محاكمة الجنرال بينوتشية،بقلم: الدكتور طلعت شاهين

اعتدنا على رؤية الجنرالات في قاعات المحاكم كقضاة يحاكمون الآخرين, ومشهد تلك المحاكم التي يجلس على كراسيها هؤلاء الجنرالات بنياشينهم التي تبرق تحت اضواء قاعات المحاكم, او تنعكس عليها فلاشات الكاميرات تعتبر من افظع المشاهد, لأن احكامهم عادة ما تكون بالإعدام , وقليلا ما يصدرون أحكاما بالسجن المؤبد, الذي يعتبر أسوأ من الإعدام في حالات كثيرة, أما أحكام البراءة فهم لا يصدرونها, لأنهم لا يعترفون ببراءة أحد, المحاكم العسكرية تعتبر المتهم مدانا حتى بعد ثبوت براءته, رغم ان اساس العدالة ان (المتهم برىء حتى تثبت إدانته) . اما رؤية الجنرالات كمتهمين يقفون في اقفاص الاتهام حالة شاذة, وإذا حدث هذا المشهد ــ وتلك حالات نادرة ـ لا يكون الجنرالات في لباسهم العسكري, بل يتم تجريدهم منها ومن النياشين الشرفية التي تثقل صدورهم, وكأنها تضع حاجزا ما بين قلوبهم والرحمة المعروفة لدى الانسان باعتباره (حيوان عاقل) , أو أن تلك المحاكمات ـ إن حدثت ـ تتم عادة بعد تجريد الجنرال من السلطة بإرادة جنرال آخر, أي نتيجة انقلاب عسكري. تلك الافكار ربما مرت في عقول مشاهدي التلفزيون خلال الاسبوعين الأخيرين عندما شاهدوا الجنرال (أوجوستو بينوتشية في نشرات الاخبار, التي تتحدث عن صدور حكم بالقبض علىه تمهيدا لمحاكمته, ربما مر هذا المشهد وكأنه نوع من تلك المشاهد التي تغص بها بعض الافلام والحلقات المسلسلة التي تحاول ان تلوي عنق الواقع لتجعلنا نعيش بعض اللحظات في احلام العدالة المستحيلة. حلم محاكمة الجنرال أوجوستو بينوتشية داعب الخيال لبضع لحظات, وكانت الأنباء التي تتحدث عنه خلال الاسبوعين الماضيين مشهدا مسرحيا شاركت فيه حكومات ومؤسسات ديمقراطية, ولعب ادوار البطولة فيه عدد كبير من السياسيين البارزين في العالم, بل ان بعضهم خرج من اركان النسيان ليحاول ان يجد دورا ثانويا, ولو على هامش هذا المشهد المسرحي, مثل ما فعلت المرأة الحديدية السابقة (مارجريت تاتشر) . انها مسرحية رديئة, معدة لإقناعنا بعظمة الديمقراطية الغربية التي تطبقها أوروبا الغربية والولايات المتحدة الامريكية, لكنها تحولت الى مسرحية تسخر من تلك الديمقراطية ومن مؤسساتها المزيفة, لأن شيئا ما كان يبدو في خلفية المشهد يثير المشاهدين الذين ابهجم رؤية الجنرال تحت الحراسة البوليسية, وأي بوليس, أنه الاسكوتلانديارد الذي حفظنا اسمه من خلال قراءاتنا لروايات (اللص الظريف أرسين لوبين) , رغم ان هؤلاء الممثلين اقنعوا المتفرجين لبعض الوقت, ان المحاكمة صارت امرا مؤكدا, ولكن لأن لمؤلفي الدراما الناجحين قدرة على الاقناع بالمواقف التي يرسمونها, فانهم سرعان ما غيروا المشهد ليحاولوا اقناعنا بأن ما سوف يحدث في الأيام القادمة مقنع ايضا, بل ومطلوب حماية لنا من التعرض لجنرال أشد هولا وسطوة من الجنرال العجوز. المشهد الذي كان معدا لاقناعنا بعكس ما اقنعنا به المشهد الأول كان مشهد قضاة المحكمة العليا البريطانية لحماية الجنرال من المحاكمة, لكن يبدو ان مؤلف تلك المشاهد الدرامية يجهل اللعبة القانونية, أو أنه اعد تلك المسرحية على عجل, وهربت من يديه خيوط الحبكة الدامية, فحاول ان يداري الخطأ الذي وقع فيه, ووضع ذلك المشهد دون إعداد جيد له, وبالتالي كانت نتيجة حماية الجنرال باعتباره (رئيس دولة) سابق (؟!). القضاة البريطانيون الذين منحوا الجنرال الانقلابي هذه الصفة لم يبينوا لنا من الذي اختاره ليكون رئيسا لدولة التشيلي, ولم يحاولوا البحث في الصفات المتعددة لرؤساء الدول: هناك رؤساء دول انقلابيون قتلة, ورؤساء دول نصابون قطاع طرق, ورؤساء دول ديمقراطيون وصلوا الى مناصبهم طبقا لشرعية ديمقراطية واختيار حر. بهذا الحكم ساوى القضاة البريطانيون بين كل هؤلاء حتى اصبح الجنرال اوجوستو بينوتشية على الدرجة نفسها التي يوجد عليها رئيس وزراء بريطانيا الحالي (توني بلير) أو رئيسة الوزراء السابقة مارجريت تاتشر, صفة تلك الأخيرة