بريماكوف .. هل يجلس في الكريملين عا م2000بلقلم:د. مغازي البدراوي

لقد اصبح من المؤكد رحيل الرئيس بوريس يلتسين عن الساحة السياسية في روسيا عا م2000 ان لم يحدث هذا قبلها ببضعة شهور, اذا ما تقرر اجراء انتخابات رئاسية مبكرة هناك, وهو الامر الذي تزداد احتمالاته يوما بعد يوم, ولا يبدي الرئيس يلتسين اية اعتراضات بعد ان اصبح(لا حول له ولا قوة)واصبح كل ما يتمناه الان هو ضمان بالمعاملة الطيبة له ولاسرته بعد رحيله من الكريملين . ولم يعد هناك من يتمسك بوجود يلتسين في الكريملين, وكل القوى التي أيدته عام 1996 تفككت وذهبت تؤيد وجوه اخرى تسعى إلى دفعها إلى مقعد الرئاسة. وحتى سبتمبر الماضي كانت الوجوه المرشحة لخلافة الرئيس يلتسين هي نفس الوجوه التقليدية الموجودة منذ انتخابات ,1996 ولكن بعد تولي (يفجين بريماكوف) رئاسة الحكومة في الحادي عشر من سبتمبر تغيرت الاوضاع وبدأ يطفو على الساحة شكل جديد من الصراع حول مقعد الرئاسة فرضته متغيرات جذرية وقعت مع قدوم حكومة (بريماكوف) وذهاب حكومة (كيرينكو) , وأول علامات الوضع الجديد هو انهيار وتفكك تكتل الديمقراطيين الجدد الذين ملكوا زمام الامور في البلاد على مدى السنوات السبع الماضية واداروا عمليات الاصلاح الاقتصادي المزعوم الذي جرف الاقتصاد الروسي إلى الهاوية, وكانت الازمة المالية الاخيرة في روسيا بمثابة الضربة القاصمة للديمقراطيين والتي اصبح من الصعب عليهم بعدها ان يصمدوا ويبقوا في دائرة الضوء بعد ان حازوا كما من الغضب والسخط الشعبي ربما يحول دون تمكنهم من العودة مرة ثانية إلى دائرة الصراع على السلطة قبل أقل من عامين, وهو الامر الذي يعني غيابهم عن الصراع والمنافسة في المعركة الانتخابية المقبلة, وعلى الرغم من ان الديمقراطيين الجدد كانوا يمثلون الدعامة الاساسية للرئيس يلتسين في الانتخابات الماضية التي نافسه فيها المرشح الشيوعي (جينادي زيوجانوف) بقوة وكاد ان يهزمه فيها, الا ان غياب الديمقراطيين في المعركة المقبلة لا يعني ان الساحة اصبحت خالية للشيوعيين, بل العكس هناك معركة ضارية ومنافسة اشد على الرئاسة, رغم غياب الديمقراطيين, والشيوعييون بظروفهم الحالية ليسوا في الوضع الملائم الذي كانوا عليه في انتخابات ,1996 وهناك تشتت كبير في صفوفهم حيث انفصلوا عن الحزب الشيوعي الروسي الذي يرأسه (زيوجانوف) كل التيارات الشيوعية الراديكالية المتطرفة, ومنها المجموعات الستالينية التي يزيد عددها في انحاء روسيا الان عن عشر مجموعات, ومجموعة (انبيلوف) التي شكلت قوة فاعلة في الانتخابات الماضية, ومجموعات واحزاب يسارية اخرى وقفت خلف (زيوجانوف) وحزبه في انتخابات 1996 ثم انفصلت عنهم اعتراضا على مراهنات وتقارب الحزب الشيوعي من السلطة وتأييده للعديد لمواقفها وتخليه عن المبادىء الماركسية اللينينية, ورفعه لشعارات هادئة تجعله اقرب لتيار اليسار الوسط السائد وسط الاشتراكيين في اوروبا الشرقية الان. وعلى ما يبدو أن الشيوعيين يشعرون بضعفهم الحالي وربما هذا ما يدفعهم حاليا لعقد تحالفات مع قوى اخرى يخوضون معها معركة الانتخابات المقبلة والتي ربما تتم قبل موعدها اذا استدعت الظروف ذلك خاصة مع التدهور الواضح لصحة الرئيس يلتسين. ومن الوجوه المنافسة على الرئاسة بشكل واضح من الان عمدة موسكو (يوري لوجكوف) البالغ من العمر 62 عاما, والذي لا ينتمي لاي حزب سياسي, وكان من اشد المؤيدين للرئيس يلتسين في الانتخابات الماضية, وقد اعلن (لوجكوف) صراحة في الايام الاخيرة بأنه سوف يخوض انتخابات الرئاسة المقبلة مستعينا بتحالف احزاب الوسط واليسار, ويشير