مع الناس:بقلم- عبد الحميد أحمد

السمك أذكى من البشر, فهو لا يقترب من أجهزة الكمبيوتر خوفا من أن تصطاده الشبكة, هذا ما تقوله شبكة الانترنت وهي تروج عن نفسها , ويبدو انها على حق فعلا, فالبشر وحدهم هم الذين تصطادهم الشبكة وتجرهم اليها بعيدا عن الصحيفة والكتاب والتلفزيون وغيرها من وسائط المعرفة والاتصال, حتى صار أمرها مقلقا للمعنيين بصحة البشر الفكرية والعقلية هذه المرة. ولانعرف ان كان موضوع الانترنت وعولمة الثقافة سيكون على جدول أعمال وزراء الثقافة العرب الذين يجتمعون قريبا في الشارقة, فمثل هذا التحدي لابد أن يكون موضع بحثهم, لا باتجاه الحلول التقليدية التي تعتمد على البلادة والسهولة فتقرر المنع والحظر, وكفى الله المؤمنين شر القتال, خاصة مع استحالة هذا المنع ورفضه معا ونحن على أبواب القرن الواحد والعشرين, وانما باتجاه الاستفادة من التقنية الحديثة, بما فيها الانترنت, وترشيد استهلاكها بحيث تكون عونا على العلم والمعرفة, لاعالة عليهما. ووجدت هذا الاسبوع في كلمات للملك الحسن الثاني ملك المغرب, وهو يحذر من مضار الانترنت, ما يمكن أن يكون خير وصف لآثار هذه الشبكة ولانعكاسات استخدام الكمبيوتر, فهو يرى ان الكمبيوتر يقضي على الذاكرة, والانترنت ينتج انسانا لا تستند ثقافته على أي أساس, وأوضح الملك مخاوفه في أن هذه التقنيات الحديثة تمنع الإنسان من أن يتحول الى مثقف, خاصة عند استخدامها من قبل الناشئة. طبعا لا يفهم من ذلك التحذير وغيره من التحذيرات, أننا ضد الانترنت والكمبيوتر وما يجلبانه من معلومات وتقانات وما يوفران من وقت وجهد, باستثناء ان ثمة مخاوف جدية يثيرهما الاستخدام الاغراقي للشبكة وللكمبيوتر معا, نجد أصداءها مرة أخرى في وصف الملك الحسن بأن خطر الانترنت يكمن في عمومياته التي تميع الأمور, ونضيف عليه خطرا هو تسطيح ثقافة المستهلك, واغراقه في بحر من المعلومات ربما لا يكون مؤهلا بشكل سليم للتعامل معها أو لفهم طبيعتها أو لاستيعاب أصولها ومنابعها, فلا يكون ازاءها أكثر من مقلد وتابع. القلق من الانترنت غربي أيضا مثلما هو شرقي أو عربي, فإذا كانت مراكز الابحاث والدراسات في أمريكا مثلا صارت تبحث اثار الارتباط بالانترنت على العلوم والثقافة وعلى وسائل المعرفة الاخرى كالقراءة والتلفزيون والصحف وغيرها, فإنها في الوقت نفسه قلقة من تأثيرات الشبكة على السلوك, من تأثيراتها على ساعات النوم الى تأثيراتها على ترويج الجريمة والعنف والجنس والتلوث الفكري, عدا طبعا عن تهميش الذهن وتسطيحه, وتبديد العلاقات الانسانية والعاطفية والاجتماعية. طبعا التحديات التي يمكن ان تواجهها الثقافة العربية بكل مكوناتها من لغة ودين وتراث وعادات وعلوم ومعارف, ستكون الابهظ ثمنا, نسبة لأن الوطن العربي نفسه لم يحسم تحديات عصر التلفزيون والسينما والكاسيت, من الأمية التي تزداد الى تردي المناهج التعليمية, ما يجعل من هذه التحديات تركة ثقيلة فعلا في عصر الانترنت, يحمل وزرها لا وزراء الثقافة وحدهم, بل كل الحكومات العربية. غير أنني أختم بطرفة للاطفال من الانترنت نفسه ربما تعبر عن شيء من القلق الغربي من الشبكة وتأثيراتها على السلوك بما فيه العاطفي, فأحد الأولاد يسمع ضفدعا يناديه وهو يعبر الشارع: سأتحول عندك الى أميرة جميلة اذا ما قبلتني! ينحني الولد ويحمل الضفدع ويضعه في جيبه وينصرف, الا أن الضفدع يعاود السؤال: إذا قبلتني فسأتحول الى أميرة جميلة, فأنا في الأصل أميرة وسأبقى معك أسبوعا, الا أن الولد أعاد الضفدع الى جيبه بعد أن أخرجه وابتسم في وجهه, ومع إلحاح الضفدع واستنكاره لرفض الولد تقبيله حتى وهو يغريه بالبقاء معه أسبوعا بعد أن يتحول الى أميرة, صاح فيه الولد: اسمع, أنا مبرمج كمبيوتر وليس لدي الوقت لامضيه مع الصديقات, لكن صحبة ضفدع يتكلم ستكون شيئا جميلا حقا.

تعليقات

تعليقات