أبجديات: بقلم-عائشة ابراهيم سلطان

ماذا يعني ان تحتل سلعة ما رأس القائمة في تصنيفات الأفضل والأوسع انتشارا, والأكثر مصداقية عند الجمهور و... الخ, فاذا كانت السلعة ثقافة أو كتابا, فما دلالة ان يحتل هذا الكتاب أو ذاك قائمة ما يعرف في الغرب (البست سيلر) أو الافضل مبيعا ؟ لقد وقفت أمام واجهات محال ومكتبات عرضت كتبا صنفت على انها (الافضل مبيعا) , تأملتها وقرأت عناوينها جيدا في واحدة من أكثر عواصم الدنيا شغفا بالقراءة.. واشنطن, ولكنني لم أجد ما يقنعني تماما, فلم تكن الكتب الأكثر انتشارا سوى كتاب في تمارين اليوجا أو الجنس أو قصة حياة لاعب بيسبول أو مذيعة تلفزيون شهيرة. وبما ان الكتب لم تصدر لقارىء جاء من مدارات اخرى, فلم يكن من حقي ان أصدر حكما عليها, لأن المعايير الحضارية والثقافية والتربوية التي ينطلق منها أبناء الحضارات مختلفة, بل وجذرية أحيانا, وهذا ما يجب علينا ان نعيه ونتذكره دائما, ان ما يعنيهم ويشغل بالهم ويلح على خواطرهم لا يشكل همنا واهتمامنا بالضرورة. من هنا فإن الافضل مبيعا لا يعني الافضلية المطلقة من حيث توافر الأساسيات في العمل أو السلعة حيث معايير الجودة والاتقان والحرفية, فنحن عندما نرصد قائمة أفضل عشرة ألبومات, لن نجد أم كلثوم أو فيروز أو موسيقى شوبان أو بيتهوفن أو تشيكوفسكي مثلا, ستجد حكيم وعمرو دياب وأحلام و... الخ, هذا لا يعني ان هؤلاء هم الافضل أبداً أو انهم ذائقة (كل) الجماهير, هذا يعني ان هؤلاء ينتشرون كأي شيء في أيامنا هذه, وهناك اقبال من قبيل التقليد أو العدوى لا أكثر. ان هذه القوائم تضع معاييرها واحصائياتها مؤسسات و(عصابات) سواء في الغرب أو في الشرق أو لدينا, لتقول بصوت عال ان هذا هو الذوق العام أو السائد, واننا يجب ألا نشذ عنه, وبالتالي يجب ان نشتري كما يفعل الآخرون. هذا يعني بأن تفكر بعقلية القطيع, فهذه العقلية هي الديانة السائدة اليوم, وهي بطاقة التعريف التي يستخرجها الجميع ليدخلوا بها القرن المقبل, أما ان تغرد خارج السرب فمعناه ان تعيش خارج الزمن وان تحكم على نفسك بالنبذ في فضاء موحش... وما عليك سوى ان تختار! اليوم بين يدي القارىء الكريم قائمة أوسع الكتب انتشارا في العالم كما أوردناها في ملحق (بيان الكتب) , تفحصوها جيدا لتكتشفوا بأنها لا تخرج عن الموضوعات التالية: حياة الطيور, قصة رجل مع المناطيد, معاناة لاعب كرة قدم مدمن, ملاكم معتزل, نجمة اغراء منتحرة, مغنية فرنسية ماتت منذ عام, وعلاقة حميمة بين امرأتين, ورسالة داخل زجاجة و... الخ. لا يحق لنا ان نصدر حكما أياً كان نوعه على هذه الكتب أو على قرائها, نحن فقط نقول هذا هو السائد هناك, وهذا ما يعنيهم بشكل أو بآخر والا ما بيع من هذه الكتب ملايين النسخ, والأمر ينطبق على بقية الاهتمامات والاعمال والمساعي, فالقضية ان لكل مجتمع ولكل جماعة انسانية اهتماماتها التي تفرزها ظروف بيئية وحضارية معينة, وان مطابقة حالة بحالة وتقليد مجتمع لآخر وتبني توجهاته أمر غير صحيح أبداً. وعليه فالمناداة بقضية المساواة للمرأة على غرار ما تفعله المرأة الامريكية مثلا استنساخ لا معنى له, كذلك المطالبة بمحو أمية الكمبيوتر والانترنت, في حين ان أميتنا العلمية مرعبة, والمطالبة ببناء المزيد من دور السينما والمسارح, في حين ان مدارسنا دون المستوى, والاصرار على تحرير المرأة وانفتاح الأسرة ورفع الوصاية الابوية و... الخ. كل تلك المطالب لا تعبر عن واقع, بقدر ما تعبر عن تناقض وازدواجية المطالبين والمطالبات بها.. لا أكثر.

تعليقات

تعليقات