الاسراء... هل هو مجرد ذكرى؟! بقلم- د. حنيف القاسمي

في تاريخ الامم والشعوب مناسبات مختلفة يمثل بعضها اهمية خاصة في تاريخها, ويعتبر بعضها الآخر نقاط تحول في مسيرتها الانسانية والحضارية . والامة العربية والاسلامية بقدمها وعراقتها لديها العديد من المناسبات الدينية والوطنية, تحتفل بها او تتوقف عند حلول ذكراها. ولعل ابرز تلك المناسبات تلك التي حققت نقلة هائلة في مسيرتها الحضارية تجاه الانسانية فالمحطات التي تخللت مسيرتها عديدة ابرزها تلك الوقائع والاحداث التي بدأت مع انطلاقتها الاولى بنزول القرآن الكريم في مكة المكرمة. والمقاومة التي لقيها الرسول عليه الصلاة والسلام من الفئات المستنكرة لهذا الدين. وتبقى حادثة الاسراء والمعراج, بحقيقتها وآثارها, من الاحداث التي ستبقى دلالاتها, بل وتزداد قوة مع مرور الايام. فالظروف والملابسات التي سبقت هذه المعجزة كانت قد احدثت اذى نفسيا كبيراً لدى صاحبها عليه الصلاة والسلام وذلك نتيجة للمعاملة البالغة في السوء والتي لقيها من قومه في مكة. ولم يحقق ذهابه الى الطائف اي نتيجة لتخفيف تلك المعاناة وفي ظل تلك الاجواء القاتمة جاء الاسراء, وبينت السورة التي تحمل هذا الاسم الاغراض الكبيرة التي حققها وهي ــ اي السورة ــ كما يقول العلامة محمد الطاهر بن عاشور: ابطال احالتهم ان يكون النبي صلى الله عليه وسلم اسري به الى المسجد الاقصى فافتتحت بمعجزة الاسراء توطئة للتنظير بين شريعة الاسلام وشريعة موسى عليه الصلاة والسلام على عادة القرآن في ذكر المثل والنظاير الدينية, ورمزا الهيا الى ان الله اعطى محمدا من الفضائل افضل مما اعطى من قبله. وانه اكمل له الفضائل فلم يفته منها فائت فمن اجل ذلك احله بالمكان الذي تداولته الرسل من قبل فلم يستأثرهم بالحلول بذلك المكان الذي هو مهبط الشريعة الموسوية, ورمز اطوار تاريخ بني اسرائيل واسلافهم والذي هو نظير المسجد الحرام في اصل تأسيسه في عهد ابراهيم... فأحل الله به محمداً عليه الصلاة والسلام بعد ان هجر وخرب ايماء الى ان امته تجدد مجده. وان الله مكنه من حرمي النبوة والشريعة فالمسجد الاقصى لم يكن معمورا حين نزول هذه السورة وانما عمرت كنائس حوله وان بني اسرائيل لم يحفظوا حرمة المسجد الاقصى فكان افسادهم سببا في تسلط اعدائهم عليهم وخراب المسجد الاقصى وفي ذلك رمز الى ان اعادة المسجد الاقصى ستكون على يد امة هذا الرسول الذي انكروا رسالته الى غير ذلك من الاغراض الهامة التي سعت حادثة الاسراء الى تحقيقها. وعلى الرغم من اهمية ذلك كله فانه من الغريب جدا والمؤسف كذلك ان الاحتفال بهذه المناسبة كما هو ملاحظ ومعلوم قد اصبح روتيناً من (فوائده) الحصول على اجازة رسمية من الاعمال مع اقامة مهرجانات خطابية حماسية, وانحصرت مظاهره في سرد القصص والاحداث التي صاحبتها دون البحث في اسرارها ومعانيها او محاولة ربطها بالواقع المعاش. ولا شك ان التوقف عند ذلك لا يحقق الاغراض التي سعت تلك المعجزة الى اثباتها والأهم من ذلك بطبيعة الحال هو البحث عن كيفية استثمار مثل هذه المناسبة في الواقع خاصة وان الارض التي شهدت تلك المعجزة قد شهدت وما زالت احتلالا وعدوانا صهيونيين فظيعين, بحيث يستدعي كل ذلك اعادة فتح ملف جرائم هذا الاحتلال مع ربط ذلك بالمبادىء التي سعت حادثة الاسراء الى تحقيقها. ولا شك ان هذا الامر هو اول واهم درس مستفاد من الاسراء في محنة القدس وفلسطين الحالية. التفاتة نحو القدس في ذكرى الاسراء المرور بمناسبة الاسراء يستدعي التفاتة جادة نحو مسرى النبي عليه الصلاة والسلام وأحسب ان هناك خطوات ومراحل هامة في هذا الشأن هي كلها تؤدي في نهاية الامر الى تحقيق الامل المتمثل في دفع الاحتلال عن الارض المقدسة وازالة آثاره وبالطبع لن تتحقق هذه النتيجة الا اذا سبقها ادراك ووعي عام مع