إنتبهوا أيها السادة... فلاشا الموساد قادمون! بقلم- يوسف الشريف

رغم كم الكتب والتحقيقات الصحفية الرائجة التي تعنى بسير أبطال المخابرات العربية وقصص الجواسيس الأجانب, الا انه نادرا مايستحوذ الامن القومي باعتباره واجباً شعبياً ومنظومة دفاعية مايستحقه من عناية واهتمام الكتاب والمتخصصين العرب في هذا المجال الحيوي, كما في الدول المتقدمة, رغم ان الامة العربية لاتزال تواجه منذ فجر تاريخها شتى اشكال العدوان والاختراقات الامنية!. هذا كتاب جديد وهام ومثير للجدل يستهدف تنمية ادراكنا المعرفي كأمة عربية بماهية الامن القومي والتنوير بضروراته القصوى كسياج وقائي في مواجهة المؤامرات الداخلية والخارجية, وفي تأمين مسارات الاستقرار والتنمية والوحدة الوطنية, وبلوغ اهدافها الاستراتيجية والمصيرية في الوحدة الشاملة عبر مرتكزات التضامن الرسمي والشعبي والتكامل الاقتصادي والتلاقح الثقافي. ويعنى الكتاب بوجه خاص ــ كنموذج لمهددات الامن القومي ــ بالسودان بلد المليون ميل وربع بما يعادل مساحة دول اوروبا الغربية, يجاوره تسع دول عربية وافريقية, وينقسم سكانه الى اربع جماعات عرقية ولغوية غاية في التنوع, النوبية, والبيجاوية, والعربية والزنجية ويتفرع عن هذه الجماعات شعوب وقوميات وأعراق متباينة قوامها 752 قبيلة تتحدث بنحو 114 لغة مكتوبة او (رطانه) منطوقة, ولا يقتصر التنوع عند هذا الحد, لكنه يمتد الى الاديان السماوية وغيرها من الاديان الافريقية الطوطمية والوثنية. فاذا اضفنا الى هذا التنوع تركة المشكلات والتحديات التاريخية الموروثة وغيرها من مستجدات المشكلات السياسية والاجتماعية والاقتصادية منذ استقلال السودان عام ,1956 لادركنا اذن مدى الصعوبات الجمة التي تواجه اشكالية قيام منظومة او جهاز مؤهل من حيث النهج والاليات والامكانات للوفاء بمتطلبات الامن القومي السوداني على نحو متكافىء! الكتاب بعنوان (معضلات الامن والسياسة في السودان) , من تأليف حسن بيومي, وهو كان برتبة عميد في جهاز امن الدولة السوداني (المخابرات العامة) ابان فترة حكم الرئيس جعفر نميري (69 ــ 1985) , حيث شغل منصب مدير المخابرات الخارجية, فيما كان قنصلا عاما للسودان في المغرب وتشاد وهو منصب امني تحت الساتر الديبلوماسي, كما حصل على دراسات امنية وعسكرية وادارية عليا في الاتحاد السوفييتي وامريكا والمانيا وعندما يكتب في الشأن الامني السوداني فهو اذن طائر يحلق في سربه! وقد عرفت حسن بيومي اوائل الستينات إبان دراسته في اول دفعة بكلية الاقتصاد والسياسة التابعة لجامعة القاهرة, وكان انذاك زميلا للسيدة هدى كريمة الرئيس الخالد جمال عبدالناصر وحاتم صادق زوجها فيما بعد, وبعدها نمت بيننا اواصر الصداقة والحوار حول هموم الامة العربية عبر زياراتي الصحفية المتتابعة للسودان, فما ان زال حكم نميري اثر الانتفاضة الشعبية في ابريل ,1985 حتى وتقرر حل جهاز امن الثورة, حتى عكف على وضع كتابه الاول (جهاز الامن امام محكمة التاريخ) , دافع من خلاله دفاعا شجاعا وموضوعيا عن ذلك الجهاز الذي كان يعد في حينه من اقوى واكفأ اجهزة المخابرات العربية والافريقية, وكشف اللثام لاول مرة عن مراحل