البعض إلى أنه هناك مشاورات ومفاوضات تتم الان بين الشيوعيين ولوجكوف للاتفاق على خوض معركة الانتخابات المقبلة من خلال جبهة واحدة, ولا يريد الشيوعيون الاعلان عن هذا التحالف من الان حتى لا يفقدهم هذا قاعدتهم الشعبية من الملايين من الروس الذين يعانون من الازمة الاقتصادية ويعيشون تحت خط الفقر ويحلمون بعودة الشيوعية, خاصة وان عمدة موسكو (لوجكوف) معروف بثرائه الفاحش وارتباطه برجال الاعمال والبنوك وسيطرته على العديد من قنوات التلفزيون والصحف ومساهماته في اكبر المؤسسات الصناعية في العاصمة وعلاقاته المتميزة مع الكنيسة الروسية والتي تثور حولها الاقاويل في سرقة الملايين من التبرعات, هذا إلى جانب الكثير من الشبهات التي تحوم حول (لوجكوف) في ارتباطه بعصابات المافيا الكبيرة في روسيا. وعلى الرغم من انجازاته الكبيرة في العاصمة موسكو الا ان شعبية (لوجكوف) ليست قوية في باقي انحاء روسيا, وتواجهه في الانتخابات معضلة نفسية غير مفهومة وهي انه لم يحكم روسيا حتى الان رئيس من موسكو, ويفسر البعض هذا بحقد دفين لدى الشعب الروسي على اهل العاصمة الذين يستأثرون دائما بأفضل المميزات. وعلى الجانب الاخر من ساحة الصراع على مقعد الرئاسة في روسيا يقف رئيس الوزراء الاسبق فيكتور تشيرنوميردين, والذي يسعى هو ايضا لخوض الانتخابات معتمدا على تحالف ضعيف وغير واضح المعالم من بعض التيارات من اليمين والوسط, وفي الوقت الذي يحمل فيه الديمقراطيون حكومة تشيرنوميردين المسؤولية عن الازمة الاقتصادية يصفه منافسة (لوجكوف) بأنه متقاعد سياسي لا يصلح لقيادة روسيا. من ناحية أخرى مازال الجنرال (الكسندر ليبيد) حاكم اقليم (كراسنا يارسك) وممثل التيار القومي يتطلع بدوره إلى مقعد الرئاسة والذي نافس عليه عام 1996 واحتل المركز الثالث في المنافسة بعد يلتسين وزيوجانوف, ويعتمد ليبيد في المنافسة على رصيده من الإنجازات التي حققها أثناء توليه منصب السكرتير العام لمجلس الأمن القومي الروسي عام 1996 والذي استطاع من خلاله وبمجهود شبه فردي وقف الحرب في الشيشان, إلا أن ليبيد رغم شخصيته الصلبة والقوية وشعاراته التي يرفعها ويعد فيها بعودة روسيا دولة عظمى لها مكانتها وهيبتها على الساحة الدولية يفتقد بشكل كبير إلى الحنكة والخبرة السياسية وأيضا الى المؤسسة التنظيمية القوية التي يستطيع ان يخوض بها الانتخابات المقبلة. وفي الوقت الذي خسر فيه الزعيم القومي المتطرف فلاديمير جيرنوفسكي العديد من أسهم في الصراع على السلطة وتفكك حزبه وأصبح غير قادر على خوض معركة ثالثة من الانتخابات, لم يعد في قائمة المصارعين على الرئاسة في روسيا من القوى التقليدية الموجودة على الساحة سوى زعيم التكتل الديمقراطي في البرلمان (جريجوري يافلينسكي) والذي لم يستطع خلال الدورتين السابقتين ان يحقق إنجازات ملحوظة, إلا أنه بقي في دائرة الضوء مستعينا في ذلك بسمعته الطيبة الى حد ما وعدم تلوثها بما أصاب الديمقراطيين الآخرين المتهمين بالفساد وجمع الثروات والعمل لحساب الغرب, ولكن رغم هذا يبقى أمل (يافلينكسي) ضعيفا في خوض انتخابات الرئاسة وتحقيق نتائج ايجابية فيها طالما لم تتفق عليه كل الاحزاب الديمقراطية في روسيا. في ظل هذا الصراع الدائر في روسيا حول خلافة يلتسين والذي يعكس بوضوح عدم وجود الشخصية القوية المؤهلة للجلوس في الكريملين في نهاية العام المقبل وسط المرشحين التقليديين لخوض معركة إنتخابات الرئاسة يبرز إسم (يفجيني بريماكوف) ويتردد بشدة على ألسنة الكثيرين كمرشح أمثل لخلافة يلتسين في رئاسة روسيا, وهو الموضوع الذي أصبح