واي بلانتيشن واحتمالات الحرب العربية الاسرائيلية الخامسة،بقلم:يوسف الشريف

هل اصبحت العلاقات بين العرب والاسرائيليين سمنا على عسل, بعد ان خاض الجانبان غمار الحروب تباعا في48و56و67و73, وهل أسفرت اتفاقيات كامب ديفيد ومدريد واوسلو ووادي عربة واخيرا واي بلانتيشن عن السلام الشامل والعادل او سلام الشجعان على حد تفاؤل ياسر عرفات ؟ والاجابة جاهزة ولا يختلف عليها اي من العرب ولا الاسرائيليين, وهي ان السلام بعيد المنال, وهو لا يعدو الان مجرد فكرة نظرية لا تستند الى الواقع, الامر الذي يفرض سؤالا اخر اكثر اثارة للجدل والاختلاف والاجتهاد. متى وكيف يتحقق السلام العربي الاسرائيلي؟ لا نقول ان المتعين على اسرائيل ان تعيد للفلسطينيين كامل ترابهم الوطني المحتل وفق خرائط الانتداب البريطاني, ولا التزامها بقرار التقسيم الذي أقره المجتمع الدولي في الامم المتحدة, ولا الاراضي العربية والفلسطينية التي استلبتها في حرب يونيو 1967, وانما مجرد تنفيذ التزاماتها بالانسحاب المنقوص وفقا للاتفاقيات التي وقعتها الاطراف العربية راضية مرضية في اعقاب انتصار اكتوبر 1973 مقابل السلام ونبذ الحرب والاعتراف باسرائيل, وهو اضعف الايمان هنا تحضرني مقولة السياسي البريطاني العتيد ونستون تشرشل نهاية الحرب العالمية: (انك لا تستطيع ان تنال من مطالبك على مائدة المفاوضات اكثر مما تصل اليه مرمى مدافعك) , والمعنى واضح وصريح يستعصي على المغالطة والتأويل ازاء مستقبل الصراع العربي الاسرائيلي, ولعل مرادفها في الامثال العربية (الشيل على قدر الحيل) , فالحق يؤخذ غلابا والتمنيات ضرب من احلام النوم او اليقظة, وعلى العرب ان يكونوا صادقين مع انفسهم, فلعلهم يدركون كم وفاعلية ما تبقى لديهم من آليات القوة السياسية والعسكرية والاقتصادية وانها لا ترقى الى المستوى المطلوب للضغط على اسرائيل حتى تجنح للسلام وتقبل صاغرة او طوعا برد الحقوق العربية المغتصبة سواء عبر رادع القوة او المساومات الدبلوماسية, وهل بلغت السذاجة باسرائيل حتى تتراجع عن المرحلة المتقدمة التي نجحت في تحقيقها من مشروعها التوراتي عل صعيد قيام اسرائيل الكبرى, بعد تسليم العرب بكامل ارادتهم 99% من اوراق اللعبة لامريكا التي اعلنت بصريح العبارة عن التزامها الادبي والابدي بحماية اسرائيل وقبولها بما تقبل به ورفضها لما ترفضه ولكم أدمى قلب كل عربي مؤمن بالمبادىء والثوابت التي عاشت عليها امته وصنعت مجدها وحضارتها وحافظت على كرامتها, وهو يتابع على شاشة التلفزيون فرحة ياسر عرفات الغامرة بنتائج مفاوضات واي بلانتيشن, بينما ظل بنيامين نتانياهو متجهما وارييل شارون عازفا عن مصافحة ابوعمار, رغم ان الفلسطينيين لم ينالوا سوى الغبن والتفريط واذعان المظلوم للظالم, فأي دولة فلسطينية نتوقع اعلانها اذن في مايو 1999, وقد تقلصت الى اقل من ثلث مساحتها, وتقطعت اوصالها, وفرضت اسرائيل سيادتها الامنية على كباريها