يمكن ان يقبلها البعض باعتبار ان تلك السيدة كانت متقلبة المزاج, وساندت العديد من الجنرالات من نمط الجنرال بينوتشية, او انها غضبت من جماهير حزب المحافظين الذين أداروا ظهورهم لها واختاروا غيرها للحكم, فلم تقبل حكم ديمقراطي كانت تدافع عنه, وبكت كما تبكي أية امرأة يهجرها زوجها, وربما كان دفاعا عن الجنرال لم يكن سوى استمرار لغضبها على الجماهير التي سئمتها, والقت بها بعيدا عن دهاليز السياسية. مسرحية (محاكمة الجنرال) مستمرة رغم انكشاف حيل المؤلف, والحكم عليها بات واضحا, انها بمقاييس الدراما بكل انواعها واتجاهاتها ونظرياتها مسرحية رديئة, ولا يمكن قبولها إلا على أنها مغامرة من مؤلف متواضع الموهبة لم يقدر خطورة وضع الجنرال بينوتشية في قفص الاتهام. الحقائق السياسية لا تقبل تطبيقها على الواقع الذي تعيشه أوروبا الغربية والولايات المتحدة, لأنهما كتلتان لهما مصالح مشتركة, وكلتاهما تسعيان الى مزيد من السيطرة على مستقبل دول العالم المتخلف مثل التشيلي وماشابهها, ومحاولة تقديم حليف احدهما ـ في هذه الحالة الجنرال حليف الولايات المتحدة الامريكية وخادمها المطيع ـ للمحاكمة يعني كشف الدور الامريكي في انقلاب ,1973 ومسؤولية المخابرات الامريكية عن قتل الرئيس المنتخب ديمقراطيا الدكتور سلفادور الليندي, وهدم الديمقراطية التشيلية, وخطف وقتل وتعذيب عشرات الآلاف من المواطنين التشيليين والأجانب, من بينهم امريكيون واوروبيون, وهذا يعرض المصالح الامريكية للخطر, وأيضا يعرض المصالح الأوروبية للخطر, لأن هناك العشرات من الجنرالات في العالم المتخلف, الذين يعملون حراسا لحماية تلك المصالح مقابل تمتعهم بالحماية من شعوبهم, وبالحصانة ضد الشعوب الديمقراطية التي يمكن ان تحاول محاكمتهم عن جرائمهم ضد المواطنين الأجانب, لأن هؤلاء الجنرالات يحرصون على المصالح الأوروبية ومصالح الولايات المتحدة, ويستخدمون في حمايتها كل الطرق والوسائل المتاحة, حتى لو تطلب الأمر قتل وإخفاء جثث اشخاص ينتمون الى جنسيات اوروبية او امريكية, وملفات القضاء في تلك البلاد تغص بحكايات مرعبة حول ما حدث خلال سنوات الجنرال بينوتشية في التشيلي. للهروب من المأزق الذي وقعت فيه الحكومتين البريطانية والاسبانية لقبولهما لعب الأدوار الرئىسية في تلك المسرحية الرديئة/ الخطرة, لجأت كل حكومة الى قضائها, يبدو ان القضاء البريطاني اكثر تفهما لمأزق بلاده, فقرر ان الجنرال تحميه هويته كرئيس دولة سابق, دون الدخول في مناقشات (فلسفية) حول طريقة وصوله الى السلطة. أما الحكومة الاسبانية فقد وقعت في شر اعمالها, لأن قضاة المحكمة العليا رفضوا طلبا من النائب العام, الذي يمثل حكومة رئيس الوزراء اليميني خوسيه ماريا أزنار, وقررت عكس كل التوقعات ان للقضاء الاسباني الحق في محاكمة الجنرال, لأن بين ضحاياه مواطنون اسبان. حتى لا تتطور الأمور بشكل يجعل مسرحية المحاكمة تفلت من بين يدي المؤلف والمخرج والممثلين, وتتحول الى مسرحية يلعب الجمهور فيها دورا فاعلا كما في مسرحيات السامر والحكواتية, بدأ الحديث عن (أمور انسانية) لحماية الجنرال من تلك المحاكمة, وبالتالي حماية الولايات المتحدة والحكومات الاوروبية من فضيحة التعاون مع نظامه في قتل وتعذيب مواطنيهم. بدأ الحديث حول ترك الجنرال في حاله لأنه عجوز ومنهك ولا حول له ولا قوة, لقد اصبح ذئبا بلا أنياب, وان الرأفة به مطلوبة (؟!), لكن هؤلاء نسوا ان ضحايا الجنرال كانوا ايضا اشخاصاً أبرياء لا حول لهم ولا قوة في مواجهة جبروت الجنرال وتابعيه, ولم يرحمهم من يطلبون له الرحمة الآن. (محاكمة الجنرال) مسرحية رديئة التأليف والاخراج والأداء, لكنها أكدت ان الذاكرة الجمعية لاتزال تعيش فيها ذكريات سنوات الرعب التي عاشتها التشيلي في ظل الجنرال بينوتشية, وان تلك الذاكرة سوف تظل حية مادام هناك قتلة مثله, وكشفت المسرحية ايضا زيف الديمقراطية الغربية, وجردت السياسيين الأوروبيين من اقنعتهم. كاتب مصري مقيم في اسبانيا

تعليقات

تعليقات