أبجديات، بقلم:عائشة إبراهيم سلطان

سمعت وربما قرأت بأن الطغيان أو الاستبداد بضاعة شرقية خالصة, حتى وان تداولته أمم الأرض كلها, لكنه في الشرق مختلف, فهو ينبت ويترعرع ويستمر إلى ما لا نهاية, فإذا أراد الشرقي ان يتخلص منه فلابد من المواجهة المصيرية التي ترفع شعار(البقاء أو الفناء).ففي اندونيسيا ــ كمثل لا أكثر ــ كان سوهارتو وأبناؤه ثابتين, وكان الطغيان سمة الحياة, الطلاب قلبوا الدنيا رأسا على عقب وأزاحوا سوهارتو, ورقصوا حتى الفجر, ولكن بعد زمن طويل نبت خلاله للفساد آلاف المخالب الاستسلام للطغيان في بلاد الشرق يستمر طويلا لسبب واحد ــ حسب ظني ــ هو ان الشرقي مستعد بحكم التربية والمحيط لقبول الطغيان كأحد طبائعه الملازمة, لذلك فإن الخروج عليه يتحول إلى زلزال لا يبقي ولا يذر, لكن الذي يأتي بعد هدوء الزلزال ليس بأفضل مما كان قبله. في اندونيسيا ــ مرة اخرى ــ هل (حبيبي) أفضل من سوهارتو؟ لم يثبت ذلك بعد, وهل هدأ الشارع الاندونيسي منذ مايو الماضي؟ يبدو ان الطغيان لا يفرز فسادا وقططا سمانا وجوعى فقط, انه ينشر الفوضى كداء عام, فلا يعود الناس يعرفون غير الفوضى للوصول إلى مطالبهم, الطغيان يؤخر مسيرة الحضارة ويقضي على كل الانجازات... ويصيب الناس بالعمى! الطغيان في شرق آسيا وشمال العالم وفي كل مكان, يشغل الناس بالزعيق في فضاء البحث عن العدالة والحرية والخبز, ويظل الزعيق لكن الفضاء يضيع بعد حين, ويعود الناس الى بيوتهم وحاراتهم وأعمالهم, يعودون ليعلموا أبناءهم وبتقاليد شرقية صارمة كيفية الخضوع للطغيان!! في الشرق يدرب الناس أبناءهم على الخوف من التغيير, ومن قول الحق والصراحة, ومن الدخول في حوارات حول قضايا معينة مع (الغرباء) ويمعنون في تحذيرهم من (رجال أمن) وهميين يصطنعونهم ويبثونهم في ثنايا المكان والزمان, فيزرعون فيهم الخوف وينشئونهم على تقديس جبروت الطغيان. ولذلك فليس من المبالغة ان نقول بأنه (ليس ثمة أندر من الطغيان الذي يشيخ) بمعنى ان الطغيان يتجدد مع القادمين المؤمنين بنفوذه مع ان الواقع ــ كما قال فولتير ــ (ان يكون كل امرىء جنديا ضد الطغيان) . والطغيان ليس شأنا سياسيا من اختصاص الطغاة, ففي داخل كل شخص تربى على احترام الطغيان طاغية يبرز (مواهبه) كلما أتيحت له الفرصة, في العمل مع مرؤسيه, في المدرسة مع طلابه, في الحياة مع أصحابه أو أبنائه أو زوجته, في النقابة والجمعية وحتى أثناء قيادة السيارة!! وكل من يعتقد بأن من حقه ان يؤذي الآخرين بلا سبب, وان يخطىء في حقهم متى شاء لأن مزاجه يدفعه لذلك, وأن يحصل على تسهيلات معينة بطرق ملتوية تتيحها له الظروف, وأن يستغل منصبه, أو العاملين معه و... الخ, كل واحد من هؤلاء طاغية وإن لم يجلس على عرش الامبراطورية.

تعليقات

تعليقات