مع الناس،بقلم:عبدالحميد أحمد

ارتكب أغلبنا امس جريمة نكراء من دون أن نشعر أو تهتز في بدننا شعرة, ومن دون أن تلاحقنا الشرطة فتلقي القبض علينا وتودعنا الزنازين, وبما أننا ارتكبنا الجريمة من دون أن نشعر, فإن الشرطة بالمقابل لم تعرف ما ارتكبناه بعد, والا كنا جميعا ضيوفا عندها اليوم, فنعذرها على أنها لم تعتقلنا بعد . أما الجريمة, فهي أننا لم نشتر أمس جهاز تلفزيون من احدى الماركات الشهيرة, يدخل في التنزيلات هذه الأيام, وخاطبنا اعلان له بدعوتنا للشراء وهو يقول: جريمة الا تشتريه, في محل بارز من الاعلان, وفي التفاصيل الخاصة بالجهاز فالاعلان يقول: ان سعره معقول جدا لدرجة أن عدم شرائه يعتبر جريمة. وهكذا فإن الذي لم يبادر الى شراء الجهاز فإنه بحكم الإعلان ارتكب جريمة, ولا نعرف ان كان المعلن قد نسق مع الشرطة قبل نشره الاعلان لكي تلقي الشرطة بدورها القبض على الذين لم يشتروا الجهاز, وهو ما يبدو أنه فات على المعلن, بدليل أننا نحن الذين لم يتسن لنا الوقت أمس لشراء الجهاز طلقاء حتى الآن, ولم تلاحقنا الشرطة على ما ارتكبناه من جريمة في وضح النهار, فننصحه أن يفعل في المرة المقبلة حين يعلن فيها عن جهازه الثمين, لكي لا نفلت من قبضة العدالة. والواضح من الاعلان كله, أن وكيل الجهاز, أو الجهة التي تولت الاعلان عنه بالنيابة, فخورة جدا بجهازها وتعتبره من أثمن الأجهزة وأفضلها, حتى أن اجراء تنزيلات عليه وتخفيض سعره, وبالتالي عدم شرائه بالسعر المخفض يعتبر عندها جريمة. هذا الفخور بجهازه والفرحان بالتنزيلات الى الدرجة التي يشبه فيها عدم شراء جهازه بالجريمة لا يعرف حتما أن السوق تعج بأجهزة مماثلة ومن ماركات مختلفة وبأسعار ربما يكون بعضها أفضل من أسعار جهازه بعد التخفيض, ومع ذلك لم يجرؤ أحد على استخدام كلمة جريمة لعدم الشراء, ما يمكن أن ننصحه مرة أخرى, اذا كان يعتبر جهازه ثمينا الى هذه الدرجة, هو ألا يخضعه على الاطلاق لاية تنزيلات, فيتجنب هو الاساءة الى جهازه ومستواه, الذي يبدو أنه فوق مستوى الشراء عند الناس, ونتجنب نحن المستهلكين جريمة عدم الشراء. طبعا بإمكاننا ان ننصح أيضا بأن يسعى لدى الدولة بحيث توافق على تغيير قانون العقوبات, باضافة بند جديد اليه ينص على أن عدم شراء الجهاز الفلاني بعد التنزيلات يعتبر جريمة, مع ذكر عقوباتها المستحقة كالسجن أو الغرامة أو غيرهما, لكي يصبح بعدها الاعلان نافذا ويكون على الشرطة فعلا تنفيذ العقوبات على مرتكبي جريمة عدم الشراء, لولا أننا نكتفي بذلك مع هذا الاعلان, قبل أن نرتكب جريمة فعلا يعاقبنا عليها القانون, مقابل إعلان آخر يكفي هذه المرة لا لإرتكاب جريمة بل للدخول الى العصفورية ونحن نضحك من شر البلية. فهذا عن مركز تجميلي هو الأول من نوعه في الشرق الأوسط حسب الإعلان (الصحيح هناك سلسلة من هذه المراكز بدأت تنتشر مؤخرا) للعناية بجميع مشاكل القدم, فيبشر بالقمة في العناية بالقدم, ثم في سياق الاعلان نعرف أن المركز يسعى بشكل دؤوب للوصول بقدميك الى القمة, كما يذكر الاعلان نفسه, من دون أن يذكر هل هو موجه للرجال او للنساء, فإذا كان هدف المركز الوصول بأقدام النساء الى القمة على النحو الذي يمكن ان نعرف أو نتخيل, فتلك مصيبة, أما اذا كان الهدف الوصول بأقدام الرجال الى القمة فالمصيبة أعظم, لأن من آثار ذلك هو أن يرفع الرجال والنساء معا ممن مروا تحت سقف هذا المركز أقدامهم باستمرار, وطوال الليل والنهار, ذلك لأن أقدامهم صارت في القمة, ويجب أن تبقى كذلك, فالوصول الى القمة سهل, أما الحفاظ عليها, فذلكم هو السؤال! عبد الحميد أحمد

تعليقات

تعليقات