نتانياهو والانتخابات الامريكية الأخيرة:بقلم- نعيم الاشهب

عندما جرت الانتخابات نصف دورية للكونجرس الامريكي, أوائل نوفمبر الجاري, كانت التوقعات أن يخسر الحزب الديمقراطي بزعامة كلينتون المزيد من المقاعد في مجلسي الشيوخ والنواب , وكذلك حكام الولايات, لصالح الحزب الجمهوري, على غرار ما جرى في انتخابات 1994. اذ من المألوف, في مثل هذه الانتخابات ان يتراجع وزن حزب الرئيس المقيم في البيت الابيض لصالح الحزب المعارض, وذلك تعبيرا عن عدم الرضى المزمن للناخب الامريكي الذي تتقاذفه, في لعبة الديمقراطية الأمريكية, أيدي الاحتكار الثنائي للحزبين الكبيرين والتي لا يرى هذا الناخب, حتى الآن, فكاكا منها, هذا الى جانب وسيلة أخرى للتعبير عن عدم الرضى هذا, وتتجلى في عزوف اعداد متزايدة من الناخبين عن الادلاء بأصواتهم, حتى أن نسبة المقترعين هذه المرة كانت دون الاربعين بالمئة, وهي ظاهرة تكرست بوضوح في الحياة السياسية الامريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ولكن علاوة على هذا المألوف, كانت هذه المرة قضية كلينتون الاخلاقية المعلقة أمام الكونجرس, والتي رافقتها حملة تشهير لم يعرف التاريخ لها مثيلا في المدى والاتساع بفضل وسائل الاتصال العصرية. ومع ذلك جاءت النتائج مخالفة للتوقعات, وكسب حزب الرئيس كلينتون خمسة مقاعد اضافية في مجلس النواب, انتزعها من الحزب الجمهوري المعارض, وهو ما يحدث لأول مرة منذ عام 1934. ما هو السبب وراء ذلك؟ يلاحظ, قبل كل شيء ان شعارات هذه المعركة, تركزت على القضايا الداخلية. فبينما ركز الجمهوريون حملتهم الانتخابية التي قادها اليميني المتطرف (نيوت جينجريتش) زعيم الجمهوريين في الكونجرس ورئيس مجلس النواب, على ملف فضائح كلينتون في الأساس, فإن حملة الديمقراطيين التي قادها كلينتون وزوجته, تركزت على الرخاء الاقتصادي ومنجزات ادارته في هذا المضمار, وقضايا الاصلاحات الاجتماعية, ومعروف, في هذا السياق ان ادارة كلينتون حققت, في ميزانية هذا العام, ولأول مرة منذ تسعة وعشرين عاما, فائضا, بدل العجز الذي كان يتراكم من عام لآخر حتى بلغ رقما فلكيا يقدر بالترليونات, ورغم ان بواكير الانتعاش الاقتصادي بدأت في اخريات ايام بوش, الا ان هذا الانتعاش عرف اوج نتائجه في ظل ادارة كلينتون, وفي ضوء الفائض في ميزانية الدولة, بدأت مؤخرا بعض الاصلاحات في النظامين الصحي والتعليمي, والتأمين الاجتماعي, إلى جانب تحديد امتلاك السلاح, وبعض الاهتمام بالاقليات, وهذا يفسر, بدوره تصويت السود والاقليات بكثافة لصالح الحزب الديمقراطي. وهكذا, يؤكد الناخب الامريكي مرة أخرى, خلال هذا العقد, انحيازه لصالح برنامج يتعاطى, ولو جزئيا, مع مشاكله الاجتماعية, وكان قد فعل ذلك لدى تفضيله كلينتون المغمور ــ آنذاك ــ على بوش المشهور في انتخابات ,1992 حين اعتمد الاخير على انتصاراته الخارجية في الحرب الباردة وحرب الخليج الثانية وتجاهل القضايا الاجتماعية المأزومة. تأثير نتائج هذه الانتخابات على نتانياهو في اعقاب فشل الجمهوريين النسبي في هذه الانتخابات, قرر زعيم الجمهوريين في الكونجرس (نيوت كينجرتش) الاستقالة من منصبه, اعترافا بفشله في قيادة حزبه في