ومعابرها ومداخلها ومطارها ومينائها, وحرم على اللاجئين الفلسطينيين دخولها, وتحولت شرطتها الى حراس لامن اسرائيل, وتعقب وسجن المناضلين, بل واطلاق النار على المتظاهرين مؤخرا, حتى قبل شروع المجلس الوطني الفلسطيني الى الغاء بنود الميثاق الفلسطيني الخاصة بتحرير كامل التراب الوطني من البحر الى النهر, بينما يعد نتانياهو المستوطنين بالمراوغة في تنفيذ الاتفاق. والادهى والامر ان يعلن ياسر عرفات في خطابه قبيل التوقيع على اتفاق واي بلانتيشن التزامه بتنفيذ الشق الامني بدقة وحرصه المشبوب على أمن اسرائيل وسلامة شعبها, بينما كان يوجه كلماته شطر نتانياهو شجيع السلام الذي لا يتورع عن اغتيال الفلسطينيين العزل, ولعل اكثر ما اقشعرت له المشاعر العربية عندما عاجل الرئيس بيل كلينتون ـ كعادته مع غيره ـ بوابل من الاحضان والقبلات, شاكرا وممتنا جهوده المضنية من اجل الشعب الفلسطيني, بينما يدرك رجل الشارع العربي واي شارع في العالم ان كلينتون وجهود طاقم الادارة الامريكية اليهود الذي تولى اخراج مسرحية واي بلانتيشن وكذا ما قدمه ياسر عرفات من تنازلات تصفوية لما تبقى من القضية الفلسطينية انما كان لمنح الرئيس الامريكي الفرصة لمداراة فضائحه الجنسية عبر الظهور امام الشعب الامريكي بمظهر القوة القادرة على تصريف شؤون العالم, ورجل السلام الذي يستحق جائزة نوبل! يحضرني في هذا السياق الجدلي المفكر الاستراتيجي القوي الدكتور جمال حمدان في كتابه القيم (6 أكتوبر في الاستراتيجية العالمية) .. يقول: (ان التاريخ لم يعرف واحدا من اصحاب الاحلام الامبريالية قد تخلى عن احلامه بنصف هزيمة او حتى بثلاثة ارباع هزيمة.. وليست اسرائيل بدعا في هذا بين اصحاب الاحلام المجنونة, وهي اذا فقدت دورها العسكري في المنطقة, فقدت مبرر وجودها السياسي تجاه كل الحركات المعادية للعروبة والوحدة العربية) . والشاهد ان المعادلة التي طرحها الدكتور جمال حمدان صحيحة مائة في المائة, فواقع الامر يؤكد على ان اسرائيل لم تهزم الهزيمة الكاملة في حرب اكتوبر, وجنرالات اسرائيل اشبه (سيكولوجيا) بجنرالات النازي الذين كانوا يشعلون الحرب في ربوع العالم بدافع العنصرية والانتقام. لقد خرج العرب من الحرب الرابعة مع اسرائيل عام 73 دون ان يتحقق السلام العادل والشامل الذي يعيد لهم الارض التي احتلتها اسرائيل في حرب 1967, فاذا كانت اهداف حرب اكتوبر مجرد تحريك وليست تحريرا, فالنتيجة الماثلة الان تؤكد ان القضية لم تتحرك باتجاه السلام المنشود والمنقوص, وان الرئيس جمال عبدالناصر كان على حق حين طرح الحل الواقعي للمعادلة عبر مقولته الشهيرة (ما أخذ بالقوة لا يسترد الا بالقوة) . وعلى صعيد اسرائيل فقد رأيت جنودها بعيني وهم يبكون وينتحبون ويتمرمغون في الاوحال والرمال ثلاث مرات ويهزون رؤوسهم وهم منكفئون على قراءة التوراة, المرة الاولى وهم ينسحبون نهاية مباحثات الكيلو 101 من ثغرة (الدفرسوار) , والثانية