خلفية الصورة الفلسطينية وأبعادها: بقلم - عمران سلمان

أضفى انفجار القدس وقبله انفجار بئر السبع قدرا كبيرا من التعقيد على الكيفية التي سيتم بها تنفيذ اتفاق واي بلانتيشن. ومن شأن حدوث تفجيرات أخرى أن ترينا بصورة أسرع كيف سيتم حسم التناقضات والصراعات الدائرة حاليا. وفي حين يبدو إصرار كل من حركتي حماس والجهاد الاسلامي على القيام بعمليات انتحارية ضد أهداف اسرائيلية, محاولة لافشال الاتفاق واحراج القيادة الفلسطينية. فانه من الوجهة الأخرى يهدف الى خدمة هاتين الحركتين في المجالين الداخلي والخارجي, بوصفه عاملا لاكتساب المصداقية والشعبية في الساحة الفلسطينية والعربية. وتقاطع هذه الأهداف هو ما يجعل من الصعوبة بمكان على السلطة الفلسطينية كما على حركتي حماس والجهاد الوصول الى حالة اتفاق (جنتلمان) يحفظ الحد الأدنى من الوفاق الفلسطيني الداخلي. من الجانب الآخر تبدو الحكومة الاسرائيلية انطلاقا من مصلحتها المباشرة, ميالة لاستغلال الحوادث الارهابية والتذرع بها لتأجيل تنفيذ اتفاق واي بلانتيشن. ومن الواضح انها تفعل ذلك أيضاً وفق حسابات داخلية تراعي مطالب اليمين المتشدد في صفوفها وخارج هذه الصفوف. وكي لا تظهر نفسها كما لو أنها مشغولة بالاتفاق أكثر من انشغالها بحماية أمن مواطنيها! إن اكتمال هذه الحلقة أو انسدادها هو ما يجعل كل الأطراف تشعر مع الوقت بالمزيد من التوتر والقلق. وبحيث يبدو من الصعب مطالبة أحد الأطراف بالتضحية بنفسه تلقائيا, فمن الذي يجب عليه أن يضحي ويسمح لعربة الآخر بالمرور على جثته؟ من جانب حماس والجهاد يعتبر نجاح اتفاق واي بلانتيشن بمثابة مرحلة جديدة ونوعية في العمل الوطني الفلسطيني, فهذا الاتفاق لا يكرس شكل التسوية الذي أقر في أوسلو فحسب, وإنما يقفل الباب نهائياً أمام أي إمكانية للعودة العكسية. اي ان النتائج التي ستترتب عليه ستكون وثيقة الصلة بالمفاوضات النهائية والشكل المستقبلي للكيان الفلسطيني. ومن ثم يضع الشعارات والبرنامج العقائدي لحماس والجهاد أمام الامتحان العملي, وتدرك هاتان الحركتان بالفطرة ان أي شوط تقطعه السلطة الفلسطينية في اتجاه الاتفاق مع إسرائيل, هو شوط يسرع في تآكل شعبية ونفوذ كل منهما داخليا, ويقطع أحد حبال المساعدات الخارجية. وهذا ما دفع سوريا وإيران لوضع ثقلهما خلف حلفائهما في الحركتين, ومطالبتهما علنا بفعل كل شيء لاسقاط الاتفاق قبل فوات الآوان. من الجانب الآخر فان السلطة الفلسطينية والمحكومة بالاتفاقات والالتزامات التي قطعتها على نفسها امام اسرائيل والمجتمع الدولي, هذه السلطة لن تستطيع حتى وإن أرادت أن تسمح لعناصر حماس والجهاد بتخريب نتائج عملها المضني والشاق. فالمسألة بالنسبة للقيادة الفلسطينية قد أصبحت هي الأخرى مسألة حياة أو موت, أما اسرائيل فانها ستواصل استغلال حالة الشد والجذب بين السلطة ومعارضيها في استراتيجيتها الرامية لتحميل الفلسطينيين مسؤولية التأخير في عملية السلام. وهكذا فان المنطق الداخلي للأحداث في الساحة الفلسطينية سوف يؤدي للبت سريعا في أحد الخيارين: إما أن تكيف حماس والجهاد وضعهما في اطار اتفاق واي بلانتيشن وما سيتلوه, وتكتفيان بالمعارضة السلمية, كما هو حاصل مع التنظيمات اليهودية المتطرفة في اسرائيل. وإما أن تتجه الأمور للصدام التام بين الحركتين والسلطة الفلسطينية, وإذا كانت الاجراءات التي تتبعها السلطة حاليا لا تتعدى الاعتقال والحجز, فانها قد تتطور مستقبلا الى ما هو أكثر من ذلك وأشد. وأعتقد شخصيا ان حركة حماس سوف تلجأ للخيار الأول, أي الخيار السلمي, لا لسبب سوى لأن لديها ما تخسره, على عكس حركة الجهاد التي يوجد الجزء الأكبر من تنظيمها خارج الاراضي المحتلة, وبالتالي قد تستمر الى حين في إثارة بعض المتاعب.

تعليقات

تعليقات