أبجديات:بقلم- عائشة ابراهيم سلطان

التناقض والازدواجية مثل الديكتاتورية لا تنمو في فراغ, ولا يمكن اعتبارها حالة فرد, انها حالة مجتمع, يتعاون ويتفق ضمنا على أن تتستر فئاته, ونخبه المختلفة على(سوءات)بعضها البعض بما يحقق ثبات المصالح لضمان المزيد من الأرباح . وفي كل الأزمان والمجتمعات, لم يسلم السياسي من النقد اللاذع, ومنذ ان جرت انهار الفلسفة على أرض اليونان, وجميع الفلاسفة يعتبرون السياسي رجلا غير صالح! بمعنى انه رجل اللا ثبات في كل المواقف والدوائر عدا دائرة المصلحة, ومن هنا كانت جملة تاتشر الشهيرة : (في السياسة لا توجد صداقات دائمة, ولكن توجد مصالح دائمة) . ولذلك لا يثق ولا يحب الناس عادة أهل السياسة, مع أنهم يقتاتون اخبارهم ووجوههم صباح مساء, وأهل السياسة أنفسهم لا يثقون ببعضهم البعض خاصة حينما يكونون محترفين يلعبون السياسة وفق أصولها, تماما كما يلعبها اليوم كلينتون مع الكونجرس, وحزب الناتو مع مسلمي كوسوفو, ونتانياهو مع الفلسطينيين وعرفات مع حماس, وأمريكا مع بغداد, ونحن جميعا مع نخبنا السياسية والثقافية. ولان السياسة عالم لا ينتهي من المصالح والاقنعة, ولأن كل ذلك مؤسس بعلم وقواعد تأخذ أسماء ذات وقع كالدبلوماسية, والمصالح القومية العليا, والأمن القومي ومبادئ على شاكلة (اذا لم تستطع أن تغلبهم فانضم اليهم) ... الخ فإن السياسة أو فن الممكن أصبح مقبولا ولأهله كل الاعذار سلفا, طالما اللعب بالاوراق المتاحة هو القانون. لكن اللا مقبول ان ينافس أهل الثقافة والعلم أهل السياسة, فيتحولون بقدرة قادر الى كائنات تستعير من السياسة كل اصول البراجماتية المتاحة, وكل الديكتاتورية, والاحتماء خلف سواتر المصالح والتحالف الضمنية. لقد بدأت نخب ثقافية كثيرة, ومنذ فترة طويلة تتخلى عن مثالياتها وايمانها بقيم سادت طويلا, وملأ المثقفون الفضاء زعيقا وهم يحضون الناس على التمسك بها, ويعظونهم بشكل مؤثر, لم يكن ذلك في عهود مارتن لوثر أو كالفن في القرون الوسطى, لقد كان ذلك في ستينات هذا القرن. وفجأة اختفى الصوت الزاعق بالمواعظ, ودخل أغلب المثقفين سبات الوعي والايمان, وبدا واضحا ان صوت المنافع والحسابات البنكية قد غدا الاقوى والاكثر وضوحا. ولم يعترف أحد ــ بما فيهم المثقف طبعا ــ ان دورة الوعي قد تجمدت كالاجتهاد تماما, وان حالة اغلب المثقفين قد انكشفت أمام الجميع, فتضامن المجتمع مع مثقفيه على حالة قاتله من السكوت والتغاضي كل عن تناقضات الآخر, ودخلا معا ذات الماراثون وذات النفق المظلم حيث مثاليات الستينات لا مكان لها. المشكلة اليوم ان هذا المجتمع انتبه فجأة ليكتشف ان لا ضوء في نهاية النفق ولا نهاية للماراثون, وأنه فقد الكثير من قواه دون نتيجة, من هنا بدأ يبحث عن حاملي الشارات لاعلان نهاية السباق, وكان المثقف العربي هو المعني بهذه المهمة, لكن الفاجعة ان المثقف تعالى على مهمته وألقى الشارة وركض منذ زمن في اتجاه آخر! اليوم يبحث المجتمع عن مثقفيه لكبح جماح العربة, واعادتها لقضبانها, فالكل قد فقد الفرامل, الا ان جزءا كبيرا من هؤلاء المثقفين قد تحولوا الى مافيا مصالح وديكتاتوريين, ولم يعد لهم تأثير يذكر, سوى زعيق مبحوح, وأصوات لا توقف اية قافلة تسير بغير هدى. فمن يضبط البوصلة مجددا؟!

تعليقات

تعليقات