سيضربون العراق أو لا يضربون؟د. أحمد القديدي:

منذ أيام قليلة دعتني قناة تلفزيونية خليجية للحديث عن حلمنا المجهض, حلم الوحدة العربية وكان معي بواسطة الأقمار الصناعية الدكتور حيدر عبد الشافي أحد الحالمين ايضا وأحد المهمومين بالواقع العربي المتردي, وقلت في تلك المقابلة ما معناه ان الطعنتين النجلاوين اللتين أصابتا حلم الوحدة العربية في مقتل هما الخامس من يونيو 1967 والثاني من أغسطس ,1990 وأعني بالطبع هزيمة حرب الأيام الخمسة وكارثة اجتياح دولة الكويت على أيدي الرئيس صدام حسين, واليوم ونحن نعيش أزمة الشد والجذب الجديدة بين العراق والأمم المتحدة, نستطيع أكثر من ذي قبل قياس حجم الكارثة التي وقعت يوم قرر صدام حسين احتلال الكويت, في زمن كنا بالكاد نخرج من فاجعة المرحوم عبد الناصر بإعلان حرب لم تدم في الواقع إلا ساعات معدودة انتهت بتدمير مقدرات العرب الجوية وقص أجنحتنا إلى مدى جيل كامل واحتلال أراضينا وضياع جوهر قضيتنا, الى درجة التفاوض مع عدونا التاريخي هذه الأيام على 13% من عمق فلسطين ومبادلتها بضريبة قاسية تتمثل في فتح ابواب حرب أهلية فلسطينية بين المفاوض والمقاوم. وبينما نحن نحلم, كما تقول حكايات الجدات, اذ بصدام حسين يهب لاحتلال الكويت فتفرق العرب شذر مذر وذاق الشعب الكويتي مرارة الاحتلال والظلم على أيدي (أشقائه) وذاق الشعب العراقي الأمرين كذلك على أيدي أعدائه, والعرب لا حول لهم ولا قوة إلا الحسرة وعلى هذه الخلفية البائسة الحزينة يشهد العرب على مأساة شعب العراق وتذبذب قيادته وهم عاجزون عن اتخاذ موقف, ثم أي موقف يرقى إلى فداحة تلك المأساة؟ شعب يموت أطفاله بلا دواء وبلا غذاء في أحسن بلاد العرب حالاً ومالاً وطاقة وصناعة ونهضة تكنولوجية, لقد أقسم شوارزكوف بأن يعيد العراق الى العصر الحجري ولم يخلف وعده, وعوض أن يخرج صدام حسين من الفخ المنصوب لنا جميعا .. ما لبث يعمق جُحر الضب الذي وضعنا فيه ودفنا فيه حلمنا المشروع الجميل بوحدة عربية .. دفنا ذلك الحلم بأنشودة عربية شارك فيها مطربون عرب من هذا الجيل الذي لم يعش الفواجع المتكررة فكأنما شيعنا نعش الوحدة العربية على الأهازيج .. ولا نزال نغني ألم ينصحنا يوسف شاهين في أردء أفلامه (المصير) بعبارة: (ارفع صوتك بالغناء مادام الأغاني ممكنة!) . وهذه الأيام سكتنا عن الغناء المباح وطلع علينا صباح أمريكا بحشود قوات وعادت حاملة الطائرات (انتربرايز) وأختها التوأم (ايزنهاور) تجوبان المياه الدافئة في انتظار انطلاق صواريخ الموت والدمار, ثم انحلت العقدة وانفرج الكرب كأن شيئًا لم يكن وتساءلنا إذن لماذا؟ لماذا قررت قيادة العراق وقف التعاون ولماذا قررت العودة للتعاون .. مع طاقم ريتشارد باتلر؟ لماذا حول صدام حسين أنظار العالم على مدى أسبوعين عن قضيتنا الجوهرية قضية فلسطين وتداعيات اتفاق واي بلانتيشن الخطيرة؟ وهي أم القضايا وما ارتكبته الحكومة الاسرائيلية من تراجعات ونكوصات, فأدار الرأي العام العالمي رأسه عن الهم العربي الأكبر ليتحول إلى رصد تصريحات كلينتون وأولبرايت وطارق عزيز وبيان دول مجلس التعاون زائد مصر وسوريا؟ فهل تغير موقف أمريكا بعد قرار بغداد؟ وهل رفعت دول مجلس الأمن جزءاً من الحصار الجائر الطويل على أطفال العراق؟ وهل قرر القادة العرب تنسيق المواقف أو عقد قمة أو حتى اجتماع لوزراء الخارجية للنظر في هذه النكبة القديمة الجديدة المتجددة المتكررة؟ الجواب بالطبع لا, لا شيء تغير, ولكن من سيدفع فاتورة تحرك الحشود الأخيرة؟ وهل ستعود من حيث جاءت؟ ومتى؟ ومن يضمن ما يسمى بالتزام العراق بقرارات مجلس الأمن؟ كان وليام كوهين يقول منذ أسبوعين: هذه المرة سوف نضرب في العمق ونضرب في الرأس, فهل يعقل أن يضيع كوهين هذه الفرصة المتاحة بدون مقابل؟ ثم متى تقرر المنظمة الأممية إرسال ريتشارد باتلر إلى اسرائيل وديمونة بالذات ولفحص آثار الطائرة الاسرائيلية التي سقطت في هولندا وهي محملة بالغازات القاتلة؟ هل كل هذه الشبهات المعلنة لا تستحق تحقيقا من طاقم باتلر؟ المهم انه مهما كان موقعنا - وموقفنا - فنحن معنيون بما يجري كعرب بالدرجة الأولى, لايمكن أن نترك شؤون مصيرنا - العربي - بين أيدي الناس - ومصير العراق كما كان ماضيه, هو مصير عربي, ذلك قدرنا جميعا, فاعتبروا يا أولي الألباب.

تعليقات

تعليقات