من قرية (ياميت) في سيناء, والثالثة من منطقة (طابا) تنفيذا لقرار التحكيم الدولي بتبعيتها للسيادة المصرية, في الوقت الذي انطلق شعار سوف ننهض من جديد في طول وعرض اسرائيل, ومن اذاعاتها وصحفها وفي مدارسها وجامعاتها ومؤسساتها, وكان الشعار يستهدف رفع الروح المعنوية بعد هزيمتهم في حرب اكتوبر, والتنازل لمصر عن سيناء, كما وان الشعار يعني ان على الشعب الاسرائيلي التحشد من جديد لخوض الحرب خاصة ضد العرب, وان القيادة الاسرائيلية لن تسمح بالتراجع عن تحقيق الحلم التوراتي في تجسيد ارض الميعاد على حساب الارض العربية والوجود العربي. كلا الجانبين اذن لم يحقق اهدافه, فلا العرب استعادوا حقوقهم, ولا اسرائيل استسلمت لهزيمتها المحدودة في حرب اكتوبر, ولا مفر في ضؤ رهان اسرائيل على ممارسة اساليب المناورة والمراوغة والتسويف في الوفاء باستحقاقات السلام على المسارات الفلسطينية والسورية واللبنانية من ان يسفر الصراع العربي عن خيارين, اما ان يستكين المتضرر وهم العرب ويقبلوا صاغرين بالفتات ويبقى الوضع على ما هو عليه من سيء الى اسوأ, واما الاستعداد لشن حرب عربية اسرائيلية خامسة تتبنى خطة التحرير لا التحريك فحسب! وفي ذلك كتب الصحفي الفرنسي اليهودي اريك رولو ـ المعروف بصداقته للعرب ـ في صحيفة (لوموند) : (لقد حطمت حرب اكتوبر اسطورة بروسيا الشرق الاوسط, واستعادت الدولة الصهيونية في نظر اعدائها ابعادا اكثر انسجاما مع واقع بلد صغير ذي موارد محدودة تعتمد في قوتها على دعم الولايات المتحدة, ومن هنا فان المؤسسة العسكرية الاسرائيلية قد تشن حربا خامسة مفاجئة ضد العرب لتحقيق اهداف محددة: استعادة المصداقية لمشروعها التوراتي وحتمياته العقائدية والتنفيذية على صعيد قيام دولة اسرائيل العبرانية الكبرى. التأكيد على انها لاتزال اليد العليا في المنطقة وانها لا تزال مؤهلة لاداء دورها كحليف قوي واداة فاعلة للحفاظ على المصالح الاستراتيجية الامريكية في المنطقة, وبذلك تقوى نفوذ المجموعات والاحتكارات الصهيونية في امريكا وقدراتها السياسية والاقتصادية على دعم اسرائيل, وكذا جذب المزيد من هجرة يهود العالم لتحقيق احلامها التوسعية الاستيطانية على حساب الارض والوجود العربي! ومما لا شك فيه ان رولو لم يتجاوز الحقيقة ولا واقع النوايا الاسرائيلية, والا لماذا تمرح اسرائيل كما تشاء في المنطقة بلا رادع او وازع من القانون, ولماذا تضرب باتفاقياتها مع العرب عرض الحائط قبل ان يجف مداد توقيعها, ولماذا ـ وهو مربط الفرس ـ كل هذه الاسلحة التقليدية الحديثة التي تتدفق عليها تباعا.. من ترسانة البنتاجون الامريكي؟ وغيرها من مئات الصواريخ المتوسطة والبعيدة المدى المزودة بالرؤوس النووية والجاهزة للاطلاق فورا, في ظل الحماية الامريكية لاسرائيل واستثناء مفاعلاتها من التفتيش الدولي وجملة القرارات الدولية بحظر انتشار الاسلحة والتجارب النووية.. لا تعليق!

تعليقات

تعليقات