المجالس البلدية ومستقبل التيارات السياسية في ايران:بقلم- محمد صادق الحسيني

يستعد نحو اربعين مليون ناخب ايراني لخوض منافسة هي الاولى من نوعها منذ قيام الثورة في بلادهم لاختيار ممثليهم في المجالس البلدية(مجالس الشورى)على امتداد البلاد . وطبقاً لما تشير اليه تقارير وزارة الداخلية المسؤولة عن تنظيم هذه الانتخابات فان نحو مليون شخص تقريباً ينتظر ان يسجلوا اسماءهم للترشيح لعضوية هذه المجالس في القرى والارياف والمدن حيث سيتم انتخاب نحو مئتي الف منهم كأعضاء اصليين وآخرين احتياط ينوبون عنهم في حال غيابهم. التحضير للانتخابات المذكورة هو الشغل الشاغل هذه الايام لوزارة الداخلية والمناقشات حولها داخل المنظمات الحزبية والتيارات السياسية والاوساط الطلابية جارية دون انقطاع والاستعدادات لخوض النزالات بين المرشحين جارية على قدم وساق. وخلال اقل من شهر سيفتح باب التسجيل لكل من يرغب في خوض هذه المعركة من المواطنين. والشرط الوحيد لقبوله مرشحاً رسمياً يكاد يكون عدم انخراطه في سلك الوظيفة الرسمية. وتعتبر انتخابات المجالس البلدية المقررة في 26 من فبراير المقبل الاولى بين الانتخابات التي ستجري من دون تدخل مجلس صيانة الدستور المعروف باثارته للجدل وسط الفرقاء السياسيين المختلفين حول توجهات هذا المجلس ووظائفه القانونية. غير ان البعض يشعر بالقلق رغم ذلك باعتبار ان المشرف على قوائم الترشيح هي لجنة الشؤون المحلية البرلمانية التي تتكون من خمسة اشخاص اربعة منهم يميلون الى ما يعرف باليمين التقليدي. ومع ذلك يستبعد آخرون ان يكون تأثير هذه اللجنة البرلمانية كبيراً على سير عمليات الترشيح او عمليات الشطب المحتملة كما هو الحال في انتخابات سابقة كما كان يحصل من قبل مجلس صيانة الدستور باعتبار ان الشروط المطلوبة لعضوية المجالس البلدية بسيطة للغاية وعادة ما تكون متوفرة لدى عامة المواطنين. من هنا يجمع المحللون السياسيون بأن مثل هذه الانتخابات ستكون بمثابة التظاهرة الانتخابية الاكثر اهمية والاكبر حجما والابلغ دلالة على حجم المشاركة الشعبية ونوعيتها في عمليات صناعة القرار وصياغته النهائية في العهد الختامي العتيد. واذا كان ظاهر الامر يفيد بأن هذه الانتخابات ستفرز اعضاء المجالس البلدية في المدن والارياف والقرى النائية وفي طليعتها المدن الكبرى واهمها العاصمة طهران وبالطبع انتخاب عمدتها من بين خمسة عشر عضوا من اعضاء المجالس البلدية, فان المحللين السياسيين من جماعة المجتمع المدني الجديد يقرأون في هذه الانتخابات بأنها التجربة الاختبارية الاكثر دلالة على تطبيقات شعارات الرئيس محمد خاتمي الاساسية في مجال السياسة الداخلية والتي قد يكون ابرزها ما يلي: 1ــ حق الرأي العام في تقرير مصيره بنفسه. 2ــ ضرورة اللامركزية في القرار والادارة. 3ــ ضرورة التوزيع العادل للثروات والسلطات. 