هذه المعركة, ويصف مراسل صحيفة (هاآرتس) الاسرائيلية في الولايات المتحدة (نيتسان هوروفتش) زعيم الجمهوريين (كينجرتش) باعتباره احد الحلفاء البارزين لنتانياهو في واشنطن, في اطار صراع الجمهوريين ضد ادارة كلينتون. ومعلوم, ان نتانياهو الذي اقحم نفسه في الصراع بين ادارة كلينتون وخصومها في الحزب الجمهوري, وصل به الامر, استنادا إلى تحالفه مع (كينجرتش) ممثل اليمين الامريكي, ان يتحدى اكثر من مرة, وعلنا, الرئيس كلينتون نفسه, وان يردد بخيلاء وغرور في جلساته الخاصة بأنه قادر على حرق البيت الابيض. وكان نتانياهو, شأن حليفه البارز (كينجرتش) يراهن ان تؤدي هذه الانتخابات إلى المزيد من اضعاف كلينتون وتهميشه, مما يتيح لنتانياهو هامشا اوسع للمناورة والمماطلة والتحلل من الالتزامات, بما فيها التزامات اتفاقية (واي بلانتيشن) التي وقعها بنفسه, وبكفالة كلينتون المباشرة, فالتوقعات كانت ان يقضي كلينتون ما تبقى من فترة رئاسته هزيلا مشلول الارادة في احسن الاحوال, هذا اذا لم يتم اقصاؤه بواسطة كونجرس, كان مقدرا ان تعزز فيه هيمنة خصومه الجمهوريين. وفي الحقيقة, فمنذ توقيع اتفاق (واي بلانتيشن) في 23/10/98 تأكدت هذه التوجهات لدى نتانياهو فقد اجل مرتين عرض الاتفاق على مجلس وزرائه بدون سبب يذكر, انتظارا لاي حدث يعطيه المبرر للنكوص عن الاتفاق واختلاق المزيد من المعاذير وتقديم المزيد من الاشتراطات التعجيزية. وجاء حادث محنية يهودا في القدس الغربية لاتخاذه مبررا, للمرة الثالثة, بتأجيل عرض الاتفاق المذكور على مجلس وزرائه. وسارع وزير عدله, هانجبي, باتهام السلطة الفلسطينية بعدم الوفاء بما التزمت به, وذلك قبل تحديد هوية المنتحرين ومكان انطلاقهما. ويلفت الانتباه هذه المرة, ان معظم المعلقين السياسيين الاسرائيليين اعتبروا تعليق نتانياهو للتصديق على الاتفاق, بدعوى حادث التفجير المذكور, بمثابة خضوع لاهداف الذين خططوا للتفجير وبهذا المعنى يكون مركز نتانياهو يضعف ويتآكل على مختلف الصعد. داخل ائتلاف الحاكم يعم الاضطراب بدليل تمرير احزاب المعارضة لاكثر من مشروع قانون داخل الكنيست بأغلبية الاصوات في ظروف فقدان وحدة موقف اطراف الائتلاف الحاكم ويضطر لاستعطاء صوت عربي, في الكنيست, الذي كان يعتبر ه من المحرمات لتمرير مشروع الميزانية. وفي الولايات المتحدة يفقد نتانياهو اهم حلفائه الشخصيين والذي كان يحتل مركزا هو الثاني بعد رئيس الولايات المتحدة من حيث التأثير (طبعا لا يدور الحديث عن حلفاء اسرائيل في الولايات المتحدة) وكان يضمن له شل يد الادارة عن ممارسة اي ضغط عليه. وعلى النطاق الدولي تزداد عزلة وافتضاح سياسته تجاه القضية الفلسطينية. وبالتالي: فهذا الوضع الذي تضيق فيه الحلقة حول نتانياهو يشكل قوة ضاغطة عليه للوفاء بما وقع عليه في (واي بلانتيشن) وان لم يفعل فعلى الطرف الفلسطيني ان يتراجع عن اي التزام فرضه عليه هذا الاتفاق. وعدا ذلك نكون كمن يدفع سلفا ماهو مطلوب منه في هذه الصفقة تبرعا لنتانياهو بلا مقابل والذي ربما يطالبنا بتسديد الثمن لاحقا مرة اخرى وهو ثمن فادح في كل الاحوال. والمهم في الامر ليس مجرد رصد نقاط ضعف الطرف الاخر بل استثمارها.

تعليقات

تعليقات