل عملية مطاردته والحد من نفوذه ونشاطاته في المنطقة, وهو الامر الذي مكن انقرة في نهاية المطاف من تقييد نشاطات زعيم الحزب نفسه وانهاء نفوذه. ومؤخرا كشف النقاب عن نص الاتفاق الامني الذي وقعته سوريا وتركيا بخصوص حزب العمال الكردستاني وجاء فيه ان دمشق تعهدت باتخاذ كل التدابير الضرورية لمنع زعيم الحزب من دخول الاراضي السورية. كما تعهدت بعدم السماح لاعضاء حزب العمال الكردستاني باستخدام اراضيها للانتقال الى بلد آخر, وانها لن تسمح كذلك لاسلحة وتجهيزات لوجستية بدخول اراضيها ولا بدعم مالي وانشطة دعائية للحزب المذكور. واشار النص كذلك الى تزويد دمشق لتركيا بلوائح باسماء ناشطي حزب العمال الكردستاني المعتقلين في سوريا, كما وافقت دمشق على اقامة (خط هاتفي) مباشر بين المسؤولين الامنيين في البلدين وتعيين (ممثلين خاصين) اثنين والاخذ بعين الاعتبار بشكل فوري الاقتراح التركي (باقامة نظام لمراقبة فعالية التدابيرالامنية المعززة) واخيرا تعهدت سوريا باستخدام نفوذها لكي يتبنى لبنان الاتفاق ايضا. رحلة طويلة مع المتاعب ولد عبدالله اوجلان الملقب (ابو) في العام 1949 في بلدة اوميرلي باقليم سانليورفه بجنوب شرقي تركيا على الحدود مع سوريا لعائلة ريفية فقيرة. وانطلق في العمل السياسي اثناء دراسته الجامعية حيث كان يدرس العلوم السياسية في انقرة. وسجن في العام 1972 سبعة اشهر بسبب نشاطاته المعادية لتركيا والمرتبطة بالقضية الكردية. اسس اوجلان حزب العمال الكردستاني مع مجموعة من رفاقه الطلبة في نوفمبر 1978. وقد حل الحزب مكان (جيش التحرير الوطني لكردستان) الذي كان اسسه قبل اشهر. واستهدف الحزب في مرحلة اولى اقامة دولة كردية مستقلة في جنوب شرقي تركيا تشكل مقدمة لقيام (كردستان كبرى موحدة) تضم جميع الاكراد المقيمين في تركيا وسوريا والعراق وايران. وقد فر اوجلان من تركيا قبل وقوع الانقلاب العسكري الذي قاده الجنرال كنعان ايفرين في سبتمبر 1980, ومنذ العام 1981 يعيش اوجلان في المنفى متنقلا في معظم الوقت بين دمشق وسهل البقاع في لبنان والخاضع للسيطرة السورية. في اغسطس 1984 قرر اوجلان البدء بالكفاح المسلح العلني والواسع ضد انقرة بهدف اقامة الدولة الكردية وشن من اجل ذلك آلاف الهجمات المسلحة داخل تركيا وخارجها. وتطال الهجمات في الغالب القرى الكردية التي ترفض تقديم الدعم اللوجيستي للحزب او تلك التي يتمركز فيها الحراس المدنيون التابعون للجيش التركي, وفي المقابل تقوم القوات الحكومية باعمال انتقامية تصل الى حد تدمير القرى التي يشتبه في ان سكانها يقدمون مساعدات للمقاتلين الاكراد وقد بلغ ضحايا التمرد الكردي وعمليا الجيش التركي حوالي 31 الف قتيل على الاقل. كما تحتفظ السلطات التركية في سجونها بعدة آلاف من المعتقلين من نشطاء حزب العمال او المتعاطفين معه من الاكراد. ويضم الحزب جناحا سياسيا يعرف باسم جبهة تحرير كردستان اضافة الى شقه العسكري الجيش الشعبي لتحرير كردستان. وتعتبر منظمات كردية متعددة مستقرة في اوروبا مقربة من الحزب, كالبرلمان الكردي في المنفى ووكالة الانباء الكردية ومقرها المانيا وقناة (ميد ــ تي. في) التلفزيونية التي تبث انطلاقا من اوروبا. والسؤال الذي يطرح نفسه بعد كل هذا هو هل يعني نجاح تركيا في التخلص من عبدالله اوجلان واضعاف حزب العمال نهاية للنشاط الكردي المطالب باقامة دولة مستقلة؟ من الواضح ان ذلك سوف يحد كثيرا من التهديد والازعاج الذي شكله الحزب لتركيا, سيما على صعيد الخسائر البشرية وعدم الاستقرار الامني في حوالي ثلث الاراضي التركية. لكن من المستبعد ان يشكل نهاية فعلية للصراع الممتد منذ عقود بين الشعبين. والارجح ان الاكراد سوف يركزون بعد هذه التطورات على الميدان السياسي والثقافي اكثر, وربما صرفوا النظر مؤقتا عن مطلب الدولة المستقلة. غير انهم سيظلون يقلقون الدولة التركية زمنا طويلا, مدعومين بالحقيقة الديموغرافية, حيث يبلغ عدد الاكراد في تركيا حوالي 14 مليون نسمة, وتواجدا تاريخيا ضاربا في القدم, واعتزازا قل نظيره بقوميتهم الثقافية والحضارية. كاتب وصحافي بحريني*

تعليقات

تعليقات