الامارات والمحافظة الواعية على البيئة:بقلم- د. مشكان محمد العور

لا شك بأن تخصيص الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع شرطة دبي مسؤولية جائزة تحمل اسما غاليا علينا جميعا , اسم القائد الوالد صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة يدلل على الثقة الغالية التي يوليها سموه بتكليفها بهذه المهمة الوطنية, ويؤكد على أن شرطة دبي تعتبر أنموذجا فريدا للشرطة في منطقة الشرق الأوسط والتي تجاوزت مهمة رجل البوليس إلى مهمة الشرطة في خدمة الشعب وخدمة المجتمع, ليس شعارا بل تطبيقا وممارسة, قولا وفعلا كل هذا كان له الأثر الدافع لبداية كتابتي عن البيئة وتأثيرها بالإنسان, حيث ان هذه الجائزة الجديدة تهدف إلى إبراز جهود صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة في حماية البيئة والحفاظ عليها كما أنها علامة بارزة للدولة من حيث أنها بهذه الجائزة أصبحت دولة رائدة من رواد حماة البيئة إذ خصصت لها أكبر جائزة على مستوى العالم حيث تفوقت على أكبر الجوائز العالمية وأشهرها المتمثلة بجائزة نوبل, وهذا الأمر ليس جديدا فهي منذ فترة وجيزة أعطت جائزة عالمية, أيضاً في خدمة السلام وحماية الإنسان على هذا الكوكب, وذلك من خلال الاحتفال الذي تم مؤخرا تحت شعار يوم الموئل العالمي, وتم فيه توزيع جائزة دبي الدولية لأفضل الممارسات في مجال تحسين ظروف المعيشة. والآن جاء وقت السؤال: لماذا جوائز البيئة؟ وهذا الأمر وغيره يعبر عن النظرة الشمولية للإنسان ومشاكله المتعددة فكلنا نعلم أن الإنسان يواجه مشاكل متعددة, فكلما قطع مرحلة جديدة من مراحل التقدم في دروب المدنيه, كلما طرأت له المزيد من الصعاب والعقبات التي تقف عثرة في طريق تقدمه وأمنه, ومن هنا تعتبر قضايا البيئة من أهم المشكلات المعاصرة التي فرضت نفسها على الناس جميعا من مختلف الجنسيات والطبقات. وقبل أن نتعرض لهذه المشكلات سنلقي الضوء على مفهوم البيئة والاهتمام العالمي بها. ولنعود للبيئة من جذورها, ذلك أننا إن تفحصنا كلمة - بيئة - في اللغة العربية فنجد أنها مشتقة من (بوأ) ويقال تبوأت منزلا إذا نزلته وهيأته وبذلك يمكن القول ان كلمة البيئة تعني المسكن وحالاته الطبيعية, ويتشابه هذا المعنى العربي للبيئة الى حد بعيد مع تعريف علم البيئة (Ecology) وبالعودة الى هذه الكلمة نجد أنها مشتقة من اليونانية (oikas) وتعني البيت وكلمة (logus) وتعني علم, أي أن علم البيئة هو العلم الذي يهتم بدراسة الكائن الحي في منزله. ونطرح هنا تعريف العالم الألماني (Ernst Hackel) سنة 1860م للبيئة فيقول انه العلم الذي يبحث في علاقات الكائنات الحية بعضها ببعض وكذلك مع الوسط الذي تعيش فيه. ولكي نتعرف على اتزان وسلامة البيئة لابد من التعرف على المشاكل البيئية وكيفية ايجاد الحلول لها, ومن هنا كان لابد لنا إذا أردنا معرفة المشاكل البىئية فلابد لنا من معرفة المكونات البيئية ومواطنها, وإذا تم تقسيم المكونات البيئية ومواطنها الى مكونات لا احيائية (الهواء والماء والرياح والغازات وغيرها) ومكونات احيائية (الكائنات الحية والتداخلات الحيوية) فإنه من السهل تحديد المشكلات البيئية المتعلقة لكل جانب من جوانب هذا التقسيم فالتغيرات الخارجية المتعلقة بالمكونات اللا احيائية والتي تسبب نوعا من الاختلال في توازن الطبيعة, الامر الذي يعرف أنه تلوث يعتبر من أولى المشاكل البيئية. أما الاختلافات المتعلقة