مع الناس:بقلم-عبدالحميد أحمد

لا يكفي أن نقول أن أسعار البترول متدهورة ومرشحة الى مزيد, وأن أوضاع السوق البترولية صعبة, وأن أوبك في مواجهة مع تحدي البقاء أو الموت, فذلك كله صحيح , لولا أن الأصح ان التحدي الحقيقي هو ما يواجه الدول المنتجة, التي يهددها النفط هذه المرة بركود وتدهور دوران العجلة الاقتصادية فيها, بنسب متفاوتة. وهناك حسب الخبراء أجواء رمادية الى قاتمة تنتظر دول النفط منفردة, تهدد اقتصادياتها بسنوات عجاف مقبلة, خاصة التي لا تزال تعتمد في رسم خططها ووضع ميزانياتها السنوية وبرامج التنمية فيها على مبيعاتها من النفط, كمصدر أساسي للدخل, تتمثل هذه السنوات في موجة ركود تضرب حركة البناء والعقارات والانشاءات, وفي تضخم غير مسبوق مع انحسار القدرة الشرائية وتراجع الدورة الاستهلاكية, وما الى ذلك من آثار متوقعة. وعلى هذا ربما شهد العام المقبل 99 تراجعاً في ميزانيات دول نفطية الى الحد الذي يستطيع بالكاد الوفاء بالالتزامات الحكومية المعهودة, كاستمرار الخدمات الأساسية الصحية والتعليمية ودفع رواتب موظفي الحكومة, وتوقف تام لأية مشروعات جديدة ومصروفات رأسمالية ولأية زيادات في المعاشات بما يخفف من آثار التضخم السنوي, هذا اذا لم يمتد التراجع ليشمل بآثاره حتى الخدمات الأساسية فتبدأ عندها المشكلات العويصة والقلق الحقيقي على الاستقرار والتنمية. طبعاً منظمة أوبك تدرك هذه الأخطار جيدا, غير أنها عاجزة فيما يبدو عن مواجهتها نظراً لأن انقسامات في الرأي وخلافات مصالح ضيقة لا تزال هي المسيطرة في اجتماعاتها, وعند أي اتفاق هش, فإن خرق الاتفاق صار عادة عند دول أعضاء, كاستمرار تجاوز الحصص وعدم الوفاء بسقف الانتاج, وهو أضعف الايمان الذي لم تستطع أوبك تحقيقه, ما جعل خبراء يعتقدون فعلاً أن أوبك انتهت كمنظمة, ولا تنتظر سوى كتابة شهادة وفاتها رسمياً ثم تشييعها الى مثواها الأخير. هذا القلق من المصير المؤلم الذي ينتظر دول النفط في حال استمر تراجع الأسعار بعد أن صار يدور حول عشرة دولارات للبرميل مع ترشيحه لمزيد من الانخفاض وبالتالي الخسارة بضغوط من عوامل السوق ومنها ضغوط سياسية غربية, كالتلويح بالضريبة, هو ما دفع دولة نفطية كالجزائر الى اقتراح قمة نفطية تواجه الأزمة, أقوى وأبعد تأثيرا من اجتماعات (أوبك) , وهو ما جعل دولة كالامارات تؤيدها شعورا منها بالطبع, لا بالأزمة فحسب, بل بمسؤوليتها تجاه المستقبل. وبما أن دول الخليج تمتلك ما مقداره 84% من احتياطيات البترول في العالم, فإنها تستطيع لعب الدور الرئيسي في إعادة التماسك لأسعار النفط وفي دفع هذه السلعة الى موقع الصدارة مجددا, بما تملكه من علاقات تجارية واسعة مع المصدرين من ناحية وباعتماد أغلب مصانع الغرب على نفوطها, فيكون زمام المبادرة بيدها من جديد, وهو ما يحتاج فعلاً الى قرارات قمة شجاعة. مع ذلك فيمكن لدول نفطية حتى في حال انعقاد قمة ومشاركتها فيها, ألا تتفق مع قرارات جماعية وألا تلتزم بالدواء المر المطلوب حالياً وهو خفض الانتاج حالا, فتكون هذه ذنبها على جنبها, مقابل التزام الآخرين من القادرين على الصبر لمواجهة الانخفاض المستمر في الأسعار, أما من غير هذا الدواء, فإن على دول النفط جميعا مواجهة الفكرة بعد ان تكون قد طارت سكرة الطفرة.

تعليقات

تعليقات