اختفاء بتلر وشرعية(القرارات)الامريكية: بقلم- عمران سلمان

في الازمة الحالية بين العراق والولايات المتحدة لم يظهر بتلر سوى مرة أو مرتين, ثم اختفى منذ ذلك الوقت ولم يعد يظهر في وسائل الاعلام . والارجح انه قد اوعز له بالبقاء بعيدا عن الاضواء, بعد أن انجز مهمته الموكلة اليه من جانب واشنطن واسرائيل ومن لف لفهما. والواقع ان الدور الذي لعبه بتلر طوال فترة تسلمه لمهمة رئاسة اللجنة الخاصة بحاجة إلى القاء الكثير من نقاط الضوء عليه, لاسيما الجوانب المتعلقة منها بصلاته باسرائيل ونمط افتعال الازمات وتوقيتها ونوعية الاعمال التي كان يقوم بها خلال جولاته المكوكية. فهو لعب دورا رئيسيا في الازمة الحالية كما في الازمات السابقة بين العراق والحكومة الامريكية, وخلال الفترة كلها كان مخلب القط الذي اسندت اليه مهمة الاستفزاز وايصال الامور إلى حافة الهاوية. إن العودة بالذاكرة قليلا للوراء حينما افتعل بتلر ازمة القصور الرئاسية والتي كادت ان تؤدي بالمنطقة إلى الحرب, تكشف حجم وابعاد تلك المهمة. لقد تبين ان هذه القصور لم تكن تحوي ما اشيع عن اسلحة محظورة, لكن لم يثر مجلس الامن أو أي من اعضائه اي سؤال حول اهداف ونوايا بتلر أو دوافعه من وراء تلك الازمة, فضلا عن مصادره التي استند اليها في ذلك. ثم عاد بتلر ايضا واثار مشكلة غاز (في اكس) التي زعم انها عبأت في رؤوس الصواريخ العراقية, وقد كشفت الاختبارات التي اجريت في معامل فرنسا وسويسرا والولايات المتحدة أيضا, ان لا وجود لأي أثر لذلك الغاز. مع ذلك لم تتم محاسبته أو محاسبة اللجنة الخاصة على كذب هذه المزاعم, وتصورا ما الذي كان سيحدث لو ثبت خطأ العراق فيها؟ بل جرى التعتيم على المسألة برمتها, ثم طواها النسيان, وكأنها كانت نوعا من التجريب والتدريب على الاضرار بالعراق, إن نجحت سيكون لها فضل الريادة والسبق في الضرر والعدوان, وان فشلت سوف تطرح ولن يتكبد اي من مخططيها وراسميها مجرد عناء الاستفسار عن مصيرها. وهكذا كان, بيد أن الادارة الامريكية الحامي وصاحب العمل الحقيقي بالنسبة لبتلر, عادت من جديد لتضع العصا في الدولاب. وفي خطوة استهدفت ابعاد الامين العام للامم المتحدة كوفي عنان, وحرمان العراق من أية مكاسب يمكن ان يجنيها نتيجة تعاونه مع فرق التفتيش طوال الثماني سنوات الماضية, راحت تقول بصوت مرتفع ان مجلس الامن لن يشهد لبغداد بأي عمل إيجابي. وان المراجعة الشاملة للعقوبات وللتفتيش عن الاسلحة العراقية التي اقترحها امين عام الامم المتحدة, لا تعني ولن تعني بأي حال من الاحوال ان تكون هناك توصية حالية أو مستقبلية لرفع الحظر. لقد استهدفت واشنطن بمعنى آخر استفزاز العراق لدرجة التأكيد له بأنه مهما فعل لن يرى (الضوء في آخر النفق) أي لن يرى أي رفع أو تخفيف للحصار الظالم المفروض عليه, ما لم ينزل عند المشيئة الامريكية. والواقع انه اذا كانت واشنطن تأخذ على العراق عدم التزامه بمذكرة التفاهم التي وقعها مع كوفي عنان في فبراير الماضي, وهو ما لم يحدث على أية حال, فانها بتهديدها لاستخدام القوة ضد بغداد انما تقوم بانتهاك ميثاق الامم المتحدة الذي ينص على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية. وقد تكررت هذه الخروقات في الآونة الاخيرة وبصورة معلنة مع التعهد الامريكي بتقديم مئات الملايين من الدولارات لدعم انشطة المعارضة العراقية وانشاء اذاعة موجهة ضد العراق, وتحت بند محدد وهو العمل على تغيير الحكم في بغداد. أي انه بقدر ما يتعلق الامر بالحديث عن القرارات والالتزام بها, فالاحرى ان تكون الادارة الامريكية اخر المتحدثين, لانها هي اكثر من يخرق ويتلاعب بالقرارات. ولا ندري لماذا تصر الحكومة الامريكية مع ذلك على ربط سياساتها ومصالحها بالمنظمة الدولية, مع انه لا علاقة بين هذه وتلك. وبدليل انها لم تحاول ان تخفي شيئا من نواياها واهدافها أو ترد التناقض بين هذه الاخيرة والقرارات الدولية إلى أي سبب قانوني أو فني. ان الامر الواضح هو ان المشكلة بين العراق وواشنطن ومنذ حرب الخليج الثانية هي مشكلة سياسية وليست قانونية, بمعنى أن القوانين الدولية التي فرضت على العراق فصلت بصورة تعطي الولايات المتحدة الافضلية عند التنفيذ والمراقبة واصدار الاحكام المتعلقة بذلك في كل مرحلة. بل ان طريقة تطبيق تلك القرارات ونهايته انيطت بارادة الولايات المتحدة وسياساتها الخاصة. وما بتلر وقبله ايكيوس سوى أدوات ماضية في هذه السياسة, التي لا تربطها سوى الشكليات مع مجلس الامن والامم المتحدة. هذا كله امر معروف وواضح, فليكن عنوان المواجهة اذن تحت هذا المفهوم وهذه الصياغة, بدلا من اقحام الامم المتحدة وقراراتها في معركة ليسوا طرفا فيها. كاتب وصحافي بحريني*

تعليقات

تعليقات