بالعوامل الاحيائية فتعتبر من المشاكل التي تتعلق مباشرة بانعدام أو شبه انعدام الكائنات الحية, الأمر الذي يعرف بالتصحر في حال فقدان النباتات والتي تحتل المشكلة الثانية من مشاكل البيئة, وفي حال فقدان أي نوع من الكائنات الحية وهو ما يعرف بالانقراض الذي يمثل المشكلة الثالثة للبيئة. أما المشكلة البيئية الرابعة والمتعلقة باستنزاف موارد الطبيعة فتعتبر محصلة لكافة الاختلالات سواء ما كان متعلقا بالمكونات اللا احيائية أو الاحيائية الأمر الذي يسير بشكل معاكس تماما لما يعرف باتزان الطبيعة واستقرارها, ولتوضيح ذلك نقول بان اتزان الطبيعة Natural balance والمتمثل بحالة الاستقرار الناتجة عن انحسار تذبذبات المكونات البيئىة المختلفة داخل مجالاتها الطبيعية وبذلك فان استقرار الطبيعة يمثل نقطة الارتكاز بين طرفين يسيران باتجاه معاكس من حيث التأثير هما: القدرة الحيوية biotic potential التي تمثل المكونات الاحيائية وكذلك قدرة ورغبة المجتمعات الحية للعيش بغض النظر عن التأثير على الطبيعة, أما الاتجاه المعاكس فيمثله مفهوم آخر هو المقاومة البيئية Ecological resistance والذي يمثل الكائنات اللا احيائية وقدرة المكونات البيئية على السيطرة على القدرة البيئية, وصلاحية هذا التعريف انحصرت في غياب تدخل الانسان أي في الفترة المتعلقة بقبيل الثورة الصناعية, غير أن الأمر اختلف عما هو عليه الآن واتخذ مسارا سلبيا يدفع باتجاه المقاومة البيئية ليضعفها, لتبدأ بعد ذلك مرحلة انعدام الاتزان التدريجي وذلك بالاستخدام المتزايد غير المنظم لموارد الطبيعة سواء الهواء أو الماء أو التربة أو الثروات الأخرى مثل الغابات والوقود, الأمر الذي اقتضى البدء بالتفكير بحماية الطبيعة. حماية الطبيعة Nature protection: ليس مستغربا أن يكون كتاب الله القرآن الكريم أول من تحدث عن الطبيعة حين أشار إلى دوران الكواكب والنجوم, كل إلى مستقرها كما تحدث عن تسخير الرياح والماء والسحاب وغير ذلك من المؤثرات على حياة الإنسان ومن حوله من الكائنات, ذلك أن الله عز وجل خلق الانسان في هذا الكون من أجل إعمار الأرض وجعلها في أحسن صورة وأتم نظامها وفق نظم الكون التي خلقها وسخرها. أما في العصر الحديث فقد بدأ التفكير بأهمية سلامة البيئة وحماية الطبيعة مع بداية النصف الثاني من هذا القرن واتخذ هذا التفكير اتجاهين هما: 1) إدارة البيئة: وهو ما سنتحدث عنه في موضوع لاحق. 2) التربية البيئية: فمنذ بداية السبعينات وعلماء البيئة يشيرون في أبحاثهم ومؤتمراتهم العديدة الى ضرورة العمل على اتباع سياسة تربوية لحماية البيئة وأدى ذلك إلى ظهور علوم البيئة (Environmental Sciences) والتي تشمل مجالات: العلوم التطبيقية والطبيعية والإنسانية, وغيرها من العلوم المرتبطة ببىئة الإنسان والتي تتطلب مواجهة متطلبات ذلك على الصعيد العالمي, وترتب على ذلك إنشاء العديد من الهيئات الخاصة والعامة لمتابعة الأمر إلى أن تم وضع تشريعات دولية تحث على ضرورة الاهتمام بحماية البيئة, وقد بدأ العمل بهذا الاتجاه في مختلف بلدان العالم فضلاً عن مساهمة أجهزة الإعلام المختلفة والمؤتمرات الاقليمية والدولية في ذلك. لقد أدى كل ذلك الى ظهور وعي بيئي لدى حكومات ومواطني الدول المتقدمة في السبعينات حيث تم انشاء العديد من المعاهد العلمية للدراسات البيئىة من أجل حماية وصيانة البيئة, وتسعى في هذا الشأن مؤسسات اكاديمية مستقلة وأخرى عامة دولية