مع الناس:بقلم-عبدالحميد أحمد

أتراجع اليوم عن انتقاد المرأة التي تذهب الى معرض للكتاب فلا ترى فيه سوى كتب الموضة والطبخ, فواضح ان مثل هذه الصورة المشوهة عن المرأة لا تصدر الا عن مثقفين يريدونها على شاكلتهم , مناضلة تقدمية فلا تقرأ الا لجان بول سارتر وجراهام جرين وتشي جيفارا ومن كان على سيرتهم, أو ليبرالية ورجعية معا فلا تقرأ الا لألفين توفلر وفرانسيس فوكوياما وصموئيل هنتنجتون, مع الفارق والاختلاف بين الكتاب المذكورين. طبعا هناك نساء تقدميات يزاودن حتى على جورج حبش الذي يصبح أمام بعضهن رجعيا من مخلفات الحرب الباردة, مقابل نساء رجعيات يعتبرن الشيخ سيد طنطاوي شيخ الازهر ليبراليا بما لا يقارن نسبة لتزمتهن في الفكر والثقافة والمجتمع معا, ولذلك فالنساء من هذه النوعية لا يحتجن الى من يرشدهن الى ما يقرأن ويقتنين من كتب في معرض للكتاب, فالواحدة منهن بألف تقدمي وألف ارهابي, فنبتعد عنهن طلبا للسلامة. وهكذا نبقى مع المرأة تدخل معرضا للكتاب فلا ترى فيه سوى كتب الطبخ والموضة, فنعتبر ذلك نحن الصحفيين والكتّاب والمسكفين, تخلفا ما بعده تخلف, ونقصا تعانيه المرأة العربية تحديدا مقابل زميلتها الغربية, ودليلا آخر من أدلة عدم تحررها من أعمال البيت الشاقة, لولا انه آن الأوان لكي نراجع أنفسنا ونلومها على مثل هذه النظرة القاصرة, فنعتبر كل امرأة لا تقبل الا على شراء هذه النوعية من الكتب هي المثقفة الحقيقية, ونضرب لها تعظيم سلام, لماذا؟ أولا لأن المثقفات, أو اللاتي اعتقدن انهن كذلك من خلال مشترياتهن من معارض الكتاب ومما يقرأن من كتب, لم نر لهن آثارا وأعمالا حتى الآن, باستثناء قلة منهن محدودة ومعدودة, ما يعني ان الثقافة لا تثمر فيهن, واذا أثمرت فلا تزيد على كتب فيها شتائم ومشاركات بندوات ومؤتمرات تنتهي بالضرب والعض والقرص. وثانيا, وفي حال لم نطالبهن بعمل ثقافي, فجهودهن في المجتمع تخريبية أكثر منها اصلاحية, منها على سبيل المثال تعمدهن ارتداء الجينز واستفزاز المحافظين, فتشويه صورة المرأة, ومنها على سبيل مثال آخر أضرابهن عن الطعام (عفواً الزواج) فلا ولد ولا تلد, فما فائدتهن للمجتمع اذن؟ ونكتفي بذلك من أسباب تجعلنا ننتقد المثقفات هذه المرة, مقابل مدحنا صاحبات الذوق الرفيع والفن البديع من مقتنيات كتب الطبخ والموضة, مما نرى آثارهن الجميلة في طول الوطن العربي وعرضه, إما على شكل فساتين وأزياء أو على شكل موائد طعام نستطيع ان نضرب بها الأمثال ونفاخر بها الأمم, في الفنادق والمطاعم وعلى شاشات التلفزيون وفي المحلات والمراكز التجارية. ثم ان المرأة التي تقتني كل عام كتابا أو اثنين عن الطبخ والموضة تستطيع ان تسعد أسرتها في حال كانت متزوجة, بتطبيق ما قرأته عليهم, فنرى آثار ثقافتها بعد أقل من شهرين في صحتهم, مقابل المثقفة التي قرأت لتروتسكي مثلا فنرى آثار ثقافتها على عائلتها, فيكون أفرادها هزيلي الصحة بنظارات سميكة وكأنهم من أفقر زاروب في بومباي الهندية, أما التي لم تتزوج بعد وتستزيد من ثقافة المطبخ, فتلك مشروع سعادة عائلية على الطريق, ننصح العزاب بها دون تردد. وبما انني أكتب عشية افتتاح معرض الشارقة السنوي للكتاب, مقتنعا تماما هذه المرة بأهمية كتب الطبخ فأصر على وجودها جنبا الى جنب كتب ليستر ثرو وفرانسيس فوكوياما ونعوم تشومسكي وغيرهم, فإنني اقترح على الناشرين المهتمين بمستقبل الأمة والمناضلين في سبيل غد أفضل, ان تكون كتب الطبخ من العام المقبل بلغات سريلانكية وفلبينية وهندية, لأن المرأة العربية التي تهمها هذه الكتب لم يعد لها وجود, بعد ان سلمت قضايا بطوننا الى شغالات يدرن شؤونها, فهي لا وقت آخر لديها خارج المطالعة والاستزادة من العلم.

تعليقات

تعليقات