تكوينه, واعتماده على ابرز العقول المتخصصة, واسلوبه العلمي في اداء مهامه, بينما سلط الاضواء الكاشفة حول ثغرات الامن القومي السوداني, وجملة المشكلات الشائكة التي تسللت من تلك الثغرات, وكيف تمكن جهاز المخابرات من التصدي لها او الوقاية من انتكاساتها الضارة في مهدها! اما عن كتابه الجديد الذي يستحق الاحاطة بمادته واعادة النظر في تقييم وتحليل الشأن السوداني في ضوء دروسه المستفادة, فهو اكثر تفصيلا من سابقه, على صعيد ازالة الغشاوة او التشويه المتعمد لجهاز الامن السوداني من قبل عناصر داخلية مشبوهة وقوى خارجية طامعة في وضع قدم لنفوذها ومصالحها في السودان, وكلاهما عزفا لحن التحريض الشعبي والرسمي وافضى الى حله, وفي هذا العدد يحكي المؤلف قصة مسؤول أمني أجنبي كبير كان قد زار السودان وفق اتفاقية أمنية مع جهاز الأمن قبيل حله, فلما قامت الانتفاضة الشعبية تخفى وراء قناع رجل البر والاحسان المهموم بأمر الجياع والمشردين من ضحايا الحرب الاهلية في الجنوب ومنطقة النوبة وكأنه لا يمت بصلة رسمية لحكومته, ومن ثم راح ينفذ العديد من المهام المخابراتية التآمرية, ولم يكن ذلك ممكنا لولا ان السودان كان أنذاك بلا غطاء امني ولا ذاكرة أمنية! وقد اعترف الصادق المهدي رئيس وزراء السودان الاسبق بهذا الخطأ حين قال في خطابه امام الاكاديمية العسكرية العليا ان رئيس وزراء الانتفاضة الدكتور الجازولي دفع الله قال له وهو يسلمه السلطة (اني اعتذر لكم مرتين عن حل جهاز امن الدولة, والاخرى عن عدم تسليمكم جهاز بديل) . والحقيقة ان الكتاب حافل بالوقائع المخابراتية المثيرة التي شهدها السودان والعديد من الاقطار العربية والافريقية, كان المؤلف شريكا فيها او شاهدا عليها, مما يصعب الاحاطة بها في عجاله, ومن هنا فرضت الانتقائية نفسها عبر اختيار واقعة تهريب اليهود (الفلاشا) من اثيوبيا الى اسرائيل عبر اراضي واجواء السودان, والتي افرد لها المؤلف فصلا كاملا تحت عنوان (ايها السادة: انتبهوا... فتيات وفتيان الفلاشا الموساد قادمون) , لا لأن تلك العملية المخابراتية الامريكية التدبير والتحويل كانت بمثابة القشة التي قصمت ظهر حكم نميري وكشفت عن فساده وعجلت برحيله فحسب, وانما لان خطورتها الآنية والمستقبلية تكمن في تأهيل عناصر الفلاشا للقيام بأدوار مخابراتية بارعة في معظم الدول الافريقية ــ على وجه التحديد ـ لحساب اسرائيل, تحت الساتر الطبيعي, كاللون والهوية ولغة التخاطب ومهنة التدبير المنزلي ورعاية الاطفال بعد تزويدهم بجوازات السفر او بطاقات اللاجئين الاثيوبيين والاريتريين المزورة كما يحدث الان ومنذ فترة بعيدة في معظم بيوت صغار وكبار المسؤولين في السودان, والتي يندر خلوها من فلاشية متخفية او اكثر, وربما في غيره من الدول الافريقية والعربية, بعد تدريبهن جيدا على فتح الحقائب والخزائن وتصوير الوثائق السرية, والتصنت على المكالمات التليفونية وجلسات (الونسة) ثم نقل المعلومات الى اسرائيل عبر الوسطاء او الشفرة وربما عبر المكالمات التليفونية الخارجية من اقاربهن وزويهن بدعوى الاطمئنان على احوالهن, وهو نفس الاسلوب الذي كانت تتبعه المخابرات الاثيوبية في السودان ابان