اتفاق(واي بلانتيشن): دعوة إلى حرب أهلية! بقلم- شفيق الحوت

يندرج اتفاق(واي بلانتيشن)في السياق نفسه الذي تم فيه التوقيع على ما سبقه من اتفاقات حيث يبرز الابتزاز الاسرائيلي والتواطؤ الامريكي والاذعان الفلسطيني . وهو كالاتفاقات التي سبقته, مركب ومعقد وغامض حيثما تدعو حاجة اسرائيل إلى ذلك, وواضح جلي عندما يشير إلى المطلوب من الفلسطينيين, وتضمن نصه هذه المرة خمسة بنود, هي على التوالي: أولا: اعادة انتشار اضافية, ثانيا: الامن, ثالثا: اللجنة الاقتصادية والموضوعات الاقتصادية, رابعاً: مفاوضات الوضع النهائي, خامسا: الاعمال أحادية الجانب. وبلغ طوله, وفق ما احصيته في الجريدة التي نشرته حوالي 350 سطراً, منها 173 سطرا حول بند الامن, وما يعادلها تقريبا عن بقية المواضيع, وهذا يعني ان موضوع الأمن احتل نحو نصف الاتفاق وهذا بالطبع غير الملاحق التي اشير اليها ولم تنشر, وتلك التي ينص الاتفاق على استحداثها, وفيما يلي محاولة لترجمة هذا النص إلى لغة يمكن للشعب ان يفهمها ولا يقع في تضليل التعقيدات المدروسة والمقصودة. أولا: اعادة الانتشار تفرض علينا الامانة ان ننوه باعتماد النص للمصطلح (اعادة الانتشار) بعد انفضاح مصطلح (الانسحاب) كما في نصوص سابقة, ولعل اسرائيل هي التي بادرت إلى اعتماد هذا المصطلح بعد ان اطمأنت إلى ان موضوع السيادة لم يعد يشغل بال المفاوض الفلسطيني وتعوده على اعتبار الارض (المحتلة) ارضا (متنازع عليها) . خلافا لما يتوهمه المواطن العادي فان اعادة الانتشار المنصوص عليها لا تشمل ما مساحته 13% من الارض, وانما على واحد بالمائة منها فقط, أما الــ 12% الباقية فستنقل إلى ما يسمى المنطقة (ب) حيث السلطة عليها اسرائيلية ــ فلسطينية. ومن هذه الـ 12% وعد الفلسطينيون بفرز 3% لتكون محمية أو محميات طبيعية وأن لا يسمحوا باقامة منشآت جديدة عليها, دون ان يمسوا حقوق سكان هذه المحميات بمن فيهم البدو. لماذا اصرار اسرائيل على هذه الثلاثة بالمئة, وفي هذه المنطقة بالذات؟ ان النص ذاته يتكفل الرد على هذا السؤال, حيث جاء فيه: يحتفظ الطرف الاسرائيلي في هذه المحميات بالمسؤولية الاولى عن الامن بهدف حماية الاسرائيليين ومواجهة تهديد الارهاب, اذن, ليست هذه المحميات سوى مشروع مستوطنات كامن أو في احسن الحالات ستكون بمثابة (مسمار جحا) لاستعماله وقت الحاجة, وهناك من يقول ان الامر يتعلق بالاستراتيجية المائية الاسرائيلية وضرورات الهيمنة على المياه الجوفية في المنطقة. سأقفز عن البند الثاني المتعلق بالامن لانه الاهم إلى آخر الحديث, وأنتقل إلى بقية البنود التي تعتبرها جوقة المطبلين والمزمرين مكاسب فلسطينية وخطوات على الطريق الصحيح. ثالثا: اللجنة الانتقالية والموضوعات الاقتصادية. ويشتمل هذا البند على سبعة عناوين فرعية, كلها قديمة, وكلها تبدأ بكلمة (سوف) , أي أنها تجديد لوعود سبق لاسرائيل ان حنثت الوفاء بادائها, من هذه المكاسب الفلسطينية الاتفاق مع اسرائيل على الترتيبات التي (سوف) تتيح الاسراع بفتح المنطقة الصناعية في غزة, أي على استثمار الايدي العاملة الرخيصة لخدمة الرأسمال الاسرائيلي, أما درة الدرر بين المكاسب فهو البروتوكول الذي عقده الطرفان والذي يتعلق بانشاء وتشغيل مطار غزة الدولي خلال المرحلة الانتقالية, ولن نسأل كم بقي من عمر هذه المرحلة لنقر عقدا ينتقص من سيادة السلطة على هذا المطار حيث ستكون اسرائيل مسؤولة عن