عندما يكون الساسة ضيوفاً على المثقفين:بقلم- محمد صادق الحسيني

تشهد العلاقات الايرانية ــ العربية تنامياً ملحوظاً منذ تسلم الرئيس محمد خاتمي الرئاسة في ايران, وقد تسارعت وتيرة التقارب في الآونة الاخيرة بشكل واضح حتى باتت على جدول اعمال كل مسؤول ايراني اياً كان الحقل الذي يهتم به في ادارة شؤون الدولة, كما اصبحت الزيارات التي يقوم بها المسؤولون الايرانيون الى البلاد العربية او الزيارات التي يقوم بها المسؤولون العرب الى الديار الايرانية متصلة ببعضها البعض دون انقطاع. الذين رصدوا هذه الحركة المتنامية للتقارب بين الكتلتين الاهم في العالم الاسلامي كما في الشرق الاوسط قرأوا فيها ايضاً مؤشراً على غلبة الثقافة للسياسة او انتصار للمثقفين في عالم السياسة الاحدب لا سيما في هذه الايام العصيبة من ايام العرب والمسلمين. في الاجتماع الثاني لوزراء الثقافة للبلدان الاسلامية الذي انعقد مؤخراً في الرباط لم يجد المجتمعون بداً سوى ان يعلنوا مساندتهم الكاملة للمبادرة التاريخية للرئيس محمد خاتمي باعلان العام 2001 عاماً للحوار بين الثقافات والحضارات, بل وان يشددوا على كونهم معنيين بهذه المبادرة لكونها تعبر عن ثقافة مجتمعاتهم الاسلامية الاصيلة. هذا الانتصار للثقافة والمثقفين وجد نفسه كذلك عياناً في رسالة الرئيس محمد خاتمي الى ملك المغرب الحسن الثاني حيث فضل ان يكلف بحملها رجلاً مثقفاً قبل ان يكون وزيراً وهو وزير الثقافة الايراني وان كانت المسألة تبحث في قلق الحكومة الايرانية من ازمة العراق مع الامم المتحدة والولايات المتحدة والمجتمع الدولي وضرورة البحث عما يرفع المعاناة عن الشعب العراقي. الوزير الايراني الذي اجتمع بملك المغرب وبستة من وزرائه وبعشرات من كبار رجال الادب والثقافة في الديار المغربية كان يستمع اليهم دون مترجم ويكلمهم بلغتهم العربية الاصيلة دون اكتراث للبروتوكول واعبائه المتوارثة عبر اجيال من رجال الدولة والسياسيين. بالمقابل فان الجانب المغربي ولشدة ما استأنس بهذه المقاربة الايرانية بين التراث والثقافة فإنه قدم محضراً لمذكرة تفاهم بين بلاده وايران كتب في اسفله حيث يجب ان يوقع الجانب الايراني (الجمهورية العربية الاسلامية الايرانية) ولم يلتفت احد لاعلان ايران دولة عربية من الجانب المغربي الا في اليوم الثاني عندما جلس المترجم يدقق في المحضر لنقله الى اللغة الفارسية!! مندوبة التلفزيون المغربي بدورها وهي تستعد لتسجيل مقابلة مع الوزير الايراني لم تجد ضيراً في ان تسأله باهتمام خاص عن تأثير المؤتمر الاسلامي لوزراء الثقافة على الامة العربية ظناً منها بأنه احد الوزراء العرب مستغربة على الوزير عدم استعداده للتسجيل باللغة العربية رغم استنجاده بالبروتوكول وكأن اعتقادهم الجازم كان يقول لها بأن ايران دولة عربية, فما بال الوزير لا يكلمها باللغة المشتركة بينهما. من جانبها فإن النخبة المغربية المثقفة كانت قد أجمعت وعلى مدى امسيتين متتاليتين جمعتها مع الوزير الايراني في كل من الدار البيضاء والرباط والذي فضل الاجتماع بها بعيدا عن البروتوكول, بأن الشأن الايراني كان باستمرار شأنا وطنيا مغربيا, رغم وصول أخباره بالواسطة وعبر البحار المتقطعة وفي كثير من الاحيان مشوشا ومشوبا بالتحريف. وعندما اقترحنا عليهم (حوارا) ايرانيا ــ عربيا أو مغربيا أصرت على تسميته بــ (اللقاء) بدلا عن الحوار, ذلك لأن اجتماع المثقفين العرب ولاسيما المغاربة منهم بزملائهم الايرانيين سيكون تلاقيا على المشتركات أكثر بكثير من الحوار أو التحاور حول الاختلافات أو الخلافات. ولما كانت الثقافة هي التي سادت وهيمنت على كافة أجواء المباحثات الايرانية المغربية, فقد اكتشف الجانبان وربما لأول مرة بأن ايران هي المغرب في الشرق وان المغرب هي ايران في الغرب. وان الكيانين فيهما من تواصل الاجيال وتلازم الهوية والوطنية لكل منهما مع هويته الدينية بما يجعل من الصعب على أي من الثقافات الغازية أيا يكن مصدرها اجتياحهما. وقد تباهى كل