هل انتهى دور الدولة القومية، بقلم: محمد الخولي

التنين ـ الوحش الاسطوري الجبار هو الاسم الذي اطلقه على الدولة ونظامها وسطوتها ــ الفيلسوف الانجليزي (توماس هوبنز(توفى عام 1679)في كتابه الشهير الذي حمل نفس العنوان في صيغته الكلاسيكية(ذي ليفاياثان)ولقد كان (هوبز) يصدر عن رؤية للانسان بوصفه(حيوانا شريرا بطبعه)فضلا عن معايشته احداثا رهيبة وفظيعة في عصره بوجه عام وفي حياته السياسية كمفكر وسياسي مسؤول بوجه خاص يكفي مثلا انه عايش اغتيال شارلس الاول ملك انجلترا في عام 1649 وكان تلميذا للفيلسوف هوبز شخصيا, وعايش بعد الاغتيال اعلان اول حكم شمولي ديكتاتوري في انجلترا بعد ثورة اوليفر كرومويل التي ارتكبت من الفظائع والتجاوزات ما اكد لصاحبنا هوبز مرتكزاته الفكرية حول فطرة البشر الشريرة وحول ضرورة ان يتولى التنين السياسي الجبار ممثلا في الدولة ونظامها وقوانينها ضبط وكبح هذه النوازع, كيما يعيشون في ظل نظام ما يكفل لهم عدم الامتثال وقدرا من الاستقرار وفرصة للاستمرار. افكار هوبز في زماننا ليس بالغريب ان يستدعى فكر العلوم السياسية المعاصرة كتابات توماس هوبز التي مضى عليها اكثر من اربعة قرون (نشر كتابه المذكور عام 1616 على وجه التحديد) كيما يكتمل للمحللين المنظور الذي يطلون من خلاله على احوال روسيا الراهنة بعد انحلال ومن ثم زوال الاتحاد السوفييتي. لقد كان المفكر الانجليزي القديم يحذر من انهيار دولة ونظم الارستقراطية في انجلترا وغيرها, في حين ان تفكك النظام الشيوعي مع بداية عقد التسعينات الحالي قد ادى الى انهيار هياكل الدولة والبيروقراطية الحزب اللذين كانا يحكمان في الكرملين.. لكن كان مفيدا في كل حال الرجوع الى هوبز وهو يحذر من تآكل (شوكة الدولة) (والتعبير اصلا للعلامة المسلم ابن خلدون) او بعبارات هوبز فان هذا التآكل كفيل بأن يفضي الى جعل (الحياة البشرية) حقيرة ومتوحشة وقصيرة الاجل) . فردوس ماركس وجحيم اورويل ولعل هذه النظرة الى الدولة ظلت تقترن في الذهنية الاوروبية في القرون الاخيرة ومع تعدد الثقافات والاتجاهات والاجتهادات بفكرة القمع والكبت والتحكم في مبادرات الافراد وفي حريات المحكومين.. والغريب ان الفكر الماركسي يذهب الى ان الفردوس الامثل للشيوعية يتحقق في ظل دور شاحب وشوكة متراخية للدولة وهو دور توزيعي او تنظيمي بالدرجة الاولى حيث ينادى هذا الفردوس ــ الموهوم كما قد نسميه ــ بشعار: (لكل حسب ما يحتاجه) وهم في هذا السياق يتفقون مع ناقديهم او حتى خصومهم الذين وصلت هجائياتهم بحق الدولة وهياكلها ودوائرها الى حد تصويرها وكأنها كائن غشوم يحصي على الناس انفاسهم ويربط بين اشباع احتياجاتهم وبين استعبادهم او بين تدبير لقمة العيش ومصادرة حرية الارادة والتفكير وكانهم يعيشون في غياهب الجحيم. هكذا وصلت الغزليات في مدح الفردوس الماركسي في الشرق الشيوعي الى حد تحجيم الدولة وتقليم اظافرها الى نفس ما وصلت اليه الهجائيات في الغرب الرأسمالي الى حد ادانة الدولة ورفض دورها السلطوي الغاشم, وهو ما عبرت عنه رواية جورج اورويل الشهيرة بعنوان (1984) وبطلها