الآن حديث العديد من الدوائر السياسية, في داخل روسيا وخارجها, هذا على الرغم من أن (بريماكوف) منذ توليه رئاسة الحكومة في منتصف سبتمبر الماضي لم يحقق أية إنجازات تذكر في مواجهة الأزمة الاقتصادية في روسيا, والإنجاز الوحيد الذي حققه بشكل نسبي هو ضمان إستقرار الأوضاع على ما هي عليه وعدم إنهيار الوضع السياسي والاجتماعي والأمني داخل روسيا رغم إستمرار الأزمة وتفاقمها, وهذا في حد ذاته يعتبره البعض إنجازا كبيرا لو استطاع (بريماكوف) الحفاظ عليه لفترة طويلة ربما يشكل أكبر رصيد له إذا ما فكر في خوض معركة انتخابات الرئاسة. ويتميز (بريماكوف) عن غيره من منافسين على رئاسة روسيا بمميزات عديدة منها: الإجماع شبه الكامل على توليه إدارة الحكومة في ظل الأزمة من كافة القوى والإتجاهات والأحزاب السياسية والتأييد الشعبي الكبير له, فقد حصل على 315 صوتا في البرلمان واعترض عليه 63 فقط من القوميين المتشددين أنصار (جيرنوفسكي) الذين ليس لديهم أي أمل في استقطابه لجانبهم, ولم يحصل أحد قبل بريماكوف على هذا التأييد, كما يتمتع بريماكوف بسمعة طيبة رغم شغله عدة مناصب هامة في الحكومة إلا أنه ظل بعيدا عن شبهات الفساد ومداهنة السلطة والسعي للمناصب, ولم ينتم لاي حزب أو تيار سياسي, ولم يحسب على أي مجموعة من مراكز القوى من اصحاب النفوذ أو رجال الأعمال او المجموعات المالية التي ينتمي إليها أغلب رجال السياسة في روسيا, كما أنه من المعروف عن بريماكوف تمسكه الشديد بالحفاظ على سمعة روسيا ومكانتها على الساحة الدولية, وقد انعكس ذلك بوضوح في ادارته للسياسة الخارجية منذ توليه وزارة الخارجية في يناير 1996 خلفا لسلفه (أندريه كوزيريف) الذي إشتهر عند ولائه الكبير للغرب, ويحسب لبريماكوف دوره الكبير في انقاذ جهاز المخابرات الروسي من الإنهيار عندما تولى رئاسته عام 1995. هذا كله الى جانب الكفاءات الشخصية التي يمتلكها بريماكوف وعلى رأسها الخبرة السياسية الطويلة التي اكتسبها على مدى أربعين عاما من العمل السياسي الذي تمرس فيه بعد حصوله على الدكتوراه في العلوم الاقتصادية من جامعة موسكو عام 1956 ثم عمل في الصحافة التي كانت مرتبطة في العهد السوفييتي ارتباطا وثيقا بالسياسة والعمل الحزبي, خاصة وأنه عمل في جريدة (برافدا) لسان حال الحزب الشيوعي السوفييتي طيلة سبعين عاما, ثم عمل مراسلا صحفيا في القاهرة في الفترة من عام 1966 حتي ,1970 وعاد بعدها الى موسكو ليكمل دراسته الاكاديمية ويحصل على دكتوراه الدولة في العلوم الاقتصادية, وكان موضوع أطروحته العلمية (التطور الاجتماعي والاقتصادي في مصر) ونال عنها درجة (بروفيسور) وأصبح عضوا في اكاديمية العلوم السوفييتية عام 1979 وهي أعلى درجة علمية ينالها العلماء السوفييت. والى جانب عمله العلمي والاكاديمي ترقى بريماكوف في المناصب الادارية والحكومية وكان نشاطه مرتبطا دائما بوزارة الخارجية وجهاز المخابرات, ورغم هذا لم يجرؤ أحد على إتهام بريماكوف حتى الآن بأنه كان أحد أدوات القمع والارهاب التي كانت تمارسها (كي جي بي) ربما لأن شخصية بريماكوف ذاتها تجعله بمنأى عن أية شهبات, أما ارتباطه بجهاز (كي جي بي) فهو أمر كانت تستدعيه دواعي الظروف والعمل في زمن الاتحاد السوفييتي ولم يخجل بريماكوف مثل غيره من العمل مع (كي جي بي) وعندما تقرر أن يترك المخابرات ويعمل وزيرا للخارجية قال في وداعه لرفاقه في الجهاز (لقد نشأت وترعرعت في أحضان جهاز المخابرات). ومن المعروف عن (بريماكوف) أنه صاحب فكر وثقافة عالية, وله العديد من المؤلفات التي ارتبطت بتوجهاته الفكرية