حكم الامبراطور هيلاسلاسي عبر (بنات الهوى) وشغالات البيوت ونوهت عنه في كتابي (السودان واهل السودان ـ اراء السياسة وخفايا المجتمع) , ومن يدري فربما كان ايضا نفس اسلوب اجهزة المخابرات الاجنبية في مجتمعاتنا العربية عبر تجنيد الخادمات والمربيات الاسيويات او بعضهن والله اعلم! وفي هذا السياق يسرد المؤلف سلسلة من الوقائع الخطيرة والمثيرة حول مراحل عملية ترحيل اليهود الفلاشا سرا من اثيوبيا, وكيف تصدى لها الرئيس منجستو بعد ان علم بامرها, ثم عاد ووافق عليها مقابل شحنات من الاسلحة الاسرائيلية التي استخدمها في الحرب ضد الاريتريين وقوميات التجراى والاورومو المناوئة له, وكيف تصدى جهاز الامن السوداني لعملية الترحيل الاولى عبر منطقة (قندور) المتاخمة لحدود السودان الشرقية تحت ستار كونهم لاجئين اثيوبيين من ضحايا الجفاف والتصحر, وتعرض لدور الجمعيات الخيرية ومنظمات الاغاثة الدولية في تنفيذ العملية, وعندئذ انسحب جهاز الموساد واخلى الساحة لدور المخابرات الامريكية في انجاز اكبر عملية لترحيل الفلاشا, والتي اطلق عليها فيما بعد (قضية العصر) عبر الاسلوب المخابراتي المعروف باسم (العمليات المغطاة) , حيث استخدمت الطائرات الامريكية العملاقة من طراز (C - 130) في نقل مجموعات الفلاشا الذين وصلوا عبر القوارب المطاطية الى قرية عروس السياحية المطلة على البحر الاحمر ـ الى مطار الخرطوم ومنه الى مطار بن جوريون في اسرائيل وفق ما جاء في الكتاب الذي وضعه ضابط المخابرات الاسرائيلية الذي اشرف على العملية بعنوان (By the way of deception, وهكذا عندما نجحت المخابرات السودانية في القبض على بعض العناصر الاجنبية الضالعة في عمليات التهريب وهم توك روك وستيفن جوستيك وبرهاني, تدخل الكونجرس فورا وتم الافراج عنهم بعد ان قدمت امريكا اعتذارا دبلوماسيا للخرطوم. لكن المخابرات الامريكية لم تعدم الوسيلة لاتمام عملية الترحيل عبر اسلوب (العمليات السياسية) او (التأثير السياسي) على صانع القرار, فكان استخدام (المكون المحلي) في (القفز بالزانة) الى رأس جعفر نميري الذي تخطى كل الضوابط الامنية واصدر قراره بالترحيل مقابل ضمان امريكا بقائه في السلطة او مقابل بضع ملايين كما تردد فيما بعد, حتى ضابط المخابرات عبدالله عبدالقيوم الذي فر من السودان الى تونس لاطلاع الامين العام للجامعة العربية الشاذلى القليبي انذاك على وثائق المؤامرة او الخيانة, قام اللواء عثمان فضل السيد المكلف من قبل رئيس جهاز امن الدولة لتنفيذ العملية ـ بالسفر الى تونس على الطائرة الخاصة بالجهاز لاعادة عبدالقيوم الى السودان بعد ان وعده بإعفائه من المحاكمة.. ومن العجب ان تبادر المخابرات الامريكية الى كشف دور الرئيس نميري في عملية تهريب اليهود الفلاشا بينما كان في زيارة رسمية لامريكا, الامر الذي يثير الجدل حول اختراق الــ (سي. اي. ايه) للانتفاضة الشعبية, كما يدعونا للتساؤل ايضا عن دورها في الكوارث التي حلت بالسودان؟ بعد ذلك وما ينتظره من كوارث ـ لا قدر الله اذا ما تمكن فتيان وفتيات فلاشا الموساد من الدخول الى (الحوش) وهو تعبير سوداني شائع عن خاصة الخصوصيات!. صحفي مصري*

تعليقات

تعليقات