المستتر الرهيب الذي لانراه ولكن نستشعر وطأته الكئيبة الثقيلة في كل سطر وربما في كل حرف واسمه في الرواية (الاخ الاكبر) الذي يفرض وصايته على خلق الله ويتدخل بسطوة في حياتهم الى حيث الحمام وغرفة النوم كي يعد ويحصي شرارة الفكر واختلاجات العواطف.. وفي هذا لايعدو (الاخ الاكبر) الذي صوره اورويل في الاربعينات نسخة القرن العشرين من التنين الاسطوري الذي تناوله هوبز في القرن السابع عشر. الكفاح ضد الدولة ولم يكن غريبا ان يدور الفكر السياسي والكفاح الشعبي في اوروبا طيلة هذه القرون على محور مواجهة الدولة والتصدي لسطوتها ونقد سلوكياتها بازاء محكوميها او رعاياها فالدولة هي المؤسسة التي طالما اعتقلت وحاكمت, ونكلت وسجنت وفرضت الضرائب وصادرت الممتلكات.. وقد ينسى الناس مثلا ما ارتكبه الافراد او الجماعات من انحرافات كان من الواجب تقويمها ولكنهم لاينسون مثلا مصارع البشر ومنهم مفكرون ومجتهدون في محاكم التفتيش, او استناد هيكل الدولة الحاكمة الى مؤسسات اخرى متحكمة ومنها بالذات ما رفع الشعار الديني ومارس من خلاله سلطة البشر في الارض باسم السماء أو نيابة عنها. ثم هاجم لانيون وخاصة في عصر الاقطاعيات والدوقيات والسنجقيات, كيف ان هذه المؤسسة السياسية المصغرة كانت تحول دون حرية التجارة وسيولة حركة السلع ورؤوس الأموال والافراد مما ظل يكبت نمو طبقات الرأسمالية التجارية التي طالما تطلعت الى نصيبها المرتقب ودورها المنشود في مغانم الحكم على اختلاف الظروف والأقطار. العقلاء والفوضويون وربما تعقل البعض في نقد الدولة فدعا الى ترشيد دورها ومجابهة تجاوزاتها دون الغاء وجودها التنظيمي في حد ذاته, وذلك من خلال الدعوة الفكرية والكفاح السياسي, هكذا فعل الفرنسي (روسو) مثلا في دعوته الى العقد الاجتماعي الذي يؤدي الى تقنين العلاقة بين الحاكم والمحكوم, أو فعل الانجليزي (جون لوك) في دعوته الى التعايش السلمي داخل المجتمع والى تكريس الحرية سلوكا وقيمة على نحو ما يتضح في دراستيه الشهيرتين (مقالة في العقل البشري) ورسائل في التسامح) . وهناك من نشط الى الكفاح السياسي الى حيث اشتعال الثورة والاطاحة بمؤسسة الدولة القديمة والانقلاب عليها وهو ما شهدته ثورة فرنسا الكبرى في يوليو عام 1789. وهناك من اشتط في الأمر الى حد المناداة بنظام اللادولة أو هو نظام اللانظام ان جاز مثل هذا التعبير, وهو ما ذهب اليه الفوضويون ومن أعلام مفكريهم جودويت الانجليزي وبرودون الفرنسي وباكونين الروسي. عبور الاطلسي سياسيا ولا تحسبن ان هذه الدعوة الى تقليص الدولة, ناهيك عن الغائها كمؤسسة لها دورها في المجتمع قد اقتصرت على هؤلاء الفلاسفة الذين حملت دعوتهم اسم الفوضوية واجتاحت الدعوة أوروبا القرن التاسع عشر, وربما وصلت حمى اشتعالها الى لحظة تاريخية اقدم فيها فوضوي صربي متعصب على اغتيال الارشيدوق النمساوي فرانز فرديناند في سراييفو عام ,1914 وكانت رصاصاته هي شرارة اشتعال أتون الحرب العالمية الأولى التي اكتوى العالم بنيرانها أربع سنوات وكان من أخطر عقابيلها الوخيمة هو ذلك الاحساس المدمر الذي ترك