ثقافتك التنموية: بقلم - د. زكي الجابر

إذا ما وقع في علمك ان هناك ثقافة صحية, واخرى نفسية, وثالثة سياسية.. فلماذا لا تكون لديك ثقافة تنموية؟ الثقافة التي تجمع تحت خيمتها شتاتا من المصطلحات يحلو لصياغة أدبيات التنمية تردادها كلما سنحت لهم الفرصة للحديث في منتدى أو للتحبير في صحيفة أو كتاب. لماذا لا يكون لديك, هذا الاطلاع على ما يعلنون من ان التنمية اختيار قاس, وما يقولون عن (استيراد التكنولوجيا) والاقلاع) و(مراحل التنمية) والفوارق بين (التطور والتنمية) و(التنمية المستديمة) و(الاخرى المستدامة) و(الروابط بين الانفجار السكاني وتعثر خطوات التنمية) , وغرار تلك من المصطلح كثير. أما موطن الاهتمام بهذا اللون من هذه الثقافة فيتجلى في انك المعني أولا واخيرا بالفعل التنموي, وهم يرفعون لافتة تشير الى أن التنمية انسانية, ويعيدون الى الاذهان الحكمة القديمة التي تنصحك بألا تعطي الفقير سمكة ليأكلها بل علمه كيف يصيد السمك ويرجعون بك الى بيريز دي كويلار, الأمين العام الاسبق للأمم المتحدة, وهو يرجع فشل جهود التنمية في العديد من الاحايين الى اغفال العنصر الانساني وعدم اعطائه الحق الذي يستحقه أو ربما يكون جميلا ومؤثرا الوقوف عند مقولة نيريري, ذلك الافريقي, الذي ذهب الى ان الانسان يستطيع أن يحرر نفسه فقط. أما الآخر فلا يستطيع تحريره. انه هو الذي يكون نفسه, وبقدرته يعمل صوب الغرض الذي يحدده. وبذلك يتميز عن الحيوان. ان معنى التنمية في النهاية هو توسيع الانسان لوعيه وبالتالي قدرته على نفسه وبيئته ومجتمعه. وهكذا فالتنمية هي للانسان وبالانسان, ومن الانسان) . ان المتأمل في هذه المقولة لا يكشف عما فيها من جمال مؤثر بل يشير أيضا الى ان الثقافة باعتبارها مكونا للوعي انما هي عنصر اساسي في التنمية, وان مفاهيم الثقافة التنموية بالذات ينبغي أن تكون تحت يد الانسان المعني بها وفي حوزته, وانه ضرورة في مجتمع يعمل على تكوين ذاته وتطوير أدواته الحياتية. وقد يكون مهما ان نضيف الى ان استقبال هذا الضرب من القول لن يكون مجديااذا ما تم في نطاق رطانة اللسان واستسلام العقل. ان هذه الرطانة وذلك الاستسلام ينتهيان الى غياب الوعي النقدي, وتتحول (المصطلحات) الى أدوات تشيع العماء والبلاهة والتبعية. الم تكتب (ايزابث دي كودنز) ساخرة عبارتها الساخرة (ان على شعوب بلدان العالم الثالث ان تنظف أسنانها بالفرشاة ثلاث مرات في اليوم حتى ولو لم يكن لديها شيء تأكله) ! وبالثقافة التنموية باعتبارها منطلقا للتساؤل والتعرف يمكن الحكم بقدر من الادراك على نمط التنمية السائد في البلد, ومن يقرر نوع هذه التنمية, وكيف يتم اتخاذ القرار بشأنها, ومتى, ولماذا, ولمصلحة اي من الناس؟ ولسنا جميعا من الغباء لنقول بامكانية فصل الثقافة التنموية عن الثقافة العامة بما فيها من تنوع وثراء وأصالة وامتدادات في مفاصل المعيش اليومي. وقد نكون على صواب حين نرى في الثقافة التنموية عنصرا من أهم العناصر الفاعلة في الثقافةالعامة للمجتمع. والحكم عليها بأنها عنصر فاعل يتصل بالفعل التنموي ذاته وبما فيه من ارتباطات بين ارضاء حاجات قوام عيش الناس من جهة, وتوفير (بضاعة) ابداع وتعبير انسانين, وانتاج بضاعة من نوع آخر يصح وصفها بأنها (كمالية) . وبذلك تكون (مفردات) الثقافة التنموية أدوات تفكير وسلوك) . انها أدوات تفكير لان الانسان لا يستطيع ان يقيم سلسلة عملياته العقلية بدون مفردات معجمه الثقافي اللغوي ان المعاني في عقل الانسان والمفردات هي المحفزات على استرجاع المعاني وتكوين منظومة من العلاقات بين الماثل والغائب منها. وهي كذلك أدوات سلوك لان العمل التنموي في جوهره سلوك, ومن اجل الابتعاد بهذا السلوك عن العشوائية يغدو أمرا ملزما ضبط معاييره عن طريق توظيف أدوات ثقافية. ونحن نتفق, كما أرى على اتساع خيمة الفعل التنموي. انها تضم خليطا نحاول ان نجعله مركبا يدخل في قوامه المادي بناء السدود وتربية الماشية وزراعة الحبوب وبناء المدارس واستعمال الكمبيوتر واستخدام التليفون والطائرة وتوظيف الاقمار الصناعية.. ويدخل في قوامه الفكري التخطيط الاقتصادي ومحو الأمية والتحليل السياسي والانتفاع من الموروث واستخدامات تكنولوجيا التواصل والاعلام. ويبدو لي اننا نتفق ايضا على أن اسوأ فعل تنموي هو ذلك الذي لا يستند على مفردات القوامين المادي والفكري. ان فقدان هذا الاستثناء قد ينتهي الى ضياع جهود, وتبذير اموال, وتكريس تخلف. وبعد ذلك, فليس بغريب القول بأن مفردات الثقافة التنموية تختلف من قطر الى قطر آخر, ومن جيل الى جيل, فإذا ما كانت بعض المجتمعات الغربية قد حققت اقلاعها عبر خطوات (التحضر) و(التعليم) و(توظيف وسائل الاعلام) , و(المشاركة السياسية) , فإن ذلك لا يحتم على المجتمعات الاخرى توظيف الخطوات ذاتها حرفيا وبمفرداتها الفكرية والمادية. كما أن اجتهاد بعض منظري التنمية بأن التقاليد تقف عثارا في طريق مسيرة العالم نحو مجتمعات (الرفاهية) , فان هناك من لا يرى خيرا في هذه التقاليد باعتبارها نسقا يمتد في صميم الحياة الاجتماعية يحافظ على الهوية, ويمد باسباب التماسك, ويشد الازر في معركة الصراع من اجل البقاء. ان القول باختلاف مفردات الثقافة التنموية لا ينفي بأية حال تبادل الخبرات والاستفادة من التجارب, وفي عالمنا المعاصر لا يمكن الانكفاء على الذات بل تكونت اشكالات مثل تلوث البيئة والتسلح الذري والحروب الجرثومية وندرة الموارد تتطلب جهودا عالمية مشتركة لانها تتصل بمصير الانسان في كل مكان. ان ثقافتك التنموية ضرورة وليست تعالما او ترفا فكريا أو حذلقة.. ولك رأيك الذي أحترمه حتى ولو كنا على خلاف.

تعليقات

تعليقات