أنا وهيكل وأم فهد: صحفي بمرتبة عراف: بقلم- د. محمد الرميحي

سامحها الله ام فهد جارتنا العزيزة فلولاها لما كتبت هذه المقالة, وام فهد منذ فترة تهتم بالشأن العام وتتابع ما يقال ويذاع خاصة على القنوات المنتشرة كالفطر في سماوات العرب , لذلك عندما ظهر الاستاذ حسنين هيكل الكاتب المعروف على شاشة التلفزيون في الاسبوع الماضي مع المحاور عماد الدين اديب في المحطة الثانية للأوربت, خابرتني تلفونيا حتى تلفت نظري الى الموضوع حرصا منها على ان اتابع حوارات الاستاذ الشهير, كنت قد جئت توا من عمل شاق وفي حاجة للاسترخاء والبحث عن شيء يبعث الترفيه عن النفس بدلا من متابعة أمثال هذه الموضوعات الخلافية, وكنت ازمع ان اشاهد مقابلة للعقيد القذافي في برنامج حواري تلفزيوني آخر, فقد تكاثرت الحوارات علينا في هذه الغابة من البث الدولي, وقد تزامن ذاك البرنامج مع برنامج (هيكل ـ عماد الدين) , فربما كانت مقابلة الرئيس القذافي اخف دما واكثر عفوية واقل تصنعا وتغييرا للاراء, ولكن ام فهد اصرت على ان اتابع (هيكل ـ عماد) كي تعرف رأيي بعد اللقاء والمناقشة, فكان ان امتثلت, ومن يعرف جارتنا ام فهد يعرف انه لا مرد لطلبها. وبدا ان مناسبة الحوار هي الاحتفال السنوي بالبرنامج الحواري في محطة الاوربت, وكان من المعقول اعلاميا ان يأتي مقدم البرنامج بوجه مازال يحتفظ ببعض البريق لدى طائفة من الناس, فان هيكل, وصاحب البرنامج ليس ملومين في ذلك فقسم عام من الاعلام يعتمد على التسويق واختيار السلعة المناسبة في الوقت المناسب, ولا اعتراض لي على ذلك, ومثلي وغير لا تفاجئهم مفاهيم الاستاذ هيكل وادواته المعرفية وانتقائيته للحقائق التي يطلقها, الا اني خفت ان تأخذ ام فهد انطباعا غير دقيق, فهي سيدة متوسطة التعليم قليلة الخبرة خاصة عندما يبحر بها محترفو الاحاديث السياسية في هذه الامور. بدأ البرنامج بتحية من الاستاذ هيكل, على الا يفسرها ولا يسأل عنها مقدم البرنامج, دليل تمسك الاستاذ بالديمقراطية, فهو يجيب ولا يجاب ويسأل ولا يساءل, وهناك منا من يفهم الديمقراطية هكذا, والتحية التي وجهها هيكل كانت للمرحوم جمال عبدالناصر, وهو لم يكتبها من قبل كما قال, لان النقد لمن في القبور اسهل كثيرا من النقد لمن في القصور, فقد قال في بداية البرنامج انه عندما وجد الكثير من الضباط الاحرار في اول عهد الثورة المصرية لا يتمتعون بمنطق مقبول (التعبير الاخير من عندي تخففا من التعبير الذي استخدمه الاستاذ) سأل هيكل عبدالناصر, او ربما عبدالناصر لمح التساؤل في عيني الصحفي, فأخذه جانبا وقال له, ان هناك ثلاثة انواع من الضباط الذين انتظموا في سلك الضباط الاحرار, بعضهم مقامر, وبعضهم مجنون, وبعضهم غير مكترث, ثم اضاف الاستاذ هيكل مفسرا قوله ذاك ان كل ذلك صحيح, حيث مَـنْ مِـن الناس تقول لهم سنة 1948 ان يشاركوا معك في تنظيم لقلب نظام الحكم فيوافقون؟ لابد انهم حمقى, وهكذا في ضربة واحدة يمزق الاستاذ هيكل صفحة من صفحات التحرر الوطني العربي لاغيا كل ما قيل عن الحركة الوطنية المصرية التي كانت تسعى للاستقلال وتطالب بالجلاء وناسيا ان هؤلاء الضباط هم الذين ذاقوا الهزيمة المرة على ارض فلسطين بسبب السلاح الفاسد وتآمر اعوان الاستعمار عليهم, وهم الملك والسرايا, هكذا يحول هذه الثورة الى فعل من المقامرة والحماقة, هذه التحية المبطنة والتي تأخذ اكثر من معنى والتي لم يرغب الاستاذ هيكل ان يناقشها عبرت عن معنى واضح يكاد يقول فيه ان ما تم في السنوات العشرين من عمر الثورة المصرية هو نتاج هؤلاء الناس, ونعود الى الارشيف لنرى رأي الاستاذ هيكل في الثورة وصناعها, حيث كتب في الخمسينيات يقول: (لقد عرفت كل شعوب الارض ثورتين, ثورة سياسية سمحت لها بأخذ حقها في حكم نفسها, وثورة اجتماعية ترافق صراع الطبقات ادت في النهاية الى ارساء نظام المساواة, اما بالنسبة لنا فقد قيض لنا بعد تقلبات وظروف متعددة ان نعيش في نفس الوقت هاتين الثورتين معا) من يقرأ هذا الارشيف في السابق, يعجب للتحية اللاحقة التي بدأ بها الاستاذ في البرنامج اياه, فأي الرأيين هو الصواب؟ قلت في نفسي بعد ان سمعت عن المغامرين والمجانين: يالها من بداية عجيبة! تراه اراد هنا مدح ام ذم من قام بالثورة, وان كان ماتم في مصر وقتها, ولفترة طويلة هو من عمل رجال تملكهم الهوس بأشكاله المختلفة, فهل هو نتاج طيب ام خبيث؟ ولكني عزيت نفسي بان هذا مجرد مقدمة ربما تكون مشوقة لما سيأتي, فلا عجالة في الحكم ورغم انني لم اكن املك قلما وورقة وانا اتابع الحوار الا انني لم املك نفسي من ان اقع اسيرا لثلاث ملاحظات رئيسية على الاقل: اولا: قول الاستاذ ان دول اعلان دمشق الثماني في موقفهم السياسي في الاجتماع الاخير الذي عقد في دولة قطر قد خلقوا تبريرا عربيا مؤيدا للموقف الدولي ضد النظام العراقي, وانه لولا هذا الموقف من دول اعلان دمشق, لما استطاعت الدول الاخرى خاصة امريكا ان تقف هذا الموقف الحازم ضد عبث النظام العراقي, وهذا قول مردود عليه وببساطة السذج, فالموقف العالمي ضد بغداد لم تحسمه مواقف دول اعلان دمشق, لانها طالبت بغداد كما فعلت في السابق بان تنفذ قرارات مجلس الامن ذات الصلة, كما ان طه ياسين رمضان قد خرج على العالم من خلال تصريحات تلفزيونية ليقول ان الجامعة العربية ضدنا وان معظم البلاد العربية ضدنا, فلماذا يخصص الاستاذ هيكل التصريحات الخارجة من اجتماع دول دمشق على انها الثقاب الذي اشعل ردة الفعل الدولية على الاستهتار البادي من النظام العراقي تجاه شعبه وتجاه العالم, علما بأن هذه الدول الثماني ذاتها كانت ضد احتلال العراق للكويت في سنة 1990, ولم يكن النظام العراقي وقتها ليأبه بها, او بمواقفها, ولقد بدأ هذا التفسير ساذجا وربما سطحيا الى حد بعيد. ثانيا: في اشارته لنظرية المؤامرة المحببة الى مفكري عهد الستينيات في العالم العربي الذي استمد منطقه من نظريات الحكم الشمولي يقول الاستاذ هيكل ان القرار (بضرب العراق) قد اتخذ في الايام الاولى من شهر اغسطس 1990, ويشير الى مذكرات شوارزكوف, والى مذكرات الرئيس بوش التي نشرت مؤخرا, ولأن الأستاذ يعرف أن الكثير من المشاهدين لم يتسن لهم قراءة أي منهما فهو ينسب إليهما ما هو غير صحيح, وقراءة متأنية للمذكرات التي ذكرت تعطي القارىء الفطن شكل الضغط الذي كانت تعاني منه الادارة الأمريكية ــ كأي ديمقراطية ــ من اجل الوصول الى قرار صعب هو الدخول في حرب على أرض خارجية, وهو قرار كان من الصعب على أي رئيس أمريكي اتخاذه بسبب عقدة التدخل الشهير في فيتنام, ولعل التصويت المشهور في مجلس الشيوخ الأمريكي, والذي كان متقاربا مع وضد فكرة الحرب, يذكر بعضنا كم من المساحة التي قدمت للنظام العراقي كي يتراجع عن فعلته الشنعاء, بل ان المصادر العراقية ذاتها, والتي وثقها بعد ذلك أناس خدموا في ظل هذا النظام وتركوه لاحقا, تقول بما لايدع مجالا للشك أن النظام نفسه لم يكن يتوقع ان تنشب حرب بناء على مصادر تفسيره لما يدور, وقد أورد الأستاذ هيكل نفسه في كتابه (حرب الخليج) عشرة أسباب جعلت النظام العراقي, يوقن ان أمريكا لن تجرؤ على خوض حرب ضده وهذا ما جعله رافضا لكل أنواع الحلول عربية كانت أو دولية, فيجيء الأستاذ هيكل اليوم كي يعزف على معزوفة الوعي الغائب لدى البعض, ليقول ان القرار اتخذ مبكرا, ثم السؤال الأهم متى يريد الأستاذ هيكل ان يتخذ القرار بطرد محتل وغاصب, وتحت أية ظروف؟ ثالثا: وهنا يتحول الصحفي الى عرافة محترفة وهو يؤكد أن صدام حسين قد تخلص من كل الأسلحة ذات الدمار الشامل بمجرد انتهاء الحرب وطرده من الكويت, مبررا ذلك بالقول ان صدام حسين كان يريد بفعلته تلك (التخلص من الأسلحة) حتى يتخلص من العقوبات بشكل سريع. وهذه أطروحة جديدة من أطاريح الأستاذ تدحضها الشواهد العملية, فلو كان صدام قد تخلص من أسلحة الدمار الشامل ما كان للجنة تصفية السلاح من عمل, وما كانت الدول المختلفة مثل روسيا وفرنسا وغيرها من الدول التي يعتبرها صديقة تصر على استكمال البحث عن السلاح المحظور, ودعنا الآن من الولايات المتحدة أو بريطانيا, فهل يعلم الأستاذ مالا يعلمه أحد؟ ثم وهو الموضوع الأكثر إثارة ــ ماذا عن الأسرار التي كشفها حسين كامل بعد هروبه الكبير من بغداد, وقد عرف القاصي والداني انه قدم اسرارا جديدة اضطرت المؤسسات المختصة لدى الأمم المتحدة أن تعيد فتح ملفات السلاح ذي التدمير الشامل من جديد, وحتى اقطع الشك باليقين في هذا الموضوع أعود الى الأرشيف وانقل عن حسين كامل قوله (ان صدام حسين قد بنى قوة دفاعية من الأسلحة المتطورة والخطيرة القادرة على إنزال أقصى الخسائر بأية قوة في العالم) وهل يعرف الأستاذ مرة أخرى أكثر مما يعرف القريب النسيب صاحب ملف الأسلحة نفسه؟ لقد ذكر الأستاذ بنفسه في كتاب (حرب الخليج) الذي أجد نفسي مضطرا الى العودة اليه ان معظم المعلومات التي تمتلكها أمريكا عن أسلحة العراق التدميرية قد تقدم بها متطوعا أحد الخبراء الأكراد الذين لجأوا الى الشمال اثر القصف العراقي لمواطنيه, لقد كان هذا الرجل يملك سجلات كاملة, بكل النشاطات العراقية وهو ما جعل أمريكا تصر على البحث وراء كل هذه التفاصيل, أي ان البحث هنا لايدور وفقا للظن أو الرجم بالغيب, ولكن يدور وفق تفاصيل محددة ومعلومة, فالعراق ليس دولة منتجة للأسلحة وما عقدته من صفقات بهذا الخصوص مع الشركات الأجنبية ليس سرا, والخبراء يبحثون عن أشياء دخلت الأراضي العراقية بالفعل ولن تفيد النظام العراقي محاولات الخداع والتمويه التي يقوم بها وإذا كان الأستاذ هيكل من فرط حبه لهذا النظام يدافع عن امتلاكه لهذا السلاح فلعله يملك نفس المنطق لتبرير أفعاله في ضرب قسمين من شعبه هما الأكراد في الشمال والشيعة في الجنوب بهذه الأسلحة غير الموجودة! هذه بعض الملاحظات على ذاك اللقاء التلفزيوني المطول ذي التوجه الواحد, وليس كلها ومجمل الحوار ليس بجديد على اطروحات الأستاذ هيكل القديمة, إلا ان مجمل القصد في تلك المقابلة هو تبييض وجه النظام العراقي الذي اضطهد شعبه كما لم يضطهد شعب من قبل, ولقد كان بود المتابع أن يشير السيد هيكل الى بعض سلبيات هذا النظام, ولو اشارة عابرة, ولعله استمع إبان الأزمة الأخيرة إلى تصريح طارق عزيز بالانجليزية ان الشعب العراقي يموت, فلا يضيره أن يموت في المستشفيات أو تحت وابل القنابل, مثل هذا النوع من التصريحات تعطي بفلتات اللسان تصورا واضحا عن قيمة الانسان العراقي عند هؤلاء. وجدت بعد أن تكونت لدى بعض الملاحظات أن أم فهد تهاتفني من جديد, وتقول بلهجة الواثق: ليس عند الأستاذ جديد, ولم يتحدث إلا عن قضايا سئمناها, وهي متناقضة وغير مقنعة. عندها تنفست الصعداء, فقد كان خوفي أن يغتر البعض بما يطرح الأستاذ, وان كانت أم فهد ببساطتها وعفويتها لم تخدع بالكلام الذي دار وعرفت غثه من سمينه, فليس هناك خوف من أن يخدع الكثيرون, فقد ذهب وقت تزييف وعي المواطن العربي, وعلي أن أنام أو أدير المؤشر لمحطة ترفيهية ــ بعد يوم طويل ومرهق ـ قرير العين, ولكنها فاجأتني بسؤال لم أجد الإجابة عنه, لقد قالت: لماذا احتوى البرنامج بعض الاسئلة الساذجة التي تخص الأستاذ الذي لايجيب عنها إلا بضمير أنا, قلت: لقد عرفت وعرف المشاهد وتصبحين على خير يا أم فهد.

تعليقات

تعليقات