4ــ ضرورة ترسيخ مؤسسات المجتمع المدني. بتعبير آخر فإن المجالس البلدية المنتخبة ستكون الواقع: الطلائع الشعبية الاكثر عمقاً والاكثر تقدماً في خدمة شعارات الرئيس محمد خاتمي الخاصة بالتنمية الاجتماعية والتنمية السياسية والاكثر تحرراً من قيود وقواعد معادلة سلطات صنع القرار العليا, لكنها القادرة في نفس الوقت اكثر من غيرها على التأثير في تلك المعادلة في اللحظة التاريخية المناسبة لصالح حماية العملية الديمقراطية ومنع قيام اية ديكتاتورية محتملة كما يراها المحللون السياسيون من جماعة المجتمع المدني الجديد. من هنا يعتقد هؤلاء بأن العملية الانتخابية المرتقبة ستكون بمثابة عملية اصلاحية كبرى ان لم تكن ثورة عظيمة في النظام الاداري الحاكم منذ عشرات السنين ذلك النظام الذي يحمله السياسيون ورجال الدولة والمثقفون مسؤولية فشل العديد من طروحات الاصلاح الاجتماعية والسياسية. بمعنى آخر فإن التقليد الذي ظل متبعاً في العديد من الادارات المتوالية على الحكم في البلاد والقاضي بأن يتم اتخاذ القرارات في اعلى مراتب السلطة والنظام ومن ثم يتم تعميمها على الاجهزة والكوادر لتدرس كيفية تنفيذها وايجاد الصيغ الملائمة لتطبيقها مطلوب اليوم استبداله بتقليد يقضي بأن يتم دراسة صيغ القرارات المطلوبة في المستويات الدنيا بناء على حاجة الناس المباشرة ودراسة الخبراء من كوادر المجالس الشعبية ليتم حملها الى سلطات القرار العليا لتبحث بدورها صيغ تفعيل واشكال تطبيق تلك القرارات بما يلبي الحاجات الاولية والملحة للجماهير العريضة. استناداً الى ما تقدم فإن الثلاثة اشهر المقبلة التي تسبق الاحتكام الجديد الى صناديق الاقتراع ستكون من جديد بنظر اجماع المراقبين واحدة من اكثر الاشهر حرارة واحدها سجالاً بين القوى والتيارات السياسية التي باتت مستقطبة بين ما بات يعرف بتكتل اليمين المحافظ والتقليدي من جهة وما بات يطلق عليهم بتكتل قوى الاصلاح والتغيير من جهة ثانية. هذا ناهيك عن احتمالات توزع القوى التي يتشكل منها كل تكتل على جبهات منفردة او متحالفة بناء على متغيرات الانتخابات مما يزيد من حدة السجال وحرارة المواقف السياسية. ثمة من يضيف بعداً جديداً على الانتخابات البلدية المرتقبة وذلك من خلال اعتبارها الميدان الاختباري الاكثر دقة في حسم شكل الاستقطاب المنتظر في انتخابات الدورة البرلمانية السادسة المقررة في العام الفين (2000) وتالياً انتخابات الرئاسة الثامنة المقررة في العام 2001. ويعتقد محللون سياسيون بأن من يكسب الرهان في معركة انتخابات المجالس البلدية المقبلة سيكون بمقدوره ان يلعب دور اللاعب الرئيسي في معركة الانتخابات البرلمانية التي تليها وقد يكون القادر لوحده على تعيين الرئيس الذي ستفرزه صناديق الاقتراع في انتخابات العام 2001. من هنا فانهم يعتقدون بأن انتخابات المجالس البلدية التي باتت موقع اهتمام المواطن الايراني من الآن وحتى يوم السادس والعشرين من فبراير المقبل هي الميزان الحراري الحقيقي الذي به سيقاس نبض الشارع الايراني وتالياً درجة حيويته وحجم ارتباطه بالنظام السياسي الحاكم في البلاد. ومن الآن حتى ذلك الحين فان ايران مرشحة لسجالات حادة حول القراءات المتعددة والمتنوعة للديمقراطية والحريات العامة والتعدديات السياسية والثقافية مرة اخرى وسيكون الرئيس محمد خاتمي والخاتمية موقع اختبار وتحد جديد. كما ستضطر جميع التيارات السياسية في البلاد للكشف عن طبيعة رؤيتها للرأي العام وحجم شفافيتها في النظرة الى الشباب والمرأة عنصري التغيير الاساسيين في هذه المعركة.

تعليقات

تعليقات