أبجديات:بقلم- عائشة إبراهيم سلطان

في الوقت الذي نخفي فيه تجاوزاتنا وأخطاءنا في حق المجتمع وأفراده والوطن ومنجزاته, لا يتوانى المجتمع الغربي عن عقد جلسات على الهواء مباشرة وأمام العالم لمحاكمة كبار مسؤوليه ورموزه , تماما كما يحدث هذه الأيام في فرنسا حيث يهتز المجتمع هناك نتيجة نشر كتاب مثير بعنوان (غانية الجمهورية) الذي يتحدث عن علاقة آثمة بين (رولان دوما) وزير الخارجية الأسبق ورئيس مجلس الدولة وبين فاتنة باريسية ذات حسب ونسب , كان من آثارها تسريب أموال الدولة وتبديدها! وفي كل ذلك نقف نحن متفرجين فاغري الأفواه تعجبا وانبهارا, ولكننا في كل الأحوال بعيدون عن لغة الفعل واستجابة التأثر, متذرعون كالعادة بقسوة الأنظمة وجبروت القرار السياسي, والحقيقة ليست كذلك أبداً. وحين نتحدث عن لغة الفعل فإننا نقصد فعل التغيير, لا فعل المحاكاة لما يحدث في عواصم الدنيا, وحين نتحدث عن فعل التغيير فإننا نضطر تحت الحصار لأن نسأل: على عاتق من تقع هذه المهمة؟ وأرجو ألا يبادر أحد إلى القول بأنهم المثقفون وأصحاب الوعي والقيادات البارزة في المجتمع, فجزء ضئيل من هؤلاء يمكن قبوله في عداد أصحاب مهمة التغيير, لأن الغالبية منهم ثبت تهافتهم على موائد المصالح وبشهادة بعضهم على بعض, حتى تكونت منهم على امتداد الأيام طبقة يمكن تسميتها بالبرامكة الجدد على حد تعبير د. عبد الله النفيسي. وإذا كان طبيعيا ان يشكل رجال المال والمصالح الاقتصادية طبقة ضاغطة مدافعة عن مصالحها, فإنه قد أصبح طبيعيا ايضا ان تتحول شرائح كثيرة من المثقفين واصحاب الوعي إلى (برامكة جدد) ونحن هنا لا نتحدث عن كل المثقفين بطبيعة الحال. ان اعدادا لا بأس بها من هذه (البرجوازية المثقفة) التي برزت بعد مرحلة الرفاه الاقتصادي, تحولت تحت ضغط اقتصاديات السوق على ما يبدو واتفاقيات تحرير التجارة العالمية إلى تيارات تحاول تحرير الوعي والثقافة من أطرهما التقليدية ونظريات التغيير والانتماء الملازمة لهما, وان تدخلهما الى مدارات اخرى كي يتحوّلا إلى تيار رديف ومصفق لاصحاب النفوذ والمال وجلسات الارائك الوثيرة. وطبعا لابد من مقولات يتكئون عليها كي يمرروا ادعاءاتهم, فكانت مقولة التواصل ومد الجسور بين افراد المجتمع ونخبه المميزة أو المرفهة سياسيا وثقافيا, لكن الحقيقة انهم يرزحون تحت عبء ثقيل لايعرفون كيف يصنفون انفسهم من خلاله. هؤلاء المثقفون لايمدون جسورا ولايخدمون مجتمعا, انهم يسقطون بجدارة في انفصام نفسي واجتماعي خطير لا مخرج لهم منه, فهم امام الناس رموز أقرب للمومياوات المصرية يمثلون الفكر والوعي والثقافة وقيم التغيير, بينما الحقيقة شيء آخر تماما. انهم اقرب لان يكونوا اصحاب وعي زائف لايعنيهم شيء طالما نجحوا في ان يصبحوا جنوداً في حرس هارون الرشيد تماما كما تسلل (البرامكة) في بداية عهود الدولة العباسية, وحتى الوطن لايمثل لهم أكثر من بيت ومزرعة وحساب في البنك. لذلك فإن للتغيير أناساً آخرين ليسوا هؤلاء, وهم موجودون وبكثرة, كما ان المجتمع ليس مجموعة من الحمقى لايعرفون ما يدور خلفهم ولايميزون الخبيث من الطيب! وسكوت المجتمع عن أمثال هؤلاء لا يعني انه يتقبلهم برضا, بل يعني انه لايريد ان يحاورهم حتى لايمنحهم وزنا اكثر مما يستحقون. التغيير يحتاج الى مؤمنين بالفكرة وبالهدف وأولاً وأخيرا بالوطن ومصالحه, أما الساجدون العابدون لمصالحهم فلن يكونوا اصحاب التغيير ابدا, هذا ما يقوله قانون الحضارات.

تعليقات

تعليقات