اتفاق (واي بلانتيشن) خطوة اخرى الى الوراء: بقلم- رياض ابو ملحم

يمكن لأي مراقب ان يلاحظ بوضوح الانحدار الذي شهدته مسيرة التسوية السلمية (لا سيما على المسار الفلسطيني) منذ انطلاقتها الاولى في مؤتمر مدريد عام ,1991 وحتى قمة (واي بلانتيشن) التي انعقدت في النصف الثاني من شهر اكتوبر الماضي. واذا كانت ظروف المرحلة الاولى قد سمحت لبعض المتفائلين بالحديث عن (الارض مقابل السلام) , استنادا الى قرارات الشرعية الدولية في هذا الشأن, فقد تميزت المرحلة التالية بحدث اكثر تفاؤلا ظهرت من خلاله صورة اعلامية مشتركة (لشرق اوسط جديد لا مكان فيه لعداوات او احقاد, ولا تفصل بين اجزائه حدود او سدود) ! لكن ذلك كله بدا من نوع أحلام اليقظة التي تتبدد بسرعة, فالسلام الموعود كان مجرد صيغة هلامية لاتفاقات هشة, ابرزها اتفاق اوسلو, لم تستطع ان تصمد امام تعقيدات المشكلة, والتفاعلات المتسارعة في المنطقة, كما ان هذا (السلام) فقد مرجعيته الحقيقية وتحول الى أداة ابتزاز يستخدمها الطرف الاقوى وهو اسرائيل, ضد الطرف الاضعف, اي السلطة الفلسطينية, وبسبب العلاقة غير المتكافئة التي قامت بين الطرفين فقد كان على الطرف الفلسطيني ان يقدم تنازلات متواصلة لصالح الطرف الاسرائيلي, دون ان يجد هذا الاخير نفسه مطالبا بتنفيذ خطوات مماثلة. كانت هناك اهداف رئيسية ثلاثة, مترابطة, للحكومة الاسرائيلية, حاولت بلوغها بجميع الوسائل الممكنة: الهدف الاول, هو نسف القاعدة التي تستند اليها التسوية السلمية: الارض مقابل السلام. ومنذ تسلمت حكومة بنيامين نتانياهو السلطة طرحت مفهوما آخر للتسوية هو (الامن مقابل السلام) . الهدف الثاني, هو تفكيك اتفاق اوسلو وتمييع بنوده. والهدف الثالث, هو اسقاط الرعاية الدولية للتسوية السلمية, بما في ذلك الرعاية الامريكية, بحيث تصبح العلاقة ثنائية بين اسرائيل وكل طرف عربي على حدة, ومحصلة ذلك, وفقا للتخطيط الاسرائيلي الذي بدأ في عهد حكومة اسحق رابين وتعزز في عهد حكومة بنيامين نتانياهو, هو ابرام صفقات منفردة تضمن المصالح الاسرائيلية من جهة, وتسقط جماعية العمل العربي من جهة ثانية. بالنسبة للهدف الاول, يجمع المراقبون على ان الحكومة الاسرائيلية نجحت في اسقاط مبدأ (الارض مقابل السلام) الذي اعتمد كقاعدة رئيسية للتسوية السلمية, واستطاعت ان تجعل من شعار آخر مختلف عنه قاعدة بديلة, هو: (الأمن مقابل الامن) وكان من نتيجة ذلك ان تراجع مطلب الانسحاب الاسرائيلي من الاراضي المحتلة ليأتي في الدرجة الثانية بعد مطلب (ضمان الامن الاسرائيلي أولا) . وقد تكرس هذا الواقع, على المسار الفلسطيني, في اتفاق الخليل, ثم جرى اعتماده بصورة مطلقة في اتفاق (واي ريفر) الذي مازالت الحكومة الاسرائيلية تماطل في مباشرة تنفيذه حتى الآن متذرعة بحجج واعذار شتى. ان الشروط الامنية والسياسية المتشعبة التي ارتبط بها اتفاق (بلانتيشن) تسمح للحكومة الاسرائيلية بامساك زمام المبادرة دائما من خلال الادعاء ان الجانب الفلسطيني لا ينفذ التزاماته, وهو ما يتيح لها مطالبة السلطة الفلسطينية بالمزيد من الاجراءات ضد المنظمات الفلسطينية المعارضة للاحتلال الاسرائيلي والمقاومة له, بينما تمتنع هي عن تنفيذ ما يتعلق بها من التزامات. كذلك نجحت الحكومة الاسرائيلية في تفكيك اتفاق اوسلو وتغيير بنوده, على الرغم من الانطباع السائد بأن وثيقة (واي ريفر) هي تنفيذ لهذا الاتفاق, فما جرى التوافق عليه في (بلانتيشن) يختلف كثيرا عن مضمون اتفاق اوسلو, سواء ما يتعلق بحجم الانسحاب المقرر, مبدئيا, في كل من الاتفاقين, او بالشروط المستحدثة التي تجعل من الامن الاسرائيلي الهدف الاول والاخير لكل الاتفاقات المعقودة, ومن الواضح ان الجانب الفلسطيني سيدفع بموجب الصفقة الجديدة, ثمنا اضافيا لاتفاق اوسلو الذي تمتنع الحكومة الاسرائيلية عن تنفيذه, بعد ان كان قد دفع ثمنه قبل ذلك لدى ابرام اتفاق الخليل الذي ظلت معظم بنوده بدون تنفيذ ايضا. اما الهدف الثالث, وهو اسقاط الرعاية الدولية للتسوية السلمية, فقد تحقق قبل الذهاب الى (مزرعة واي) بوقت طويل, وذلك بابعاد جميع الاطراف الاساسية التي شاركت في الرعاية الرسمية (والمقصود هنا تحديدا اوروبا وروسيا) , تم باضعاف الرعاية الامريكية من خلال تعطيل المبادرة الامريكية ومنع اعلانها رسميا, وبادخال تعديلات جذرية عليها في مرحلة لاحقة, كما ظهر في وثيقة (واي ريفر) التي اعتبرت انجازا كبيرا للادارة الامريكية. مع كل ذلك فان اسرائيل تحاول الظهور في مظهر من يقدم تنازلات غير مسبوقة لصالح الفلسطينين, من خلال قبولها باتفاق (واي بلانتيشن) ويمثل هذا الوضع مكسبا مجانيا اخر للحكومة الاسرائيلية, بالاضافة الى مكاسبها المحققة. بيد ان السلام لا يتحقق عبر مثل هذه المناورات, لا لاسرائيل ولا لغيرها من دول المنطقة. كذلك الحال بالنسبة للأمن, خصوصا اذا كان أمنا احاديا. فلا أمن من دون سلام, ولا سلام مع استمرار الاحتلال. ولعل ابرز نقائص اتفاق (واي بلانتيشن) , كما الاتفاقات السابقة, انه لا يضع اسرائيل امام خيار حاسم حيال هذه الحقيقة وانما يترك لها المجال واسعا للتهرب من تنفيذ التزاماتها. وهو ما يحمل على القول بأن الاتفاق الجديد يمثل خطوة اخرى الى الوراء.

تعليقات

تعليقات