جاهدت لبيان أخطار وأماكن حدوث الاختلالات البيئية المختلفة المتعلقة بالمجتمعات الحية والمكونات الحية وأخطار التلوث بأنواعه المختلفة. ولقد انعكست هذه الاهتمامات العالمية على هيئة الأمم المتحدة فتأسس برنامج الأمم المتحدة للبيئة سنة 1972 بعد مؤتمر البيئة في ستوكهولم في نفس السنة, ومنذ ذلك الوقت تم استحداث عدة مناسبات وجوائز تتعلق بالبيئة, تحتفل بها الأمم المتحدة وذلك في سبيل رفع الوعي البيئي ولزيادة الانتباه السياسي مشيرة بذلك الى ان القضايا البيئىة العالمية في الحقيقة مترسخة ومتأصلة في الحياة اليومية وأن التصرفات الفردية تؤثر على المجتمع العالمي بأكمله وليس على الفرد فقط ومن هذه المناسبات يوم البيئة العالمي الذي تأسس سنة 1972 ويتم الاحتفال به في الخامس من يونيو كل عام, وكذلك حملة نظفوا العالم Clean - up the World Campaign أما الجوائز البيئية المستحدثة عن طريق برنامج الأمم المتحدة فهي جائزة البيئة العالمية للشباب Global 500 Youth Environmend Award التي استحدثت سنة 1987 وطبقت لأول مرة سنة 1992 وهي تمنح للأفراد والمؤسسات. أما الجائزة البيئية الثانية فهي جائزة (ساساكاوا للبيئة) وهي تمنح للأفراد فقط من الذين ساهموا بفعالية في ادارة وحماية البيئة على مستوى العالم وخصص لها مبلغ 200000 دولار أمريكي وقد سبق هاتين الجائزتين جائزة نوبل والتي تأسست عام 1901 لتغطي جانب الكيمياء والفيزياء والطب والسلام والاقتصاد وأول مرة كرم فيها عالم كيمياء في مجال البيئة كان في 1995 ومؤخرا في نوفمبر 1995 تم تأسيس جائزة دبي الدولية لأفضل الممارسات في مجال تحسين ظروف المعيشة والتي تندرج كذلك تحت اطار خدمة البيئة. وأخيرا جاءت جائزة زايد الدولية للبيئة التي أمر بها الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم في 21 فبراير 1998 لتتوج هذه الجوائز بل لتصفها في المرتبة الأولى للجوائز المتداولة حتى يومنا هذا ولتدل على جهود وانجازات صاحب السمو رئيس الدولة في مجال البيئة نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: 1) يعتبر صاحب السمو الشيخ زايد رئيس الدولة قاهر الصحراء حيث حولها الى جنة خضراء ولم يطأ أرضاً إلا زرعها. 2) مساندة رئيس الدولة لجامعة الخليج العربي وذلك بانشاء كرسي زايد لعلوم البيئة والذي تقرر تدريسه في جامعة الخليج العربي مع بداية العام الدراسي 89-1999م. 3) تم تنفيذا لتوجيهات رئيس الدولة تخصيص مليار درهم لمشروعات حماية البيئة بالعين في 10 اكتوبر 1998 وذلك تجسيدا لحرص سموه بتوفير كافة المرافق الخدمية الحديثة لأبناء دولة الامارات. 4) بناء على توجيهات رئيس الدولة أقر مجلس الوزراء الموقر مشروع القانون الاتحادي لحماية البيئة وتنميتها في الدولة وذلك في شهر يوليو 1998. وكل ما ذكرناه غيض من فيض نلمسه في شوارع وحدائق مدن الامارات وقراها وجزرها نلمسه على الشاطئ كما نلمسه في البر على هدى كتاب الله الآمر لنا بحماية البيئة والاعتناء بها. ومن هنا كان تكليف الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع القيادة العامة لشرطة دبي بجائزة زايد الدولية للبيئة علامة هامة من علامات القدرة المتميزة لدى شرطة دبي, والتي تحرص كل يوم على إضافة ما ينفع الناس بالاهتمام بالإنسان والبيئة المحيطة بها وادارتها على الشكل الأمثل وهذا ما سنتحدث به لاحقا. خبيرة كيميائية بالمختبر الجنائي شرطة دبي*

تعليقات

تعليقات