تحرك فاعل بتغيير هذا الواقع. أهمية وجود وعي بشأن هذه القضية تشتد في هذه المرحلة التي تشهد الذاكرة العربية وتاريخها مع الصهيونية وجرائمها في فلسطين حملة متصاعدة تصل الى حد التصفية والاغتيال بازاء ذلك تبدو اهمية التذكير المستمر لمسيرة العلاقة العربية الصهيونية, وما تخللها من جرائم اسرائيلية عديدة تمثلت في طرد السكان الاصليين وتهجيرهم واقامة المستوطنات وكذلك الحملة المستمرة لتهويد القدس. الى غير ذلك من الاعمال المشابهة, والتي يحفل بها الملف الصهيوني في فلسطين. ويأتي مع انعاش الذاكرة العربية وبنفس الدرجة من الاهمية دفع محاولات (أقلمة) القضية وحصرها في النطاق الفلسطيني وهذه خطيئة كبيرة ربما لا يدرك الكثيرون من متبنيها مافيها من خطورة كبيرة حيث انه بذلك يتم استبعاد التأثير الذي يمكن ان يحدثه العالم العربي الاسلامي. ولعل الذين يسعون في هذا الاتجاه مدفوعون بتصور قاصر لحقيقة الصراع العربي الاسرائيلي. حيث حصروه في خلاف حول ملكية ارض متنازع عليها او مصادر مياه او نحو ذلك باختصار جعلوه صراع حدود لا وجود وهو في الحقيقة مخالف لما تأصلت عليه الفكرة الصهيونية ومشروعها الحالي والذي تمثله دولة اسرائيل وبسبب من ذلك اجدني موجها الى العودة الى تاريخ ذلك المشروع في محاولة لاثبات الانحراف الخطير في منطلقاته والفساد الكبير في مسيرته وهو الامر الذي احسب ان لحادثة الاسراء جوابا شافيا عنه. الاسراء... درس في حقيقة بني اسرائيل لم ينفرد القرآن الكريم بذكر الافساد الذي احدثه بنو اسرائيل في تاريخهم الطويل بل ثبت ذلك في كتب (القوم) انفسهم فكلما نص القرآن على افساد بني اسرائيل في الارض مرتين (لتفسدن في الارض مرتين) , فقد ورد ذلك ايضا في كتاب اشعياء في الاصحاحات العاشر والحادي عشر والثاني عشر, وفي كتاب ارميا في الاصحاح الثامن والعشرين والاصحاح التاسع والعشرين. وفي هذا الشأن يذكر العلامة ابن عاشور ان الآية القرآنية المتقدمة تشير الى حوادث عظيمة بين بني اسرائيل واعدائهم من امتين عظيمتين: حوادث بينهم وبين البابليين وحوادث بينهم وبين الرومانيين فانقسمت بهذا الاعتبار الى نوعين: نوع منهما تندرج فيه حوادثهم مع البابليين والنوع الآخر حوادثهم مع الرومانيين فعبر عن النوعين بمرتين, لان كل مرة منهما تحتوي على عدة ملاحم. فالمرة الاولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالاسر البابلي وهي غزوات (بختنصر) ملك بابل واشور بلاد اورشليم, والغزو الاول كان سنة 606 قبل المسيح اسر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الاسر الاول ثم غزاهم ايضا غزوا يسمى الاسر الثاني وهو اعظم من الاول كان سنة 598 قبل المسيح واسر ملك يهوذا وجمعا غفيرا من الاسرائيليين واخذ الذهب الذي في هيكل سليمان ومافيه من الآنية النفيسة والاسر الثالث المبير سنة 588 قبل المسيح غزاهم بختنصر وسبى كل شعب يهوذا واحرق هيكل سليمان وبقيت اورشليم خرابا يبابا ثم اعادوا تعميرها. واما المرة الثانية فهي سلسلة غزوات الرومانيين بلاد اورشليم. واسناد الافساد الى ضمير بني اسرائيل مفيد انه افساد من جمهورهم بحيث تعد الامة كلها مفسدة وان كانت لا تخلو من صالحين. والعلو في قوله تعالى : (ولتعلن علوا كبيرا) مجاز في الطغيان والعصيان. كان ما سبق نبذة مختصرة عن الخلفية التاريخية لبني اسرائيل في المنطقة. يجب ان تكون الاساس في تشكيل صورة الصهاينة المعاصرين في ارض فلسطين, واحسب ان في اثباتها ضرورة كبرى عند التعامل مع الحالة الصهيونية هناك. اذ بغير ذلك فإن خللا كبيراً يكتنف تصوير الطرف الآخر بشكل دقيق وصحيح وهو الامر الذي لا شك انه يحدث تخبطا شديدا في الرؤية نحوه فضلا عن الاثار السيئة المشهودة والتي لا ارى حاجة الى ذكرها او تكرارها. مدير جامعة زايد بالانابة*

تعليقات

تعليقات