أبجديات:بقلم- عائشة إبراهيم سلطان

كلما تداول الناس موضوع الصداقة, وكثرت احاديثهم حول الوفاء وغدر الاصدقاء, اتذكر أبيات جميلة حفظتها منذ زمن للامام الشافعي يقول فيها اذا لم يكن صفو الوداد طبيعة فلا خير في خل يجيء تكلفا ولا خير في خل يخون خليله ويلقاه من بعد المودة بالجفا سلام على الدنيا اذا لم يكن بها صديق صدوق صادق الوعد منصفا والقصيدة في معانيها جميلة ومؤثرة, لكنها على ما يبدو صارت من نوادر هذا الزمان, فالكل يأتيك تكلفا, وما أسرع ما يتنكر الاصدقاء لأيام الصداقة, وما أسهل ما يجفو الصديق صديقه دونما سبب احيانا, معتذرا بتغير الاحوال وبالدنيا والمشاغل وضيق الوقت, بينما الحقيقة ان قسوة الاسمنت قد سكنت القلوب قبل الأرصفة فغادرت المشاعر الى غير رجعة. ولأن الانسان لا يمكنه العيش بدون اصدقاء, فهو في بحث متواصل عنهم, وحين يسرع بعضهم في الغدر به, يسرع هو لحماية دفاعاته النفسية بالتجديف المضني نحو ضفة اخرى تجاه صديق آخر, حيث تضج الحياة بالقلوب والوجوه المشرعة على عوالم الخير, كما هي مشرعة على السوء والشراسة. وبعد كل تجربة من هذا النوع تقول: (اللهم جنبني شر اصدقائي, اما اعدائي فأنا كفيل بهم) وعندها يصبح انتقاؤك في المرة التالية اشد حذرا حيث سيتراءى لك عالم الخديعة والخيبات في كل لحظة تهم فيها باختيار صديق متذكرا الحكمة القائلة: (القدر يصنع الوالدين, لكن الاختيار الصحيح يصنع الاصدقاء) . في جامايكا يتداول الناس حكمة طريفة لاختبار ثقة الاصدقاء فيقولون: (اذا شئت ان تمتحن صديقك, فنم على قارعة الطريق, وتظاهر بالسكر) ففي مواقف صعبة جدا تتعرف على الوجه الآخر لاصدقائك, وفي الحكمة الجامايكية يعتبر الشارع وحياة الطريق والتشرد عالما مشرعا على حقيقة الانسان ومثالياته. من الخطأ ان نعقد صداقات وان نحكم على اصدقاء نلتقيهم صدفة في المرافىء او المقاهي او القطارات السريعة, او ان نجتمع بهم في الصالونات الفاخرة وعلى متن الدرجة الاولى لأرقى الطيران, وفي منتديات الهذيان والنميمة والنفاق. الغريب اننا في كل التجارب التي نخسر فيها صداقات حميمة, لا نضع اللوم عادة على انفسنا, نحن دائما نسارع للوم الآخرين, كي نتجنب مواجهة اخفاقاتنا الشخصية, وعدم مقدرتنا على انجاح هذه العلاقات بسبب جهلنا بخفايا البشر والطريقة الصحيحة للتعامل مع فئاتهم وشرائحهم. أساتذة علم النفس يصنفون البشر (الاصدقاء) الى ثلاث فئات: فئة المستمع الجيد الذي يدفع الآخرين للحديث معه بكل ما في دواخلهم دون ان يسمح لهم بمعرفة ما في قلبه خوفا من اكتشاف نقاط ضعفه, وفئة المغناطيس الذي يتنقل بين الاصدقاء بسهولة محتفظا بمسافة معينة بينه وبينهم, وفئة الانعزالي الذي يحتفظ بعلاقات قليلة وحميمة, لكنه يعطي الكثير, ويتوقع ان يحصل على الكثير في المقابل. كثيرون يعانون من ضبابية او غشاوة في الرؤية, ولذلك فهم يضعون كل الرصيد في سلة صديق واحد, فيعانون الالم والوحدة حين يختفي هذا الصديق لأي سبب! ولذا ينصحهم علماء السلوك والمفكرون بالاقتراب من الناس واكتشافهم على حقيقتهم وتوسيع دائرة المعارف مع ترك مسافة فاصلة لضمان سرعة التراجع دون خسائر تذكر. آخر الكلام: على طريق الصداقة لا تدع العشب ينبت أبدا!

تعليقات

تعليقات