ندوبه موجعة ومزمنة في بنية العقل والسلوك البشري ومؤداها: ان البشر أشد شراسة وحيوانية من الحيوان وان وحوش الغابة قد تقتل في حالات فردية اذا ما جاعت وتنافست على موارد الطعام, اما البشر فيقتل بعضهم بعضا بصورة جماعية وعشوائية ومتواصلة ووحشية ايضا.. (وقتل الانسان ما أكفره). ان هذه الدعوة لتحجيم الدولة أو اختزالها ترددت اصداؤها عبر الاطلسي لتنمو وتزدهر أو تستفحل بين ربوع الولايات المتحدة التي مازالت حتى لحظتنا الراهنة تتحرك في سياساتها وفي وجدانها الشعبي العام وفي المزاجية الشاملة لابنائها بعقلية المستوطنين جاء أسلافهم فرارا من ظلم الدول التي كانوا يقيمون في كنفها في انجلترا أو فرنسا أو اسبانيا أو ألمانيا أو ايطاليا منذ القرن السابع عشر أو قبل ذلك بقليل, وفي العالم الجديد صادفوا أراضي شاسعة وشعوبا أصلية متناثرة الوجود بدائية المعيشة.. ومن ثم كان اعتمادهم على غريزة الكشف والارتياد وكان احتكامهم الى البندقية والبارود والى اقرار الأمر الواقع بالاستيطان, والى استزراع الوجود البشري فوق أرض مغتصبة من سكانها الاصليين واصطناع جذور لهذا الوجود, ومن ثم تصنيع بضائع وسلوكيات وثقافات استنادا الى الأمر الذي وقع من جهة, واحتكاما الى سطوة المسدس وتكريس استقلالية الفرد من جهة اخرى. عقيدة الحزب الجمهوري ليس صدفة اذن ان يكون تقليص دور الدولة واحدا من اقانيم فكر الحزب الجمهوري في امريكا, وان يكون في مقدمة رعاة مرشحيه وسدنته في مضمار السياسة والانتخابات (جمعية البندقية الامريكية) وهي واحدة من أخطر جماعات الضغط وأنجح دوائر النفوذ والتأثير (اختاروا لرئاستها مع بدايات العام الحالي واحدا من النجوم الاساطير حسب تعبير هوليوود الاثير وهو الممثل المخضرم تشارلتون هستون, وبالمناسبة ايضا فهو من اقرب رموز هوليوود الى قلوب يهود الولايات المتحدة كيف لا وقد جسد لهم دور موسى في فيلم الوصايا العشر ونالوا به بروباجاندا لم يحلموا بها يوما من الايام. واذا كان الحزب الجمهوري يعمد الى ان يربط في ذهنية العوام الامريكان بين الدولة وسطوتها على اقدار البشر, وبين الدولة واعباء الضرائب الجسيمة المفروضة عليهم تصل الضرائب في المتوسط الى 30% في المائة من الدخل وبين الدولة وحبس الحريات والاسراف في الانفاق واحباط المبادرات الفردية وتدليل البيروقراطية الحكومية التي تتضخم ويتراكم الشحم على جسدها المترهل لصالح حفنة من الموظفين فان الامر يهون اذا ما ظل في حدود الحوار السياسي او الاصالة للمرجعيات الفكرية.. لكنه لا يهون اذا ما تحول هذا البغض الشائن للدولة ودورها الى حد اعلان دويلات بصورة او بأخرى في اكثر من موقع من رقعة الولايات المتحدة ومنها مواقع قصية شبه معزولة او مواقع مطمورة في دواخل امريكا او بين تلافيفها نعم دويلات لها اعلامها (راياتها) ولها اعلامها (محطاتها الاذاعية المسموعة والمرئية ومنشوراتها الصحفية) بل ولها جيوشها (تصور) وتسلسلها القيادي ولقد تجد الدولة الاتحادية الامريكية حكمة او مواءمة ما في التغاضي عن هذه المؤسسات الغريبة وقد تعدها مؤسسات متوازية او مؤسسات