جانب في عدد الصحفيين أو المثقفين الذين يتصدرون بعض مواقع الدولة في بلادهم. وفي قراءة مشتركة للحضارة التي يستند اليها تلون البلدين كيانا ودولة توصلا الى ان الثقافة كانت ولاتزال هي صاحبة البيت وان السياسة ضيفة على أهل الدار تستمد الأمة من خلال الأولى بقاءها وثباتها في الملمات والمنعطفات فيما تستعين بالثانية في تسيير أمورها الجارية في اليوميات والعاديات من حوادث الزمان والمكان. بالطبع فان تكون الثقافة هي الاناء الذي يحتضن السياسة والسياسيين خير للأمة من ان يتحول مثقفوها الى لاجئين يبحثون عمن يحتضنهم من كيانات الآخر ليعودوا اليها فيما بعد محاربين انقلابيين معادين للثقافة والمثقفين ومن ثم للناس أجمعين. وفي جولة أفق مشتركة قام بها الجانبان المغربي والايراني على هامش اجتماع وزراء الثقافة الاسلامي الثاني اتفق فيها البلدان على ضرورة تعزيز التعاون الثقافي بين البلدين وان هذا التعاون لن يسجل له النجاح التام الا اذا أطلقت اليد فيه للنخب الفكرية والثقافية ولجميع الطبقات والفئات الشعبية للمساهمة بشكل جاد وفعال لتلعب دورها المنتظر منها في عملية التواصل الضرورية بين جناحي الأمة وكتلتيها الكبيرتين. وقد اقر الحكوميون من الجانبين بأن الوزراء والساسة مهما عملوا فهم مؤقتون وراحلون بينما ابناء الشعب وورثة الثقافة باقون ما بقيت ايران والمغرب. وبالتالي فإن التواصل القادر على الصمود هو ذلك التواصل الذي يلحظ فيه العرق النابض للامة اي ثقافتها. هذا الانتصار الباهر للثقافة في عالم السياسة بين العرب وايران ثمة من يرجع فيه الفضل للرئيس خاتمي باعتباره رجل الثقافة الاكثر تطويعا لموقعه السياسي في خدمة الثقافة والمثقفين من بين الساسة الايرانيين. واذا كان هذا التحليل هو القدر المتيقن من الاشتراك بين المثقفين العرب والايرانيين على شخصية الرئيس محمد خاتمي, فإن هناك من بين المثقفين الايرانيين ممن يطلقون على انفسهم بجماعة المجتمع المدني الجديد يريدون سياسة الرئيس محمد خاتمي ان تتحول الى (خاتمية) يسري مفعولها على الجميع بل انهم ينظرون لقيام الخاتمية فعلا وان هذا امر لا رهبة فيه وان كرة الثلج بدأت تلف في تدحرجها كل الظاهرات التي ما قبلها في حركة اصلاحية لن تتوقف عند الرئيس محمد خاتمي والذي اصبح واحدا بين جمع غفير من الخاتميين. بالمقابل فإن (الخاتمية) الايرانية بنظر بعض المثقفين العرب غدت ظاهرة تتجاوز حدود الكيانية الايرانية وان من شأن تفاعلاتها الايرانية الداخلية ان تلعب دورا في اعادة صياغة البيت العربي الكبير, لاسيما امام التحديات المتزايدة التي تواجه امة العرب وهي تكافح خطر التطبيع السياسي والثقافي مع العدو الصهيوني. بالمقابل فإن جل المثقفين العرب والايرانيين يتفاءلون بأن تلعب الثقافة دورا متزايدا ونحن على ابواب الالف الثالث للميلاد في عالم متحول يتوق للتغيير والتجديد وشحذ الذهن الانساني بمزيد من الاخلاق وجوهر الحقيقة الايمانية للدين. هذا ما اكد عليه ايضا العاهل المغربي ووزيره الاول اثناء لقائهما بالجانب الايراني وهذا ما تؤمن به وتدعو اليه القيادة الايرانية في تمظهراتها الخاتمية. وهنا يقطع محللون سياسيون من دعاة المجتمع المدني الجديد في ايران بأن سياسة الانفتاح الايراني الشفافة على الخارج وتحديدا على الجيران باتت امرا لا رجعة عنه, بل هي متجهة للمضي قدما على طريق ازالة التوتر بشكل نهائي مع الاشقاء العرب وصولا الى تشكيل حركة ثقافية سياسية جديدة تجمع بين التأكيد على الهوية والاصالة والانفتاح العقلاني على التجديد والحداثة. وحدهم الطارئون على المنطقة من شراذم الهويات المشوهة والغريبة عن جذور الارض هم الخاسرون في مسار التحول الجاري على عهد العلاقات الايرانية ــ العربية وفيما عدا ذلك فإن اجماع الامة يقول اليوم وبصوت عال: عاشت الصداقة العربية ــ الايرانية قدرا مشتركا بين العرب والمسلمين من طنجة المغربية على ضفاف المحيط الاطلسي الى الديار الهرمزية على ضفاف المحيط الهندي.

تعليقات

تعليقات