الامن فيه, أي ان الفلسطيني سيدخل اليه رافعا يديه ويخرج منه رافعهما كذلك امام الجندي الاسرائيلي. وهناك كسب اخر لا يجوز التقليل منه وهو الاتفاق على أنه (سوف) يستأنف الجانبان المفاوضات حول الممر الامن, وعلى أنهما (سوف) يبذلان قصارى جهدهما بشأن الممر الجنوبي, وعلى انه (سوف) تتواصل المفاوضات بشأن الممر الشمالي!! من المؤلم ان يتساءل المرء عما كانت عليه حال الممرات هذه خلال فترة الاحتلال المباشر ومقارنتها مع حالها بعد توقيع اتفاقية اوسلو. وهناك مفاجأة مماثلة و(سوف) جديدة حول ميناء غزة, والوصول إلى اتفاق بإنشائه في غضون ستين يوما, لان اللجنة الفلسطينية ــ الاسرائيلية (سوف) تسرع هذه المرة في عملها ومن دون ابطاء, وهناك اكثر من (سوف) اخرى تتحدث عن العلاقات الاستراتيجية الاقتصادية, ولعل اهمها على الصعيد الاسرائيلي تلك المتعلقة باتفاق الجانبين على اهمية مساعدة الممولين الدوليين ودعم التنمية الاقتصادية في الضفة والقطاع وضرورة التوجه (معا) الى المجموعة المانحة للحصول على وعود برفع مستوى المساعدات!! رابعا: مفاوضات الحل النهائي النص اكثر من عادي حول هذا البند وخلاصته (يستأنف الجانبان فورا مفاوضات الوضع النهائي بوتيرة متسارعة وعليمها بذل جهود حثيثة للتوصل الى اتفاق قبل الرابع من مايو 1999 .. الخ, وليس سرا ان هذه كانت رغبة نتانياهو منذ اكثر من سنة, وكان الرد الفلسطيني عليها وقتئذ: (نرفض حرق المراحل ونصر على الانتهاء من تطبيق التزامات كل مرحلة قبل الدخول في غيرها) ماذا جرى حتى تحول هذا التغيير الى مكسب فلسطيني, لا ادري؟, اني ارى في ذلك حقنة تخدير لرئيس السلطة كي يعكف عن الحديث عن دولته الفلسطينية. خامسا: الاعمال أحادية الجانب واني اعترف انني لم استطع اخفاء اعجابي وتقديري لنص هذا البند عند قراءتي له اول مرة, فهو ينص على انه (ادراكا لضرورة خلق اجواء مؤاتية لهذه المفاوضات يتعهد الجانبان بعدم اتخاذ اجراءات من شأنها تغيير الوضع في الضفة الغربية او في قطاع غزة كما ينص الاتفاق المرحلي) لقد فهمت من النص ان حكومة نتانياهو ستكف عن بناء المساكن وتوسيع المستوطنات, وهذا فعلا مكسب ولو جاء متأخرا جدا وعلى حساب سكوت عرفات حول الدولة الفلسطينية, ولكنني فوجئت في اليوم التالي لتوقيع الاتفاقية بحديث لبنيامين نتانياهو من اذاعة الجيش الاسرائيلي جاء فيه انه سيستمر في توسيع المستوطنات لانه ليس في الاتفاق الجديد ما يمنعه من ذلك!! ونتانياهو على حق, لانه من وجهة نظره, فان بناء المساكن في اراض اسرائيلية مثل جوديا والسامرة لا يمكن اعتباره تغييرا في وضعها, وعدت لقراءة النص فاستشعرت ما فيه من غموض عندما وصلت فيه الى (كما ينص الاتفاق المرحلي) ! وهو النص الذي لم يبال به نتانياهو ولم يعتبره حائلا دون تنفيذ مخططاته, والا فهل من المعقول ان يقبل نتانياهو بمثل هذا النص وبالتالي ان يدين نفسه ويشكك بشرعية كل ما بناه حتى الآن!! ومهما كان الرأي في هذه (المكاسب) او في الوعود التي تحدثت عنها, فانها على ضآلتها وتفاهتها تبقى معلقة ان لم يثبت الجانب الفلسطيني وفاءه وحماسته واستمراره في تنفيذ ما التزم به في البند الثاني المتعلق بالامن. وفي هذا البند قبل المفاوض الفلسطيني والتزم (باتخاذ كل الاجراءات اللازمة لمنع وقوع اعمال ارهاب وجرائم واعمال عنف موجهة ضد الطرف الاسرائيلي) . كما قبل والتزم العمل على اتخاذ الاجراءات القانونية لمنع (اي تحريض) موجه ضد اسرائيل والاسرائيليين. كما اقر بأن من مصلحته (مكافحة الارهاب والعنف طبقا للملحق رقم واحد (ماذا يقول الملحق؟), وسلم بأن مكافحة الارهاب والعنف يجب ان تكون كاملة ومستمرة وتشمل البنى التي تدعم او تشجع على ذلك, وانها لن تكون فاعلة من دون تعاون اسرائيلي ــ فلسطيني ومن دون تبادل مستمر للاعمال والمعلومات والافكار) . وبناء عليه اعلن المفاوض الفلسطيني التزامه بما سيفصل له من مسؤوليات في الاوقات المناسبة, ومنها وضع خطة عمل يتم تقاسمها مع الولايات المتحدة الامريكية على ان يبدأ تنفيذها على الفور, لا مكان لـ (سوف) هنا, فالتنفيذ قد بدأ فعلا ومن سمع أو قرأ تصريحات بعض المسؤولين عن الاجهزة وحماسهم لمهماتهم القادمة يستشعر قلقا حقيقيا. كما اعلن المفاوض الفلسطيني انه سيصدر مرسوما يحظر اي شكل من اشكال التحريض على العنف او الارهاب, وينشئ آليات للتحرك بشكل منهجي ضد كل عبارات او تهديدات بالعنف. كما وافق المفاوض الفلسطيني على التعاون الثنائي والثلاثي وعلى عقد الاجتماعات الدورية (لتقويم التهديدات القائمة ومعالجة العقبات التي تعترض قيام تعاون وتنسيق فاعل, هذا بالاضافة الى التعاون لمتابعة مسألة الدعم الخارجي للارهاب) . وغير ذلك كثير, الى ان نصل الى المهزلة الكبرى واقرار الوفد المفاوض بتجديد الدعوة للجنة التنفيذية تأكيد ما جاء في الرسالة التي بعث بها ياسر عرفات حول الغاء بنود الميثاق الوطني الى الرئيس الامريكي, ثم دعوة المجلس الوطني والمركزي واعضاء الحكومة الفلسطينية الى اجتماع يتحدث فيه الرئيس كلينتون!! فماذا يعني هذا كله؟ ليس لهذا كله من معنى غير العمل على خلق فتنة فلسطينية تنتهي بحرب اهلية يقوم الفلسطينيون من خلالها بتصفية انفسهم وقضيتهم من دون ان يجدوا من يترحم عليهم لانهم كانوا انفسهم يظلمون. وعندما نلحظ ان (المكاسب ـ الوعود) مرهونة بالشهادة اليومية (لحسن سلوك) السلطة, الذي يعني قمعا يوميا للشعب الفلسطيني, فاننا نستشعر بكل القلق ما ينتظر شعبنا في المرحلة المقبلة. وعلى ما يبدو ان السلطة عازمة على تنفيذ التزامها, كما اتضح من خطاب عرفات بعد توقيع الاتفاق, لانه لا سبيل له غير هذا الرهان, اي الخيار بين تنفيذ المخطط الاسرائيلي برعاية وكالة المخابرات المركزية وضمان استمراره وما سيأخذه من فتات المكاسب, او ان يفشل في ذلك مما يعني ازاحته عن المسرح. ولكن, حتى لو حاول عرفات المضي في هذا الخيار فهل باستطاعته ان ينجح والى متى؟ ثم من يضمن له ان اسرائيل بعد ان يستتب لها الامر كما تريد لن تفتعل جرائم ارهابية, في الوقت المناسب, للتحلل من وعودها بما فيها الابقاء على ياسر عرفات نفسه. وحتى لو سلمنا بنجاحه في ايقاف ما يسمونه ارهابا, اي تفجير عبوات وما شابه, فهل يستطيع عرفات ان يطارد ابناء شعبه بتهمة (التحريض) بما في ذلك هتاف (الله اكبر) . ان اخطر ما في اتفاق (واي بلانتيشن) هو تدمير ما تبقى من اخلاق المقاومة الفلسطينية والمشاعر الوطنية وحق الانسان الفلسطيني في التعبير عن رأيه, وفي تحويل السلطة الفلسطينية الى دكتاتورية تبيح لاعداء الشعب الفلسطيني ان يفعلوا به ما يشاؤون تحت رايتها وباسمها, لا سيما بعد دخول الـ CIA على الخط, وهي الذائعة الصيت دوليا في ادوارها المرعبة في مساندة الدكتاتوريات ونسف انظمة واقامة غيرها, وقمع حركات الشعوب الوطنية والاجتماعية. ويلاه.. أية أيام ننتظر.

تعليقات

تعليقات