بديلة بشرط ان تقف الامور عند حدود هذه الاستقلالية الداخلية داخل هذه البقعة او تلك لكن هذا لا ينفي ذلك الشعور بالقلق الذي يتبينه المراقب للأحوال من خلال ما قد يجد طريقه, تسللا احيانا, او تسريبا احياناً او بحكم الضرورات في بعض الاحيان, من معلومات حول هذه الكيانات المتربصة بالدولة وتصرفاتها واحكامها واعراقها ثم برعاياها بالذات وهو ما اتضح جليا في انفجار اوكلاهوما الارهابي الشهير حيث اوضحت التحقيقات وجود صلة عضوية بين مرتكبي الحادث وبين تلك الدويلات الانعزالية المسكوت عنها. هل انتهى دور الدولة؟ في ضوء هذا كله كم هللت المراجع الامريكية عبر السنوات الخمس او الست الاخيرة لسقوط الدولة في الاتحاد السوفييتي الذي كان. ويومها فرك الامريكيون وحلفاؤهم ايديهم جزلا وطربا وهم يقولون: نشكر الرب.. فقد تخلصنا من الدولة السوفييتية. ويومها ساعدوا على تنصيب حليفهم الاثير يلتسين على رأس نظام تصوروه جديدا او مناقضا لما كانت عليه دولة السوفييت. ويومها تناثرت الاجتهادات الفكرية ــ السياسية ــ الايديولوجية حول النظام الدولي الجديد الذي ترفرف على جنباته رايات العولمة (بفعل ثورة المعلوماتية والانترنت واتصالات الاقمار الاصطناعية) والاقليمية بفعل الدعوة الى تكريس المنظمات الاقليمية على حساب كيانات الدول فالاسمى هو التحاور مع منظومة تضم مجموعة دول بدلا من الاتصال بكل دولة على حدة وهذه السهولة تصب في التحليل الاخير في مصلحة المؤسسات عبر الوطنية والشركات المتعددة الجنسيات (ملتي ناشونال) التي تود لو اصبح العالم كله سوقاً واحدة مفتوحة امامها لجني ارباح فلكية بغير عوائق او انضباط تحت شعارات حرية التجارة. ويومها كذلك كان التهليل لكتابات مهمة في حد ذاتها بوصفها اجتهادات فكرية اهمها الكتاب الذي اصدره منذ سنتين الاقتصادي الياباني الكبير (كينيشي اوهماي) بعنوان (نهاية الدولة القومية وصعود الاقتصاديات الاقليمية) وقد استرعى نظرنا ذلك الحماس الغريب, وقد نسميه بالمريب, من جانب كاتب امريكي وهو (روبرت بارتلي) رئيس تحرير جريدة (وول ستريت جورنال) الذي كشفت كلماته عن سر الترحيب بانهاء دور الدولة على اساس انه يتم لصالح تدفق الاموال وازدهار التجارة العالمية لقد كتب بارتلي في معرض تقريظ الكتاب يقول: (اما وقد وضعت الحرب الباردة اوزارها وتدفقت الاموال الى كل انحاء المعمورة متجاوزة بذلك الحكومات فمن يحتاج بعد ذلك الى دور الدولة القومية؟ والسؤال بالطبع مطروح من وجهة نظر الذين يتلمظون تلهفا على سوق عالمية مفتوحة ابوابها على الجري كما يقول المصريون. لكن اجابة السؤال من جانبنا ليست بالعسيرة: ستظل شعوبنا في العالم الثالث بحاجة الى الدولة القومية كي تضبط موازين مجتمع وتظل منحازة الى محرومية وفقرائه ومهمشيه ومستضعفيه وتبقى ساهرة على ازدهار ثقافته واستقامة اعرافه, وعافية المؤسسات الفاعلة في داخله: هو دور تعترف باستمرار بانه بحاجة الى ترشيد وتطوير من خلال تفعيل مؤسسات ذلك المجتمع ولا سيما تلك المسؤولة عن الرأي والرأي الآخر, وعن التعبير الحر وعن تعميق الانتماء.

تعليقات

تعليقات