ودراساته للغة العربية وانجذابه للثقافة والحضارة العربية وتأييده لقضايا الشعوب العربية, ومن أشهر مؤلفاته في هذا المجال كتاب (مصر في عهد الرئيس ناصر) وكتاب (البلدان العربية والكوليناليه) والذي استعرض فيه حركات التحرر العربي في بداياتها, وكتابه (المشكلة الفلسطينية في القرن العشرين) الذي وضعه عام 1981 ودافع فيه عن حقوق شعب فلسطين وهاجم فيه سياسة اسرائيل التوسعية والعدائية للعرب, هذا الى جانب العديد من المقالات التي دافع منها عن حق شعب فلسطين في تقرير مصيره واقامة دولته على أرض فلسطين العربية. ولا يفوتنا ان ننوه ونحن نتحدث عن اهتمامات بريماكوف وتوجهاته وانجذابه للعرب الى هويته الدينية, والتي تثير تساؤلات عديدة لدى البعض, فمن المعروف عن بريماكوف أنه يهودي الديانة وينتمي الى أبوين يهوديين, ورغم هذا فإنه غير محبوب بالمرة لدى اليهود سواء في روسيا او خارجها, ويفسر البعض هذه المسألة بأن (بريماكوف) ينتسب الى من يطلق عليهم (اليهود السوفييت) وهم فئة من اليهود الروس الذين نموا وترعرعوا في أحضان الحزب الشيوعي السوفييتي, ويتهمهم باقي اليهود بأنهم شاركوا في الاضطهاد والعزلة التي عانى منها اليهود في روسيا في زمن الاتحاد السوفييتي منذ عهد ستالين الذي كان يتهم أغلبهم بالعمالة للغرب, وكان الحزب يستبعدهم من كافة المناصب والمهن الحيوية والحساسة, بينما فئة اليهود الذين يطلق عليهم (السوفييت) كانوا يتولون المناصب ويحظون برعاية الحزب, ولهذا اتهمهم البعض بخيانة اليهود وشبهوهم بــ (يهود النازي) الذين ساعدوا هتلر في اضطهاد اليهود, وقد حاول البعض تشويه سمعة (بريماكوف) بأنه يهودي وقال عنه (جيرنوفسكي) بأنه عميل قديم للمخابرات الأمريكية, ولكن هذا القول لم يصمد أمام الحقيقة القوية التي يعكسها الحماس الواضح للجميع لدى بريماكوف لقضايا العرب وهجومه على اسرائيل ونقده لسياساتها, ولا يتصور في شخص أن يكون عميلا لواشنطن بينما كل مؤلفاته وكتاباته تمتلىء بالهجوم والنقد لها ولحلفائها وتدافع عن حقوق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم وإقامة دولتهم على أرض فلسطين. وبعد أن وضع يلتسين ثقته النهائية في بريماكوف وخوله بعض السلطات الهامة التي لم يكن أحد يتوقع أن يتنازل عنها يلتسين لغيره حتى أصبح بريماكوف واقعيا وعمليا هو الذي يدير زمام الأمور في روسيا, هل هذا يعنى أن بمقدور بريماكوف أن يطمح ويسعى للجلوس في الكريملين عام 2000؟ المراقبون في روسيا يقولون أنه اكثر حظا من غيره في هذا المجال, ويضيف المحلل السياسي الروسي (سيرجي ديبوق) قائلا أنه حتى لو لم يحقق (بريماكوف) نجاحا ملحوظا في مواجهة الأزمة الاقتصادية فإنه يبقى الوجه الافضل والاكثر حظا في المرشحين للجلوس في الكريملين عام 2000. وفي احصاء للرأي أجراه أحد المعاهد المتخصصة في موسكو ونشرت نتائجه في مجلة (كوميرسانت) ديللي) الروسية في اوائل نوفمبر حول أكثر المرشحين لرئاسة روسيا حظا عام 2000 جاءت النتائج كالتالي: بريماكوف 33%, زيوجانوف الشيوعي 21%, عمدة موسكو لوجكوف 17%, الجنرال ليبيد 12%, الديمقراطي يافلينسكي 11%, تشيرنوميردين 3%, جيرنوفسكي 3%, ولم يحصل الزعيم السوفييتي السابق جورباتشوف على أي نسبة من الأصوات. ويبقى السؤال: هل لدى بريماكوف النية والاستعداد لخوض معركة الرئاسة؟ يؤكد الكثيرون على أن الفكرة بدأت تراود بريماكوف بالفعل, وأن بعض الاحزاب السياسية قد عرضت عليه التحالف معه وتأييده في المعركة الانتخابية, وهذا ما سوف تكشف عنه مجريات الأمور في روسيا في المستقبل القريب.

تعليقات

تعليقات